ترانسترومر.. الطبيعة والهوية   
الخميس 10/11/1432 هـ - الموافق 6/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:13 (مكة المكرمة)، 15:13 (غرينتش)

ترانسترومر بدأ الاهتمام بالأدب منذ سن السادسة عشرة (الفرنسية)

الجزيرة نت-خاص

قلة من الناس في العالم العربي يعرفون الشاعر السويدي توماس ترانسترومر الذي نال اليوم جائزة نوبل للآداب، رغم كونه أحد أهم الشعراء المعاصرين في العالم وتوفر قصائده بأكثر من خمسين لغة.

في فرنسا، صدرت أعماله الشعرية الكاملة لدى دار "كاستور أسترال" بين عامي ١٩٩٦ و٢٠٠٤، قبل أن يعاد إصدارها في سلسلة "شعر" الشهيرة لدى دار غاليمار عام ٢٠٠٤.

لم يهتم ترانسترومر -وهو من مواليد 1931- بالشعر أو الأدب حتى السادسة عشرة من عمره، فمنذ طفولته ولع بالعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا لدرجة أراد فيها أن يصبح عالما أخصائيا بالحشرات والنباتات.

في سن الثالثة والعشرين أصدر وهو لا يزال طالبا، ديوانه الأول بعنوان "17 قصيدة" لدى أكبر دار نشر سويدية "بونيرز" الذي بقي مرتبطا بها طوال حياته الأدبية، وبموازاة إنجاز أعمال شعرية غنية، عمل مع معوقين وسجناء ومدمني مخدرات.

أسرار الوجود
كان يجب انتظار قراءته قصيدة بول إيلوار "حرية" وديوان الشاعر السويدي بيتر فايس "من جزيرة إلى أخرى" ليتخلى عن اهتماماته السابقة ويتفرّغ لقراءة الشعراء المحدثين، خصوصا الفرنسيين منهم.

بدأ ترانسترومر كتابة الشعر لدى اكتشافه أندريه بروتون والشعر السريالي، لكن بسرعة أصبح أكثر تطلبا من نفسه فوضع حدا لوحيه المراهق والمتأثّر بقراءاته، ووجد بهدوء مصدر إلهام له في بعض الحالات المحسوسة داخل الواقع اليومي أو في الطبيعة، وهذا ما يفسر قوله "في الواقع، لا أبتكر أبدا أي شيء، ولا أكذب قط في ما يتعلق بظرف القصيدة".

ومنذ محاولاته الشعرية الأولى وحتى ديوانه الأخير "اللغز الأكبر"، تملك قصائده قوة البداهة لسعيه فيها إلى كشف أسرار الوجود الجوهرية ببساطة مدهشة، أي من خلال إصغائه إلى العالم الذي يحيط به بأدق ارتعاشاته، معتمدا على حساسية مرهفة وعميقة وعلى أسلوب كتابي يرتكز على الاستعارة والوصف الدقيق لما يراه أو يدركه.

ولا يبتعد الشاعر عن الواقع الآني إلا للإشارة إلى القوى التي تعمل بعمق في هذا الواقع، بما في ذلك المصائب الكامنة خلف الواجهة الجميلة لحضارتنا البشرية. وإن استخدم الحلم في عدد مهم من قصائده، فباعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ وفهم الأنظمة الكبرى التي تسيرنا وتتحكم بعالمنا.

ويدعو ترانسترومر الذي تابع دروسا في علم النفس، إلى تفحص شعري للطبيعة يسمح بالغوص في أعماق الهوية البشرية وبعدها الروحي.

منذ محاولاته الشعرية الأولى وحتى ديوانه الأخير "اللغز الأكبر"، تملك قصائد ترانسترومر قوة البداهة، لسعيه فيها إلى كشف أسرار الوجود الجوهرية ببساطة مدهشة
مختارات من شعره

يترنّح النهار:
جامدة، ترصد النملة العدم،
تتفحّصه. والعدم يُسمَع، خلف قطراتِ
ورق الشجر المظلم وهمسات شِعاب الصيف الليلية.
شجر التنوب منتصب، كبندول الساعة،
ومُسنن. تشتعل النملة في ظل الجبل.
صراخ عصافير! وأخيرا، ببطء، انطلقت
عربة الغيوم.

بعد الإصابة:
الطفل المريض.
قابعٌ في هذه الرؤية
حيث اللسان مشدودٌ كحبل.

جالسٌ يدير ظهره للوحة حقل قمح.
عُصابة تحت ذقنه تجعلنا نفكّر بأنه محنط.
نظاراته سميكة كنظّارات الغطّاس.
لا شيء يعثر على جواب:
المشهد حاد كهاتف يرن في العتمة.

بطاقة بريدية قاتمة:
يحدث أن يأتي الموت في منتصف العمر
لأخذ قياساتنا. يطوي النسيان هذه الزيارة
والحياة تستمر، لكن الثوب
يُخاط بلا علمنا.

في آذار:
سئمتُ من جميع الذين يأتون بكلمات، كلمات
وما من لغة..
رحلتُ إلى الجزيرة المكسوّة بالثلج.
الجَموح لا كلمات له.
تنتشر صفحاته البيضاء في جميع الاتجاهات!
وقعتُ على آثار أيل على الثلج.
ليست كلمات بل لغة.

لحن:
أحيانا، كانت حياتي تفتح عينيها في الظلام.
فترى جماهير عمياء وهائجة
تمرّ في الشوارع، في طريقها إلى أعجوبة،
بينما أنا واقف لا يراني أحد.

كالطفل حين ينام مرعوبا،
على وقع خطى قلبه الثقيلة
طويلاً، طويلاً، إلى أن يرمي الفجر
أشعته في الأقفال
فتنفتح أبواب الظلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة