أكبر فسيفسائية بالعالم.. معلم أموي بفلسطين   
الجمعة 1438/1/20 هـ - الموافق 21/10/2016 م (آخر تحديث) الساعة 11:08 (مكة المكرمة)، 8:08 (غرينتش)

عاطف دغلس-أريحا

في مدينة القمر (أريحا بالضفة الغربية)، أقدم مدينة بالعالم وأخفضها عن مستوى سطح البحر، يواصل الشاب نضال الخطيب وزملاؤه العمل في أحد أهم معالمها الأثرية ليكشفوا النقاب عن أكبر لوحة فسيفساء متصلة في العالم بقصر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.

وبحضور رسمي وشعبي، تم أمس الخميس الكشف عن الأرضية الفسيفسائية الأجمل والأكبر في العالم، بعد أن ظلت مغطاة بالرمال سنين طويلة منذ عملية التنقيب الأولى في القصر في ثلاثينيات القرن الماضي.

يتخذ الخطيب، الخبير في فن الفسيفساء، وزملاء له من "مدرسة الفسيفساء" الواقعة بإحدى زوايا القصر الشمالية مكانا للانطلاق نحو عملهم المتواصل منذ أيام لإزالة الرمال عن لوحة الفسيفساء بقاعة الاستقبال الملكية في القصر.

يقول الخطيب إن "مثل هذه اللوحة لا تقدر بثمن لطريقة حفظها وعملها بمهارة وتقنية عالية"، ويضيف أنه وزميلين آخرين يقودان فريقا للترميم والتنظيف بهدف إزالة الغطاء الرملي عن اللوحة تمهيدا لتغطية سقفها بعد الحصول على دعم دولي لذلك.

يحرص نضال وبشدة كي لا تندثر بعض الأحجار الفسيفسائية التي نُبشت من مكانها نتيجة التنظيف وعوامل الجو، ويطلب من الزائرين السير "بهدوء" خشية الإضرار بها. 

خبير فسيفساء ينظف إحدى سجادات اللوحة الفسيفسائية قبل الكشف عنها (الجزيرة)

حرفية الفن
ويعود أصل اللوحة لبداية إنشاء القصر الأموي سنة 720 ميلادية، وتمتد على أرضية قاعة الاستقبال الواقعة بين ديوان الخليفة المعروف بـ"شجرة الحياة" حيث يستقبل كبار الزوّار وبين الحمام الكبير بمساحة تقدر بـ827 مترا مربعا وتحوي 38 سجادة فسيفسائية تبرز مجتمعة مناظر وأشكالا زخرفية وهندسية مختلفة، وتظهر بعضها دوائر مركزية ودائرة الإشعاع ومنها أيضا سجادة المائدة.

"كل سجادة تظهر منفردة الجمال أكثر وتقدم نموذجا لعمل فني متقن يصعب وصفه أو منافسته" يضيف الخبير الخطيب، ويبين أن التنقيب يجري من أجل إنجاز دراسة تقييمية وتحليلية لحالة الفسيفساء لمعالجة المشاكل والأضرار، وقد حصروا بعضها المتمثل في انتفاخات بالأرضية وبعض التفكك في حبات الفسيفساء والرطوبة العالية والأملاح، وبين أنهم سيشرعون بعمليات الترميم قريبا.

وتبرز الحجارة الملونة بشتى أشكالها في اللوحة، ويعد الأسود والأحمر والأبيض والأصفر أبرزها، حيث جمعت هذه الحجارة من مناطق مختلفة.

وجرى التنقيب بالقصر في ثلاث حقب زمنية، أولاها خلال الانتداب البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي، والثانية في الستينيات من القرن نفسه أثناء الحكم الأردني، والثالثة في عهد السلطة الفلسطينية عامي 2006 و2011.

وكانت أعمال التنقيب تلك تعقبها أعمال ترميمية للوحة الفسيفسائية، ثم "تطمر بالرمال" لحمايتها من أشعة الشمس وعوامل الجو المختلفة والأيدي العابثة.

ويقول المدير العام لوزارة السياحة والآثار بمدينة أريحا إياد حمدان إن مشاريع ودراسات عديدة أنجزت لتغطية اللوحة لكنها كانت تصطدم بالتمويل، إلى أن تبنت الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) المشروع وبتكلفة تقدر بعشرة ملايين دولار أميركي.

أحد المسجدين اللذين يقعان داخل قصر هشام بأريحا حيث توجد أكبر لوحة فسيفسائية بالعالم (الجزيرة)

ويتربع القصر الذي دمره زلزال كبير عام 749 م على مساحة تقدر بأربعين دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع)، ويحوي قاعة الاستقبال والديوان والحمام الكبير ومسجدين ومعصرة نبيذ وحمامات للخدم ومخازن للطعام.

سطو المحتل
ونقل البريطانيون آثارا كثيرة لا سيما التماثيل من داخل القصر للمتحف الفلسطيني بالقدس (متحف روكفلر الآن) في حين استمر الاحتلال الإسرائيلي في السطو على المكان.

يتكون سقف الأرضية الفسيفسائية من مواد عازلة تحافظ على شكل اللوحة وطبيعتها وتمنع تعرضها للعوامل الخارجية، وستبنى ممرات علوية تسمح للزائرين برؤيتها بشكلها الكلي.

وتكمن أهمية هذه اللوحة الفنية في تأكيد الهوية الفلسطينية للمكان والتصدي لكل محاولات الاحتلال الإسرائيلي الرامية لتحريف الروايات التاريخية لصالحه، وتؤكد أيضا على التنوع الثقافي والحضاري الذي مر فوق هذه الأرض.

من المؤكد أن هذه القطعة الفنية الجديدة ستضيف جمالا آخر لقصر هشام وتميزه بين 104 مواقع أثرية بمحافظة أريحا، لكن الأهم بالنسبة لأصحاب القرار وباحثي الآثار الفلسطينيين يكون بالوصول لمعظم المواقع الأثرية والتنقيب فيها وخاصة في مناطق "سي" الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة