عين ساكوت.. استعادة جزء من الأرض المسلوبة   
الجمعة 1438/1/5 هـ - الموافق 7/10/2016 م (آخر تحديث) الساعة 3:39 (مكة المكرمة)، 0:39 (غرينتش)

عاطف دغلس-الأغوار الشمالية

كطفل صغير خلع ملابسه وهرول مسرعا رغم وعورة الطريق، غطس في المياه وبدأ يجدف بيديه كأنه يجدف في بحر، مع أنه حوض مياه بالكاد يتسع لموطئ قدميه، لكن ذاكرة الرجل تحمل الكثير.

يستجمع الرجل قواه ويلملم نفسه لينطلق في جولة حول أرضه ومنزل عائلته حيث كان، ففي قرية عين ساكوت بالأغوار الشمالية الفلسطينية دمّر الاحتلال كل شيء حين احتلها قبل نصف قرن، ومنع أهلها من زيارتها.

ليس هذا فحسب، ففي نفس المواطن عزت دراغمة (أبو محمد) أحلام طفولة عاشها بأرضه في عين ساكوت، وبدأ يسترجعها مذ أن داست قدماه ثراها.

استرجع أبو محمد معها تفاصيل كثيرة لا يزال يذكرها بدقة حول اقتحام جيش الاحتلال قريتهم وإخراجهم قسرا، ثم تدميرها وتسويتها بالأرض وتحويلها إلى منطقة عسكرية.

 جزء من أراضي المواطنين في قرية عين ساكوت لا تزال في قبضة المستوطنين (الجزيرة نت)

حكم بالعودة
مؤخرا أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية للأهالي -بعد دعاوى رفعوها- إعادة نحو 3500 من أصل ستة آلاف دونم (الدونم يساوي 1000 متر مربع) من أراضي المواطنين. أما في الواقع فلم يُطبق القرار بعدُ، بل لا يزال المكان يضج بمستوطنين يستجمون في نبع القرية يحرسهم جنود مدججون بالأسلحة.

وسكن عين ساكوت الحدودية مع الأردن قبيل تهجيرها نحو ثمانمئة عائلة، ليستوطن أرضها والقرى المجاورة بعد احتلالها زهاء ستة آلاف مستوطن في ثماني مستوطنات وستة معسكرات للجيش.

ورغم ذلك لم يجد الستيني أبو محمد مكانا أجمل من نبع مياه قريته الذي عهده منذ صغره باردا وعذبا، وألقى بنفسه فيه غير آبه بالجنود والمستوطنين، علّه يطفئ بذلك لهيب شمس تفوق حرارتها الأربعين في تلك المنطقة.

يقول الرجل إنها المرة الأولى التي يزور فيها قريته منذ خمسين عاما، وإن كل ما يذكره حرب أحرقت الأخضر واليابس إبان احتلال إسرائيل لها عام 1967 "حيث طُرِدنا منها بقوة السلاح ودونما عودة".

كانت هذه العودة مرهونة ببقاء الاحتلال الذي حوّل القرية إلى منطقة عسكرية يُحظر بكل الطرق دخولها، حتى رفع يده العسكرية عنها قبل سنوات قليلة، وأطلق ليد المستوطنين العنان لاستكمال تهويدها مثل بقية الأراضي.

فالاحتلال هدم منذ بداية العام 2016 نحو ثلاثمئة منشأة في الأغوار الشمالية ونفذ 26 حالة مصادرة لممتلكات المواطنين وأدواتهم الزراعية.

"إنهم يحظرون علينا كل شيء.. الزراعة والماء ورعي الأغنام وكل ما يثبت وجودنا"، يقول الحاج سعيد عوض (أبو نبيل) الذي أطلعنا عن قرب على معاناته، إذ لم يحصل الرجل بموجب قرار المحكمة الإسرائيلي على الجزء الأكبر من أرضه، وظل أكثر من خمسين دونما منها مصادرا.

لم يكترث أبو نبيل (67 عاما) لجنود الاحتلال الذين أشهروا بنادقهم في وجهه، وأصرّ أن يرينا منزله المهدم وأرضه المصادرة.. "إنها الأطلال.. بقايا ركام من منزل كان آهلا بخيرة الناس"، يصف القرية والحزن يملأ قلبه.

كان الاقتراب من الحدود التي رسمها الاحتلال لنفسه على أراضي قرية عين ساكوت ووضع جدران شائكة ومكهربة هو ما استفز جنود الاحتلال الذين طوّقوا المكان ومنعوا عشرات الصحفيين من العمل، بل نكّلوا بهم واحتجزوهم لساعات.

أبو محمد دخل قريته بعد تهجيره منها قبل خمسين عاما (الجزيرة نت)

أخبر الضابط الإسرائيلي الصحفيين بعلمه بقرار المحكمة الأخير، وأنه لن يمنع أي تواجد للأهالي بقريتهم، لكن دون الاقتراب من السياج الحدودي.

وثيقة سرية
"يُضير هؤلاء الجنود تواجدُ الفلسطينيين بأرضهم"، حسبما يقول مسؤول ملف الاستيطان في الأغوار الشمالية معتز بشارات، ويضيف أن الجيش لم ينجح في تسليم الأرض للمستوطنين بعد إخلائها.

ويتابع أن المواطنين استغلوا ثغرات قانونية تخولهم استعادة أرضهم، حيث عثروا على وثيقة سرية مبرمة بين الجيش والمستوطنين تسمح لهم باستغلال الأرض وزراعتها، وهو ما يُعدُ مخالفة لأن الأرض صودرت لغرض عسكري، "كما لم يتمكن الجيش من إعادة فرض الصبغة العسكرية على الأرض المخلاة لأنها لم تعد كذلك بموجب قرار المحكمة".

وحتى يعود الرجلان -أبو محمد وأبو نبيل- لزراعة أرضهما وتصدير منتجاتها، يظل نبع المياه "المقدسة" كما يصفانها مأواهما الوحيد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة