منور صمادح.. بائع الفطائر الفصيح   
الخميس 1434/1/23 هـ - الموافق 6/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:45 (مكة المكرمة)، 10:45 (غرينتش)
ملصق فيلم "كلمات" عن الشاعر منور صمادح الذي تظهر صورته في الأعلى (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
لسنوات ظلت السينما التونسية تستبعد الاهتمام برموز الثقافة بالبلاد، بما في ذلك الشخصية الأكثر حظوة عند النظام وهو الشاعر الكبير أبو القاسم الشابي، لكن سينما ما بعد الثورة استشعرت الحاجة إلى توثيق الذاكرة الثقافية التونسية من خلال أعلامها، خاصة في ظل الجدل القائم في التعاطي مع مفهوم الهوية وغيره نتيجة التجاذبات الفكرية والسياسية في البلاد.
 
وأنتجت هذه الصحوة الفنية عددا من الأفلام التي تعنى بسيرة الفنانين والأدباء، فأخرج مختار العجيمي فيلما عن الأديب الكبير محمود المسعدي بعنوان "المسعدي ساحر الوجود"، ثم أخرج السينمائي فوزي شلبي فيلما عن شاعر الحرية وصاحب قصيدة "كلمات" منور صمادح، وهي القصيدة الأكثر شهرة في الأدب التونسي بعد قصيدة "إرادة الحياة" للشابي.
 
ويرصد شلبي في فيلمه الوثائقي عن صمادح تحولات حياة أحد كبار الشعراء في المغرب العربي التي اتسمت بالكثير من التقلبات والمآسي، وتتميز بتماسها المباشر مع النظام البورقيبي الذي قرب صمادح في البداية قبل أن يزج به في السجون بعد خلافه معه.
المخرج فوزي شلبي: الغاية من الفيلم رفع التهميش عن شاعر تونسي كبير (الجزيرة)

معارضة بورقيبة 
يلاحق فيلم "كلمات" سيرة منور صمادح منذ النشأة حتى الوفاة، وتراوح الفيلم بين السرد الخطي لهذه الحياة مع راو مصاحب لمشاهد من البيئة التي نشأ فيها الشاعر وبين مجموعة من الشهادات لعدد من المثقفين والمبدعين والنقاد والمؤرخين من جميع الأجيال عرفوا الشاعر مباشرة أو عبر كتبه. كما أعطى المخرج الكلمة لبعض أبناء جيله من سكان منطقته "نفطة" بالجنوب التونسي ليرووا ذكرياتهم مع الشاعر.

ويظهر في الفيلم أن الخلاف ما زال قائما بين المثقفين في تقييم إنتاج الشاعر، فمنهم من يعتبره قامة كبرى بحجم رامبو وبودلير وأوكتافيو باث، ومنهم من يعتبر شعره الحماسي مباشرا ومنبريا ولم يكن يملك مشروعا شعريا واضحا ولا رؤية فنية.

ويعود نسب منور صمادح (1931-1998) إلى عائلة أدبية وعلمية معروفة بالجنوب التونسي وكانت أمه المتأثرة بوالده تنظم الشعر، وقد ترك منور صمادح الدراسة مبكرا ليلتحق بالعمل، وتقلب في أعمال صعبة كبائع متجول وعامل في مخبزة قبل أن يصبح بائع فطائر في مدن شتى منها مكثر بالشمال الغربي حيث التقى لأول مرة بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي انبهر بفصاحته عندما ألقى قصيدة في حضرته.

تلك اللحظة كانت فارقة في حياة بائع الفطائر الفصيح، ومنذ ذلك الوقت أصبح بورقيبة -كما يرد في الفيلم- لا يشرع في إلقاء خطاباته -التي اشتهر بها- إلا بعد أن يقدم صمادح أولا قصيدة للجمهور الذي يتهيأ نفسيا لسماع خطابات بورقيبة الحماسية بعد ذلك.

وظل الشاعر منور صمادح، رغم شهرته وإشرافه على صفحات أدبية بالصحف التونسية وقتها، يبيع الفطائر حتى التحق بالإذاعة الوطنية مشرفا ومراقبا للبرامج الأدبية والثقافية.

في أواخر الستينيات انتفض منور صمادح ضد بورقيبة وأخذ في نقده وهجاء نظامه ودخل في مواجهة معه، فزج به في السجون وعذب، وتسبب له ذلك في مرض أدخله مستشفى الأمراض العصبية المعروف في تونس باسم "مستشفى الرازي"، وأوشك على الجنون فأصيب بالرهاب أو الفوبيا الناجمة عن الإحساس بأن شخصا ما يطارده ويريد قتله.

كل ذلك حصل لشاعر رفض بشدة أن يكون شاعر بلاط، وقال بيته الشهير الذي قلب عليه بورقيبة: شيئان في بلدي قد خيبا أملي/ الصدق في القول والإخلاص في العمل. وقد اتخذ بورقيبة من هذا العَجُز شعارا له يردده دائما.

وقد اقترب منور صمادح من الاتحاد العام التونسي للشغل -المنظمة النقابية العريقة في تونس- وكان صوت العمال، وهو ما زاد من أزمته مع النظام البورقيبي خاصة بعد أن نظم ما نظمه في الزعيم النقابي الشهيد فرحات حشاد ونقده اللاذع لبروقيبة في قصيدته التي قال فيها:

عهدي به جدا فكان مزاحا... بدأ الضحية وانتهى سفاحا
من حرر الأجساد من أصفادها...عقل العقول وكبل الأرواحا
كان السجين فصار سجانا لها... يا من رأى سمكا غدا تمساحا

اقترب منور صمادح من الاتحاد العام التونسي للشغل -المنظمة النقابية العريقة في تونس- وكان صوت العمال، وهو ما زاد من أزمته مع النظام البورقيبي 

رموز الثقافة
وقال المخرج شلبي في حديث للجزيرة إن غايته من الفيلم كانت رفع التهميش عن شاعر كبير أدى به حبه لوطنه وصدامه مع بورقيبة إلى مصحة الأمراض العصبية، وما إن خرج منها حتى عاد النظام إلى ملاحقته، ففر إلى الجزائر وأقام بها ولم يعد لبلده إلا في السبعينيات.

وتجربته العاطفية الفاشلة أعادته إلى عالم الجنون والهلوسة، ومات بعد ذلك مقهورا من التهميش والظلم والمآسي الكبيرة التي عاشها ليترك موروثا أدبيا كبيرا لكنه بقي مهمشا كما همّش هو في حياته، وظل شاعر الثورة الأولى والشاعر المتمرد على الدكتاتورية الأولى شاعرا مجهولا.

والفيلم الذي رفضت دعمه وزارة الثقافة -كما يقول شلبي- يندرج ضمن مشروع متكامل لتقديم رموز الثقافة التونسية سينمائيا، وخاصة الوجوه التي وقع تهميشها، ويرى شلبي أنه يراهن على إحياء الذاكرة ثم بعدها يجري البناء، على عكس السينمائيين الذين توجهوا إلى إنجاز أفلام عن الثورة.

وعن بعض الهنات التي ظهرت في الفيلم، يقول المخرج إن حياة منور صمادح حياة معقدة ودرامية ورغم محاولاته تقديم بعض جوانب غير معروفة من حياة الشاعر فإن فيلما واحدا عنه لا يكفي ولعله يشكل بداية لتناولٍ مختلفٍ ومن زوايا أخرى لحياة الشاعر التونسي ومساره الأدبي.

وقد اعتمد شلبي في عمله الوثائقي على ما توفر من مراجع وخاصة رسائل صاحب قصيدة "كلمات" إلى أصدقائه. وقد شكل رحيل شقيق منور صمادح، والذي كان قد بدأ يجمع أعمال أخيه الشاعر، مأزقا كبيرا إلى جانب اعتراض بعض الجهات على تقديم ما تمتلك من وثائق للاستفادة منها مثل الإذاعة الوطنية ومستشفى الرازي الذي أقام به الشاعر الراحل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة