اليمن حارب فكر القاعدة بالحوار   
الأربعاء 1427/12/7 هـ - الموافق 27/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 2:08 (مكة المكرمة)، 23:08 (غرينتش)

حمود الهتار: اليمن أضاف وسيلة فعالة لمكافحة الإرهاب هي الحوار (الجزيرة نت)

عبده عايش-صنعاء

قال القاضي حمود الهتار -رئيس لجنة الحوار الفكري- إن الحوار مع المعتقلين المشتبه في انتمائهم إلى القاعدة "حقق نتائج جيدة".

وأضاف -في حوار مع الجزيرة نت- أنه "تم تصحيح المفاهيم الخاطئة (...) التي تلحق ضررا بالإسلام والمسلمين لا يقل عن المخططات والأعمال المعادية للمسلمين".

وأكد الهتار أن لجنة الحوار -التي شكلها الرئيس علي عبد الله صالح قبل أربع سنوات لمحاورة معتقلي القاعدة أو من يحملون أفكارا متطرفة- نجحت في "نزع فتيل المواجهات بين أولئك الشباب وبين الأجهزة الأمنية"، مشيرا إلى أن اللجنة تعمل على دمج المفرج عنهم في المجتمع، وإعادة الموظفين منهم إلى وظائفهم. وتبحث عن عمل للعاطلين منهم، وتحل المشكلات الأسرية لمن يعانون منها.


ماذا حققت تجربتكم في محاورة المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة؟

حققنا -منذ بداية سبتمبر/أيلول 2002- نتائج جيدة من هذا الحوار على المستويين الداخلي والخارجي، فعلى المستوى الداخلي تم تصحيح المفاهيم الخاطئة التي كانت موجودة لدى بعض أبنائنا وإخواننا، والتي تلحق ضررا بالإسلام والمسلمين لا يقل عن المخططات والأعمال المعادية للمسلمين، وتظهر الإسلام بصورة غير صورته التي أنزلها الله عليه، وتوفر المبررات والذرائع للآخرين لينالوا من ديننا وأمتنا.

فالإسلام دين الحرية والعدالة والمساواة والتسامح والعيش مع الآخرين، وبعض هؤلاء الذين نحاورهم فهموه بعيدا عن هذه المفاهيم الصحيحة.

والفائدة الثانية من الحوار تتمثل في إيجاد الأمل لدى هؤلاء الشباب في إمكانية العيش بسلام، ذلك أن فقدان الأمل يجعل الشخص أمام خيارين لا ثالث لهما، إما قاتلا أو مقتولا، والحوار أوجد خيارا ثالثا هو خيار العيش بسلام والتخلي عن العنف.

وأما الفائدة الثالثة فهي نزع فتيل المواجهات بين أولئك الشباب وبين الأجهزة الأمنية، من خلال إيقاف العمليات التي كان يتوقع تنفيذها في اليمن، وكذلك إيقاف الملاحقات غير القانونية.

كما ساهم الحوار في ترسيخ الأمن والاستقرار في اليمن، فمنذ أواخر ديسمبر/كانون الأول من عام 2002م وحتى اليوم، إذا ما استثنينا الأحداث التي وقعت في حضرموت ومأرب قبيل الانتخابات الرئاسية في 20 سبتمبر/أيلول 2006م، فإن اليمن لم تشهد أي حادثة إرهابية.

"بعض أسباب اعتناق فكر القاعدة يعود إلى ضيق مساحة الحرية في البلاد العربية والإسلامية، وبعضها إلى ضعف المقررات الدينية في المدارس والمؤسسات الرسمية"

والفائدة الخامسة هي الإفراج عن أكبر عدد ممن شملهم الحوار وليسوا متهمين في قضايا جنائية، أما المتهمون في قضايا جنائية فقد أحيلوا على القضاء، وهو الذي فصل أو سيفصل في أمرهم طبقا للدستور اليمني والقوانين النافذة، كما هو الشأن بالنسبة للمتهمين في تفجير المدمرة الأميركية كول وناقلة النفط الفرنسية ليمبورغ وغيرها من القضايا التي فصل فيها القضاء.

على ماذا استندتم في تفنيد أفكار القاعدة، وهل كان الحوار يوازي حجم الورقة الأمنية في مكافحة ما يسمى الإرهاب؟

لقد شنت اليمن حربا فكرية على أفكار القاعدة، وذلك بالرجوع إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية والاستدلال على الأخطاء التي اشتمل عليها فكر هذا التنظيم، وبيان أنه فكر لا يمثل الإسلام، وقبل أن تبدأ عملية الحوار في اليمن لم يجرؤ أحد في العالم الإسلامي أو في غيره من البلدان أن يقول إن فكر القاعدة فكر مخالف للقرآن الكريم والسنة النبوية.

وبالحوار تمكنا من إيجاد وسيلة فاعلة ومؤثرة لمكافحة الإرهاب، وحتى الثلاثين من أغسطس/آب عام 2002م، لم يكن في العالم إلا وسيلة واحدة لمكافحة الإرهاب هي استخدام القوة، فأضاف اليمن وسيلة أكثر فاعلية وأجدى سبيلا، بل أقل كلفة وأكثر تأثيرا في مكافحة الإرهاب، وهي وسيلة الحوار، وقد أثبتت اليمن أن القلم واللسان يمكن أن يصنع ما عجزت عن صنعه أحدث الأسلحة وأذكاها.

هل تعترفون بفكر القاعدة؟

نحن نعترف بالأشخاص، ونؤمن بأن من حق أي إنسان أن يعبر عن رأيه كيف يشاء وأن يقتنع بما يشاء، وأنه ليس من حقنا أن نفرض عليه رأيا على الإطلاق، نحن نؤمن بالحوار.

هل ثمة التزامات محددة من هؤلاء الذين تتحاورون معهم؟

كل جولة تنتهي ببيان يوقع عليه من شملهم الحوار، يلتزمون فيه بنبذ العنف ووقف الإرهاب، ويلتزمون بالمحافظة على الأمن والاستقرار في اليمن، واحترام حقوق غير المسلمين وحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، واعتبار من تسمح له السلطة بالدخول إلى اليمن آمنا وعدم المساس بسفارات ومصالح الدول الأخرى التي لديها معاهدات مع اليمن ما دام العهد قائما.

بعد الإفراج عن هؤلاء الذين اقتنعوا بنبذ العنف، هل تعطى لهم الحرية الكاملة في الحركة والعمل، وهل يخضعون لمراقبة أمنية؟

طبعا يخضعون للمراقبة لفترة معينة تصل لعام، ولكن الرقابة لا تحد من حرية حركتهم أو عملهم.

ما هي الوسائل التي تعتمدونها في إقناع هؤلاء بنبذ العنف والعدول عن أفكارهم؟

الحوار محادثة بين طرفين متكافئين يحاول كل منهما إقناع الآخر بوجهة نظره ويقدم الأدلة على ذلك. والحوار له قواعد وفي مقدمتها الاعتراف بالآخر وتحديد أهدافه وموضوعه ومرجعيته وزمانه ومكانه، وترتيب مواضيع الحوار، الأهم ثم المهم، واتباع الطرق العلمية والفكرية في الإقناع، والقبول بالنتائج أيا كانت، ما دامت لا تتعارض مع المرجعية المتفق عليها.

الهتار قال إن الحوار شمل أزيد من 420 معتقلا أفرج عن 364 منهم (الجزيرة نت)
وهناك ضمانات لترسيخ نتائج الحوار في الواقع، فمن انتهينا معه بعد الحوار إلى نتائج إيجابية وتقرر الإفراج عنه، نعمل على إعادة استيعابه ودمجه في المجتمع، ونعيد من كان موظفا إلى وظيفته، ونجد فرصة عمل لمن كان عاطلا، ونحل المشكلات لمن يعاني منها في أسرته أو منطقته، ونقدم مساعدات مالية على سبيل القرض والهبة لمن لم تكن له فرصة في العمل حتى يجده.

هل من ضمن الوسائل في إقناعهم أيضا مساعدتهم على الزواج ليشعروا بمسؤولية تجاه أسرهم؟

استيعاب ودمج الأشخاص لا يقتصر على الزواج، بل هو برنامج متكامل، يضم تدبير فرصة العمل وتأهيل الشخص ومساعدته على الزواج إن كان يرغب في ذلك، مع العلم أن أغلبهم متزوجون.

هناك من يرى أن هذا الحوار غير متكافئ ويعيب عليكم محاورة المعنيين وهم رهن الاعتقال مما يجعلهم يتحاورون تحت الضغط، ما رأيكم؟

هذه مقولة من لا يعرف هذه الفئة، فهم يمتلكون من شجاعة الرأي ما يمكنهم من قول لا أو نعم، والسجن ليس له تأثير على آرائهم، فقد سمعنا منهم نقدا لم نسمعه من أقوى زعماء أحزاب المعارضة.

وماذا سمعتم منهم؟

البعض منهم اتهم مسؤولي الدولة والنظام بالكفر وبأمور لا أحب أن أسترسل فيها، لأننا حريصون على دمجهم في المجتمع، ومن عامل الإدماج أن السياسة الإعلامية الرسمية التزمت خطابا هادئا، ولم تسلك مسالك وسائل الإعلام الأخرى التي أطلقت عليهم ألفاظا ربما حالت بينهم وبين الاندماج في المجتمع.

نحن لم نقل إن هؤلاء ضالون أو مكفرون أو خوارج، وللتذكير فلجنتنا تسمى "لجنة الحوار الفكري مع الشباب العائدين من أفغانستان وغيرهم ممن لديهم قناعات فكرية مخالفة لما عليه الجمهور"، ولدينا جوانب تربوية تساعد هؤلاء على الاندماج في المجتمع، الذي لا نعطيه عنهم نظرة تحول بينهم وبين الاندماج.

وكم عدد الذين حاورتموهم خلال السنوات الماضية؟

يزيدون عن 420 شخصا، وقد أفرج عن أكثر من 364 منهم ممن ليسوا متهمين في قضايا جنائية.

في اعتقادكم، لماذا يلجأ بعض الشباب لاعتناق فكر القاعدة؟

ثمة أسباب كثيرة، وفي مقدمتها الإلمام الناقص بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، والجهل بقواعد استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وعدم مراعاة الواقع المعيش أو الذي يراد تنزيل الأحكام عليه.

وهناك أيضا آثار التعبئة التي تمت في زمن الحرب الباردة، وتحديدا في مواجهة الاتحاد السوفياتي الذي احتل أفغانستان، ومخلفات تلك الحرب لدى بعض الشباب، الذين عاشوا أكثر من عشرين عاما لا يسمعون إلا صوت البندقية، فتغلبت لديهم النزعة القتالية على النزعة الروحية والأخلاقية.

وبعض الأسباب يعود إلى ضيق مساحة الحرية في البلاد العربية والإسلامية، وبعضها الآخر يعود إلى ضعف المقررات الدينية في المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية، واتجاه الراغبين من الشباب في دراسة الدين إلى مناهج ربما غير آمنة لتدريس ودراسة ديننا الإسلامي الحنيف.

"
الإسلام دين الحرية والعدالة والمساواة والتسامح والعيش مع الآخرين، وبعض هؤلاء الذين نحاورهم فهموه بعيدا عن هذه المفاهيم الصحيحة

"
ومما لا شك فيه أن مواقف الدول الغربية، وخاصة أميركا، إزاء بعض القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين والعراق وأفغانستان، لها دور في ذلك، كما أن بعض الأسباب يعود إلى الهوة الاقتصادية بين الشرق والغرب.

أغلب الأعمال والتفجيرات التي توصف بالإرهابية وقام بها بعض المنتمين للقاعدة في اليمن استهدفت مصالح أجنبية، وليس مصالح يمنية مباشرة، فلماذا تصادمت السلطة اليمنية بأفكار وأعضاء القاعدة؟

فكر القاعدة يقوم على ركنين أساسيين، الأول تكفير الحكومات الإسلامية، والثاني قتال غيرهم، وقضية تكفير الحكومات الإسلامية ينزع غطاء الشرعية عنها حتى يستطيعوا من خلالها أن يقوموا بهذه العمليات الإرهابية، لأنهم لو آمنوا بأن هذه الأنظمة شرعية لما وسعهم إلا أن يكفوا عن هذه الأعمال، لأن هناك دولة.

وفي ما يتعلق بقتال غير المسلمين واستباحة مصالحهم، فهذا أيضا مخالف لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذه المصالح مبنية على معاهدات، ودماء غير المسلمين معصومة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، والاختلاف في الدين أو عدم التدين ليس مبررا للقتل ما لم يقترن بالحرب.

ولكن تنظيم القاعدة يبرر استهداف المصالح الأميركية بوجود احتلال عسكري أميركي لبلاد عربية وإسلامية، ويقول إن الجهاد بات فرض عين على كل مسلم لدفع هذا الاحتلال والانتقام لدماء المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان؟

أجمع علماء المسلمين على أن إعلان الجهاد موكول إلى رئيس الدولة أو ولي الأمر، وليس من حق الأفراد. والجهاد يجب في حالتين: الأولى إذا دهم العدو بلدا فيجب على أهله أن يدافعوا عنه، وهذا حق مقرر في الشرائع السماوية والمواثيق الدولية.

والثانية إذا استنفر رئيس الدولة أو ولي الأمر مواطنيه، فعند ذلك يجب الجهاد، والاستنفار إذا كان الأمر متعلقا بحالة خارج البلد، وإذا لم يضمن ولي الأمر عدم الهزيمة في هذه المعركة، فإنه لا يجوز له أن يعلن حربا أو يدخل فيها، لأنه سيلقي بنفسه وبشعبه إلى التهلكة.

ما حقيقة ما يقال عن ذهاب العديد من الشباب اليمني للقتال في العراق ضد القوات الأميركية، خاصة وأن أخبارا تفيد مقتل واعتقال بعضهم؟

لم يثبت لدينا بدليل قاطع أن شخصا ما تم القبض عليه هناك من اليمنيين، ولكن هناك أخبارا تتردد. والسفر للعراق يعتبره أمثال هؤلاء الشباب جهادا، ولكنه في حقيقة الأمر بالنسبة لغير العراقيين ليس جهادا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة