كتابة الشهادة الإبداعية   
الخميس 1435/1/26 هـ - الموافق 28/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)
أمير تاج السر
 
من المعروف أن كل كاتب أو مبدع في أي مجال من مجالات الآداب والفنون، مطالب دائما بشهادة عن إبداعه من المفروض أن يكتبها ويشارك بها في أي مؤتمر ثقافي أو فني يحضره، سواء كان ذلك على الصعيد المحلي في بلاده أو الدولي حين يوجد في أحد الملتقيات الدولية.

ولأن هذه الشهادة الإبداعية ليست في الغالب كتابة سهلة أو معتادة بشدة، مثل كتابة القصة أو الرواية بالنسبة إلى الكاتب، فدائما ما تتعسر كتابتها، وغالبا لا تبدو مثمرة أو طموحة حين تنجز أخيرا، ويقرأها المشارك بسرعة وقلق، ولا يتنفس بارتياح حتى تنتهي، خاصة إذا كان هذا المشارك في بداياته لم تتضح بصماته بعد، لكن ماذا يمكن أن يقال في مثل هذه الشهادة؟

حقيقة يوجد عدد من المبدعين لم يتدربوا جيدا على استيعاب معنى تلك الشهادة، ومنهم من يظن أنها سيرة شخصية له تروى بكل نجاحاتها وعثراتها أمام الناس، وقد حضرت مرة ملتقى ثقافيا شارك فيه عدد من الكتاب واستمعت لشهاداتهم التي قرئت، وكان بعضها بعيدا تماما عن سيرة إبداعهم.

هناك من تحدث عن نشأته الأولى وسط أسرة متوسطة أو كبيرة، متى ذهب إلى المدرسة، ومتى أكمل تعليمه، وما هي الشهادات الدراسية التي حصل عليها من دون أن يذكر مكتبة أو كتابا مؤثرا.
وصف كاتب مثلا، رحلته اليومية من بيت أسرته في إحدى القرى الريفية إلى المدرسة التي كانت في قرية أخرى، تبعد أميالا عدة عن قريته، وصف معاناته اليومية وهو متشنج على ظهر حمار لم يكن مريحا أبدا ولا سهل القياد، وكم مرة ألقاه في الترع!

الجمهور الذي يحضر الملتقيات الثقافية لا يلهث وراء تاريخ الكاتب الشخصي، وإنما -إن لهث حقيقة- فخلف غبار من سيرة إبداع قرأ شيئا منه، ويريد إيضاحات أو إضاءات لما كان معتما منه

أيضا تحدث أحدهم عن فرحته الأولى بقلم الحبر الجاف من ماركة باركر الذي أهدته إليه المدرسة، بمناسبة حصوله على درجات جيدة في الامتحان، وكان الأول على صفه، وهكذا لا يخرج الجمهور الذي يتابع مثل تلك القراءات بأي طعم أو شبهة إشارة إلى سيرة الكاتب الإبداعية، وربما تكون سيرة خصبة بالفعل، وتستحق أن يوثق لها، لكنها ضاعت بسبب فهم غير منصف للشهادة وطريقة كتابتها، وضاعت فرصة أن تضاء تلك التجربة، أو يلتقط أحد شيئا من ملامحها.

في الواقع، سيرة المبدع ونشأته ومعاناته وفرحته واستياؤه ونقاط قوته وضعفه كإنسان أشياء مهمة أيضا، فقط تكتب أو يشار إليها، إن كان المطلوب سيرة ذاتية، وهذه بالطبع توثق في كتاب حين يقتنع الكاتب أن الأوان قد حان لكتابة سيرته أو جزء منها.

الجمهور الذي يحضر الملتقيات الثقافية لا يلهث وراء تاريخ الكاتب الشخصي، وإنما إن لهث حقيقة فخلف غبار من سيرة إبداع قرأ شيئا منه، ويريد إيضاحات أو إضاءات لما كان معتما منه.

وخلال مشاركاتي المختلفة كتبت عدة شهادات واستمعت لشهادات كثيرة، عرف أصحابها كيف يكتبونها بالمعنى الحقيقي لها، وضمنوها بذكاء شيئا من طقوسهم اليومية أثناء ممارسة فعل الكتابة، وبذلك حصلنا على إضاءات واضحة للنصوص، وأيضا تعرفنا إلى تلك الطقوس المختلفة التي ينتهجها كل كاتب، وتختلف من كاتب لآخر.

وقد أعجبتني سيرة إبداعية للكاتب التونسي حسن بن عثمان، شارك بها مرة في الأردن، ووصف فيها الكتابة بالفعل الإجرامي الذي يمارس في الغالب في الخفاء بعيدا عن الأعين، والكاتب هنا تماما مثل اللص الذي يسرق بحذر، فقط الكاتب هنا يسرق ملامح مجتمعه، ويختفي في ركن أو غرفة مغلقة، ليسوق تلك الملامح.

أيضا، أعجبتني شهادة أخرى لا أذكر من قرأها، وكانت تصف العالم المحيط بالكاتب بالمتجر الكبير الذي يحوي سلعا رخيصة يمكن للجميع شراؤها، وأخرى غالية لا يقدر عليها إلا القليلون. هو هنا يتحدث عن جودة الكتابة أو رداءتها كما أعتقد. وما زلت أذكر بانبهار شهادة الروائي السوداني العظيم إبراهيم إسحق التي سماها "العرضعالجي"، وألقاها في الخرطوم في أمسية خصصت للاحتفاء به.

كانت لي في بداياتي شهادة اسمها "عطش القروي الذي ولد مدينيا"، وكنت في تلك الأيام لا أزال أسير روايتين غير ناضجتين تحتفيان بعالم القرية في شمال السودان، لكن تلك الشهادة ما لبثت أن توارت حين اتسع عالم الكتابة، وعالم القرى والمدن، وغير ذلك، وأصبحت لي شهادة اسمها "ضغط الكتابة وسكرها" أشارك بها في كل ملتقى أحضره.

الشهادة الإبداعية فرع وارف أيضا في شجرة الإبداع الظليلة، ومن الواجب كتابتها وتجديد كتابتها مع كل تجربة جديدة

ليست كما هي في كل مرة بالطبع، ولكني أعدل فيها وأضيف ما استجد من الأعمال وكيفية كتابتها، وإضاءات سريعة لها، ثم ليصدر لي مؤخرا كتاب بالعنوان نفسه يحوي نظرتي للثقافة والحياة، عبر مقالات عديدة كتبتها في مراحل مختلفة. السؤال هنا: من هو المبدع المؤهل لكتابة شهادة إبداعية؟

في اعتقادي الشخصي، إن المبدع المؤهل لذلك لا بد أن يحمل على ظهره تاريخا طويلا من الصبر والتأملات، وبالنسبة إلى الكاتب بالتحديد لا بد من إصدارات عديدة ومتنوعة حتى تكون الشهادة محترمة وكاملة، وهي تحكي سيرة إبداعه لا سيرته هو كما ذكرت. تماما مثل الدرجة العلمية التي ترتفع بمن يحملها، وتؤهله ليحاضر في تخصصه.

الكتابة المتنوعة والتاريخ الطويل هما شهادتا ماجستير ودكتوراه الكتابة، وقد بات يحملهما في عالمنا العربي كثير من المبدعين ممن أثروا الوجدان، ورصفوا طرقا ممهدة سار عليها الكثيرون، شهادة لواحد مثل بهاء طاهر مثلا أو إبراهيم عبد المجيد أو صنع الله هي شهادات مميزة ودروس في فن الكتابة.

الكاتب حتى لو نجح أو لمع في بداياته يحتاج لمزيد من الوقت والعمل حتى يصبح قادرا على كتابة سيرة مبدعة، ليس انتقاصا من قيمته، ولكن لأن لا شيء كثيرا سيكتب، وما زلت أذكر ارتباكي وأنا أكتب شهادتي الأولى، في الحقيقة لم أكن مؤهلا للكتابة، ولا كان عندي شيء أقوله، وكتبت كأنني أكتب موضوع إنشاء ملأته بالصور الشعرية، وقرأته في عجالة وأتمنى ألا يناقشني أو يسألني أحد.

إذاً، أخلص إلى أن الشهادة الإبداعية فرع وارف أيضا في شجرة الإبداع الظليلة، ومن الواجب كتابتها، وتجديد كتابتها مع كل تجربة جديدة، ولن تكون أبدا ترفا حين تكتب وتلقى بلا عجالة في الملتقيات التي تحتفي بالكتابة والكتاب.

 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة