نهاية النفوذ الأميركي   
الاثنين 1431/1/12 هـ - الموافق 28/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 19:50 (مكة المكرمة)، 16:50 (غرينتش)
 

يرى كل من براد ديلونغ الاقتصادي بجامعة كاليفورنيا وستيفن كوهين أستاذ التخطيط الإقليمي بنفس الجامعة أن دول العالم تحلم منذ نحو ربع قرن من الزمان بما يسمى بالحلم الليبرالي الجديد, حيث لجأت إلى خصخصة ممتلكتها والتقليل من مشاركاتها في الشركات القومية.
 
وتدخلت تلك الدول من أجل مراقبة الناشطين بالأسواق والسيطرة عليهم, لكنها أفاقت الآن من غفوتها, بعد أن تبدد هذا "الحلم الليبرالي الجديد".
 
وفي هذا السياق يرى الكاتبان في مقال في "فورين بوليسي" أن "علينا العودة إلى منتصف القرن العشرين لتفسير ذلك عندما قرر فرانكلين روزفلت الخروج من عزلة أميركا والدخول في الحرب إلى جانب بريطانيا لمواجهة الآلة العسكرية النازية ووقاية العالم من أهوال النازيين بمساعدة من الاتحاد السوفياتي بزعامة ستالين.
 
وبعد انتهاء الحرب, استخدمت أميركا المال لإغراء الحكومات الأخرى, حيث عرضت خطة مارشال التي دفعت بأوروبا الغربية لتبني النظام الاقتصادي الديمقراطي الاجتماعي. كما مولت الولايات المتحدة عمليات ترتيب لتغيير الأنظمة, على حد قولهما.
 
اقتصاد الدولار
أما اليوم, فقد ظهر ما يعرف باقتصاد الدولار, كما يقول براد ديلونغ وستيفن كوهين اللذان يربطان ذلك بما يحدث في لبنان وبنما والإكوادور والكثير من الدول، وحيث يتم تداول نحو 450 مليار دولار نقدا "وذلك بسبب خشية الناس من المخاطرة بالاحتفاظ بعملاتهم الوطنية".
 
كما أن حملة الأوراق النقدية من فئة مائة دولار يحتفظون بها على شكل استثمارات وليس نقدا. يعمد إلى ذلك العديد من ربات المنازل اليابانية والأطباء الألمان وصناديق التقاعد الأسكتلندية والشركات الهولندية وأباطرة تجار المخدرات الكولومبيين وشركات التأمين اليابانية ورجال الأعمال الروس.
 
هذا المال الخاص الذي يعود للأفراد والشركات والمنظمات المتطلعين إلى عوائد مجزية. والكثير من تلك الأموال كما يقول كاتبا المقال هي في يد الدول النفطية, كما أن هناك كميات هائلة من الأموال لدى الدول الآسيوية مثل اليابان وسنغافورة, والصين وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ.
 
وتبدو الصين أكبر من يحتفظ بالدولار, حيث تمتلك احتياطيا نقديا يبلغ نحو 2.5 تريليون من الدولارات. وهنا يبرز المثل القائل "المدين عبد الدائن".
 
أما بخصوص الدين الخارجي الأميركي فأفضل ما يمكن التعبير عنه به هو المقولة التالية "عندما تستقرض مليون دولار من البنك يكون البنك قد تملكك, ولكن عندما تصبح مدينا له بمليار تكون أنت من تملك البنك".
 
السوق الحرة
ويمضي الكاتبان في القول إن الولايات المتحدة نجحت خلال الثلاثين سنة الماضية في عرض نفسها على أنها صاحبة الأسواق الحرة ووسعت مفهوم السوق الحرة ليشمل الأفراد والمؤسسات خاصة الحكومة.
 
وتبنى ذلك العديد من الأشخاص والحكومات في مختلف أنحاء العالم وكان هناك مفهوم استخدام القوة الناعمة بدلا من القوة العسكرية علما بأن القبول بذلك أحد العناصر الأساسية في الهيمنة الأميركية.
 
"
النفوذ الأميركي بدأ في الأفول على ضوء امتلاك الآخرين أيضا للمال, حيث لم تبق الحداثة الأميركية على حالها بمرور الوقت
"
مصادر القوة
ولأن المال مصدر قوة, ونظرا لكون الولايات المتحدة امتلكت الثروة خلال المائة عام الماضية, فقد رغب الناس في مختلف أنحاء العالم في تقليد الأميركيين في الحداثة والكفاءة والديمقراطية والحيوية الاجتماعية والنظافة والقوة والثروة.
 
وعندما تتكدس الأموال فإن من شأن ذلك زيادة القوة والنفوذ جراء ثقافة تكدس الثروة وتصبح الأموال جزءا من الحياة اليومية وهو ما يعرف بحياة الترف والرفاهية.
 
وبعدما برزت الولايات المتحدة أغنى دول العالم بعد الحرب العالمية الأولى انتشرت موسيقى الجاز الأميركية بسرعة. وشد أوروبيون الرحال إلى أميركا لمشاهدة ناطحات السحاب في نيويورك والمعالم العمرانية والصناعية وغيرها من المغريات المادية.
 
وهكذا استمرت "ثقافة الهيمنة الأميركية" في التزايد ليرتدي الشباب بمعظم أنحاء العالم ملابس الأميركيين ويقلدونهم في المأكل والملبس واللغة والموسيقى.
 
بداية الأفول
لكن النفوذ الأميركي بدأ في الأفول على ضوء امتلاك الآخرين أيضا للمال, حيث لم تبق الحداثة الأميركية على حالها بمرور الوقت, وبات عدد ناطحات السحاب في شانغهاي أكثر وأطول وأحدث منها في نيويورك.
 
وربما كان هذا الأمر شيئا جيدا بالنسبة للأميركيين من منطلق الانفتاح على الحضارات والأفكار الأخرى, في حين لم تتوقف موجة الثقافة التي قدمتها أميركا وصدرتها عبر السينما.
 
يضاف إلى هذا أنه تم إثراء الثقافة الأميركية عبر مستوردات ثقافية خارجية بداية من كرة القدم وانتهاء بالسوشي ناهيك عن الشهادات العلمية في علوم الأحياء والمادة.
 
يخلص الكاتبان إلى أن الولايات المتحدة تثق بأنها ستبقى رائدة القوة الحضارية, مع وجود فرق بين الريادة الحضارية وبين الهيمنة الحضارية.
 
ويشير المقال إلى أن الباحثين في الجامعات يشكلون قدوة للعالم في مختلف مجالات التقنية الحديثة, ووادي سيليكون خير مثال على ذلك كما أن هناك قوة حضارية أميركية جديدة صاعدة تتمثل في باراك أوباما وميشيل أوباما, لكن من غير المرجح أن تبقى أميركا القوة الحضارية المهيمنة بهذا المضمار إلى الأبد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة