جاك لانغ: معهد العالم العربي سينطلق مجددا   
الجمعة 1435/4/1 هـ - الموافق 31/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)
جاك لانغ: العربية لغة رائعة وعالمية ويجب أن يعاد لها الاعتبار بفرنسا (الجزيرة)
حاوره بوعلام رمضاني
 
منح تعيين رجل الثقافة الفرنسي الشهير جاك لانغ على رأس معهد العالم العربي بباريس العام الماضي أملا بتطوير هذه المؤسسة التي اتهمت بالنخبوية وعدم انفتاحها الكافي على جمهور أوسع، ومع تجاهل الإعلام لنشاطات أهم مؤسسة ثقافية عربية بأوروبا ومعضلة التمويل المستمرة، يأمل كثيرون أن يفتح لانغ عهدا جديدا لهذه المؤسسة العريقة.
 
ولانغ هو وزير الثقافة السابق في عهد الرئيس الراحل ميتران، والأشهر بعد أندري مالرو وزير الجنرال ديغول، وهو رجل القانون والمسرح وصاحب الإنجازات الثقافية والفنية الكبيرة في فرنسا.

يؤكد لانغ أن رؤية تطوير المعهد بدأت تؤتي أكلها اعتمادا على سمعته وعلاقاته وصداقاته المتينة مع المسؤولين العرب، ويشير إلى أن إطلاق المعهد لجائزة الأدب العربي الشاب والمشاريع الجديدة للمعهد والاتصالات الحثيثة والزيارات المرتقبة لدول عربية -بعد زيارته لقطر- دليل عافية بدأت تلوح في الأفق.

الجزيرة نت التقت رئيس معهد العالم العربي جاك لانغ وحاورته عن آفاق العمل في المؤسسة الثقافية العربية الأشهر في أوروبا وبرامجه المستقبلية لتطويرها.

ماذا تمثل عاطفيا ورمزيا رئاستكم للمعهد الذي اخترتم مكان تشييده عام 1981 رفقة الرئيس الراحل فرانسوا ميتران؟

جاك لانغ (وسط) أثناء تسليم جائزة الأدب العربي الشاب للروائي اللبناني جبور الدويهي (الجزيرة)

- سؤال جيد لم أكن أنتظره. إنها سعادة كبيرة تعيدني كما قلتم إلى المكان الذي اخترته لبناء صرح ثقافي عربي يطل على ضفاف السين وعلى كل معالم باريس، ويضاف إلى سلسلة الرموز الثقافية التي تزخر بها العاصمة الفرنسية.

وجودي اليوم على رأس المعهد الذي يعد الفريد من نوعه في العالم يعد من منظور سؤالكم استمرارية لمساري الثقافي العام وعلاقتي القديمة والقوية بالعالم العربي، وعليه يمكن القول إن امتزاج العاطفة الشخصية بالعقل العملي رمزية قوية تنطق بارتباطي الخاص بهذه المؤسسة التي حصلت من خلالها على ثقة الرئيس هولند والسفراء العرب.

وحتى أكون صادقا وصريحا مع نفسي ومع قرائكم الكرام، أضيف أن وجودي على رأس المعهد لم يكن يخطر ببالي، وهو من غرائب الحياة.

لكن هذه الغرابة يمكن أن تفهم كمفارقة إذا ما استندنا منطقيا إلى ماضيكم الثقافي من جهة وإلى علاقتكم التاريخية والقوية بالعالم العربي من جهة أخرى، وهما المعياران الموضوعيان الواجب توافرهما في رئيس المعهد.

- هذا صحيح إذا ما عرف القراء أنني ترعرعت وكبرت على إيقاع حرب الجزائر وحركات الاستقلال في البلدان العربية، وعليه يمكن القول إن مخيالي الثقافي والفكري نتاج هذه العلاقة التاريخية الوطيدة.

أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إنها علاقة كرسها موقفكم المتوازن من الصراع العربي الإسرائيلي، وتحديدا من الاستيطان الإسرائيلي، وهذا موقف نادر عند المثقفين الفرنسيين. ما تعليقكم وهل أنا مخطئ؟

ترعرعت وكبرت على إيقاع حرب الجزائر وحركات الاستقلال في البلدان العربية، وعليه يمكن القول إن مخيالي الثقافي والفكري نتاج هذه العلاقة التاريخية الوطيدة

- أبدا أبدا. أنا رجل سلام ومع حرية الشعوب ومناهض للاستعمار، وبالتالي مناهض للاستيطان الإسرائيلي والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.

غرابة الحياة أرادت مجددا أن أنظم عام 1990 بطلب من الرئيس ميتران حفل تكريم كبير للراحل عرفات، رغم اعتراض الكثير من المثقفين والسياسيين من اليمين واليسار، وكان التكريم في معهد العالم العربي.

نتحول الآن إلى إحدى أهم مشكلات معهد العالم العربي في تقديري، ألا وهي لامبالاة الإعلام الفرنسي حيال نشاطات المعهد، الأمر الذي عطل إشعاعه الجماهيري. هل توافقني الرأي؟ وهل تعدون بتجاوز المعضلة، علما أن لا خيار أمامكم إذا كنتم تنوون إيصال بصمتكم إلى أوسع مدى ممكن؟

- أقاسمك الرأي تماما، ولن يدوم هذا الأمر وأؤكد بأن التغيير آت، وستكون التظاهرات المبرمجة ذات نوعية عالية، وسيعود الجمهور العريض إلى المعهد.

هذا التغيير سيتضح في شهر أبريل/نيسان بتنظيم المعهد لتظاهرتين مهمتين، أولاهما معرض قطار "لوريون إكسبرس" (الشرق السريع) الذي سيكون بمثابة رحلة عبر تاريخ العالم العربي والإسلامي، والثانية في معرض الحج الأول من نوعه في تاريخ المعهد، وسيدشنه الرئيس هولند وإحدى الشخصيات السعودية المرموقة.

المعهد ليس له إحصائية مؤكدة عن عدد الزوار الذين يترددون على نشاطاته. كيف ترون الأمر علما بأن الجمهور في تناقص خلال الأعوام الأخيرة؟ وما هامش مسؤولية الإعلام في ذلك مقارنة بالسياسة العامة للمعهد والبرمجة المقدمة تحديدا؟

- يجب أن لا نعطي الانطباع بأن الماضي كان صفحة سوداء، والمعهد قدم بعض الأشياء الجيدة وسيكون أيضا على مواعيد كثيرة هذه السنة في حجم الحدثين المذكورين، وسيعود الإعلام والجمهور إلى المعهد، وأنت شخصيا كنت من بين الذين سعدوا بحدث جائزة الأدب الشاب التي تابعتها الجزيرة نت مشكورة.

وماذا عن الجو الإداري الداخلي الذي كان مشحونا  إلى حد ما والمشاكل الكثيرة التي عكرت صفو العمل؟

من مشاريع التجديد والإغناء توسيع نطاق تدريس اللغة العربية من خلال فروع محلية وجهوية للمعهد، تجاوزا لمشكلة ضيق المساحة الكافية وردا على تزايد الطلب

- كان هذا الجانب من أولوياتي، وأستطيع القول إن الجميع يعمل اليوم في أجواء ثقة وأريحية ويمكن أن أجزم أن زمن المشاحنات والمعارك قد ولى. ويبقى همّ الفريق الذي عمل معي منذ وصولي بكل ما يملك من جهد ومثابرة هو إحداث التغيير وتحويل المعهد إلى منارة حقيقية، وسيكون عام 2014 عام الوجه الجديد للمعهد، وحدسي يقول إننا سنفتح عهدا واعدا.

ماذا يمكن القول عن نقائص الماضي حتى تتضح أهمية تصوركم الجديد؟

- أنا رجل بناء وإيجابي، والعودة إلى الماضي قد تعني مهاجمة المسؤولين السابقين وهذا ليس من طبعي وشيمي.

ما ينقص هو الحماسة المطلوبة والإرادة والمعرفة والعلاقات والرؤية، وزيارتي للدوحة في بداية فبراير/شباط تضاف إلى سلسلة الاتصالات التي تمت والأخرى التي ستتم لتتوج بنتائج عملية وملموسة تصب في صلب حاجات يجب تداركها بالعمل والتعاون مع الكثير من المسؤولين العرب الذين تربطني بهم علاقات تاريخية وشخصية في المجالين السياسي والثقافي. الإرادة والحماسة تعنيان أنني أول من يأتي إلى المعهد وآخر من يغادر.

ما الأمثلة أو الإنجازات التي تحققت وستعمّق مستقبلا زاهرا تجسيدا للرؤية الجديدة؟

- أولا يجب أن تصبح المعارض مرادفة لمفهوم الحدث الثقافي الشامل بكل ما يكتسبه من أبعاد تاريخية وحضارية تناقش وتعمق من منطلق الهوية المتعددة الأوجه للعالم العربي، كما سيتم مع معرضي "أوريون إكسبرس" و"موسم الحج".

فكريا بدأنا منذ مدة تعزيز فقرة أيام الخميس التي تتناول قضايا راهنة بمشاركة رموز سياسية وفكرية ثقيلة من منطلق إحداث التوازن المطلوب مع فقرات بدت طاغية في السابق، كما ننوي إطلاق سلسلة من الملتقيات والندوات الكبيرة، وفي هذا الإطار سننظم في شهر سبتمبر/أيلول الملتقى الدولي للتجديد في العالم العربي، بحضور شخصيات فكرية رفيعة المستوى لمناقشة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والنفسية.

سنشرك أيضا الشباب والأطراف المدنية والجمعوية الفاعلة في المجتمع التي لا يهتم بها الإعلام كما قلتم. وباختصار تجسيد الحياة العربية بكافة تجلياتها ومتغيراتها المعاصرة.

ستكون مهمة تحقيق كل المشاريع المذكورة صعبة إذا لم يتعاون الجميع، وأرفض أن أتحول إلى شحاذ لإنقاذ معهد العالم العربي

رؤيتي التجديدية ستشمل أيضا برمجة فنية عامة وموسيقية حديثة خاصة تتوجه للشباب الغائب في المعهد الذي لم ينفتح بالقدر الكافي عليهم، وسنكون في الشهر القادم على موعد مع الموسيقى العربية الإلكترونية، وفي شهر يونيو/حزيران مع الموسيقى الجديدة في العالمين العربي والغربي.

ومن مشاريع التجديد والإغناء كذلك توسيع نطاق تدريس اللغة العربية من خلال فروع محلية وجهوية للمعهد تجاوزا لمشكلة ضيق المساحة الكافية وردا على تزايد الطلب، فاللغة العربية جميلة ورائعة وعالمية ويجب أن تأخذ مكانها الذي تستحقه في فرنسا.

هل ترون أنه من الطبيعي أن يستضيف المعهد المثقفين الفرنكفونيين ويهمش المعربين الذين يشكلون التجديد الحقيقي لدى الشرائح الشبانية، كما هو مثلا في الجزائر وفي بلدان مشرقية ومغاربية كثيرة ما زالت تقدم الأسماء الأدبية التقليدية في كل المناسبات؟

- هذه كارثة حقيقية، ولهذا فجعت حينما وجدت ملصق المعهد منشورا باللغة الفرنسية فقط، وهو الآن قيد الترجمة إلى اللغة العربية، لكن مشاريعي لن تتحقق دون المال المطلوب الذي لا يصل في وقته من عدة جهات عربية.

كيف تنوون حل هذا الإشكال المستمر منذ نشأة المعهد؟ وهل علاقاتكم وسمعتكم ستكون ناجعة حتى في هذه الحالة العبثية؟

- إلى حد الآن وحدها الحكومة الفرنسية تمول المعهد، وأنا بصدد طرق أبواب الدول العربية وستكون مهمة تحقيق كل المشاريع المذكورة صعبة إذا لم يتعاون الجميع، وأرفض أن أتحول إلى شحاذ لإنقاذ المعهد، ولم يحدث في تاريخي أن قمت بتسيير مؤسسة خاسرة. وفي الأخير أرجو أن تحرجوا الحكومات العربية الكثيرة كما أحرجتموني أكثر من مرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة