جفاف شرق المتوسط.. الأسباب والآثار   
الثلاثاء 1437/6/7 هـ - الموافق 15/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:42 (مكة المكرمة)، 16:42 (غرينتش)

*المهندس أمجد قاسم

ذكر بحث صادر عن إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، أن منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط شهدت موجة من الجفاف امتدت 14 عاما، بين عامي 1998 و2012، وأن هذه الموجة هي الأسوأ منذ تسعمئة عام.

وبين البحث أن دول شرق المتوسط -مثل سوريا ولبنان والأردن وتركيا وقبرص- وكذلك بعض الدول الأفريقية المحاذية لساحل المتوسط، قد شهدت أسوأ موجة جفاف منذ عام 1100، وتأتي هذه الدراسة في سياق عمل ناسا المستمر لتحسين نماذج الحاسوب التي تحاكي المناخ في الحاضر والمستقبل.

منطقة شرق المتوسط قد شهدت سابقا موجات من الجفاف وسنوات عجاف، تسببت في تهديد حياة واستقرار سكان تلك المنطقة، وانتقالهم في هجرات جماعية ضخمة نحو مناطق مجاورة

أدلة تثبت
تشير الدراسات التاريخية إلى أن منطقة شرق المتوسط قد شهدت سابقا موجات من الجفاف وسنوات عجاف تسببت في تهديد حياة واستقرار سكان تلك المنطقة، وانتقالهم في هجرات جماعية ضخمة نحو مناطق مجاورة.

وبحسب الدراسة التي أجراها الباحثون في معهد "غودارد" لدراسات الفضاء التابع لناسا، وكذلك مرصد "لامونت دوهارتي" للأرض الذي يقع في جامعة كولومبيا في نيويورك، فإن الباحثين قد استندوا في دراستهم تلك على حلقات الأشجار في عدد من دول العالم ومنها دول شرق البحر المتوسط وكذلك مناطق شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، من أجل بناء نماذج للطقس والمناخ خلال حقب زمنية متعاقبة تمتد بين عامي 1100 و2012.

وحلقات الأشجار التي دُرست جُمعت من أشجار حية وميتة، وهي تبين المناخ الذي ساد في المناطق التي نمت فيها تلك الأشجار، والمواسم المطرية والجافة، إذ إن حلقات الأشجار السميكة تدل على مواسم مطرية جيدة، أما حلقات الأشجار الرقيقة فهي تشير إلى حدوث فترات جفاف في تلك المناطق، وقد تبين لفريق البحث توافق ذلك مع الوثائق التاريخية التي أرّخت لتلك الفترة.

ويستطيع الباحثون على أثر ذلك تحديد الأسباب التي أدت إلى حدوث تلك التقلبات المناخية الخطيرة، سواء كانت أسبابا طبيعية -كما حدث في حقب زمنية سابقة- أو بسبب النشاط البشري وتفاقم مشكلة الاحترار العالمي التي ألقت بظلالها الداكنة على كوكب الأرض.

يقول الباحث بن كوك المشارك في الدراسة السابقة "إن منطقة شرق المتوسط قد شهدت تقلبات في الطقس شديدة التباين على مدار تسعة قرون، لكن من الملاحظ أن العقدين الماضيين الأخيرين كانا الأكثر تطرفا في الطقس، إذ شهدا موجة حادة من الجفاف"، ويضيف أن "الجفاف الأخير في منطقة شرق المتوسط يقع خارج نطاق مدى التباين الطبيعي، وأن دراستهم في الواقع تدعم دراسات سابقة أخرى تشير إلى أن أسبابا بشرية تقع وراء الظواهر المناخية المتطرفة".

يؤدي الجفاف الممتد سنوات طويلة إلى انهيار المجتمعات السكانية بسبب تراجع القطاع الزراعي وقلة الموارد المائية

انعكاسات خطيرة
يؤدي الجفاف الممتد لسنوات طويلة إلى انهيار المجتمعات السكانية بسبب تراجع القطاع الزراعي وقلة الموارد المائية، ومنطقة شرق المتوسط تتأثر في الواقع بمنظومة تدفق الهواء وحركة الرياح ضمن نمط شرق وشمال المحيط الأطلسي، والذي يؤدي إلى حدوث المنخفضات الجوية وتدفق الرياح الماطرة أو الانحباس المطري.

ويوضح الباحثون في جامعة أوكسفورد، أن آثار التغير المناخي الذي صنعه الإنسان سوف تؤثر بشكل مباشر وخطير على منطقة شرق المتوسط، فالجفاف الذي ضرب تلك المنطقة أدى إلى حدوث هجرات بشرية ولجوء من مناطق إلى أخرى، وكانت السيطرة على منابع المياه والأنهار هدفا لمن يمتلكون القوة والنفوذ.

ويشير الباحثون في جامعة كولومبيا وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، إلى أن الجفاف قد تسبب في انهيار القطاع الزراعي -مثلا- في سوريا مؤخرا، وهجرة نحو مليون ونصف من المزارعين إلى المدن، وهذا تسبب في زيادة الضغط على موارد البلاد المختلفة.

يذكر أن المناطق المحاذية للبحر الأبيض المتوسط تتباين في مدى تأثرها بظاهرة الجفاف، إذ لوحظ أن تعرض المناطق المحاذية لشمال المتوسط -كإيطاليا واليونان وجنوب فرنسا وإسبانيا- للجفاف، يصاحبه هطول مطري جيد في مناطق شمال أفريقيا وشرق المتوسط، حيث تندفع الرياح الباردة الرطبة على تلك المناطق والتي تتسبب بأمطار غزيرة، والعكس بالعكس.

يتأثر مناخ العالم بشكل مباشر بالعوامل البيئية وتغيراتها التي يحدثها الإنسان بسبب نشاطاته المختلفة

التغير المناخي والجفاف
يتأثر مناخ العالم بشكل مباشر بالعوامل البيئية وتغيراتها التي يحدثها الإنسان بسبب نشاطاته المختلفة، ومنذ عام 1938 حذر العالم جورج كالندز من العواقب الوخيمة التي سوف يتسبب بها تزايد انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض، ومن أهم تلك التغيرات: حدوث الجفاف في كثير من بقاع العالم وما ينجم عنه من مجاعات بسبب شح الغذاء والموارد المائية والهجرات القسرية الجماعية.

ويستند الباحثون في دراساتهم للسجلات المناخية للأرض على عدد من الأدلة، ومنها العينات الجليدية التي يتم الحصول عليها من الصفائح الجليدية في غرينلاند وغيرها، والفقاعات الهوائية المحبوسة في الجليد منذ القدم، والتي بينت التباين الواضح في سقوط الأمطار في بعض المناطق وقلتها في مناطق أخرى.

تبين لاحقا للعلماء وجود علاقة وثيقة بين الاحتباس الحراري وحدوث تغيرات حادة في المناخ العالمي، وتأثر الأنظمة البيئية الهشة بهذا التغير الحاد

وحتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي، لم يكن لدى بعض الباحثين قناعة تامة بالعلاقة بين الارتفاع في درجات الحرارة للكرة الأرضية بشكل عام والتغيرات المناخية، لكن تبين لاحقا للعلماء وجود علاقة وثيقة بين الاحتباس الحراري وحدوث تغيرات حادة في المناخ العالمي وتأثر الأنظمة البيئية الهشة بهذا التغير الحاد، ومنها الأنظمة الزراعية المصدر الرئيس للغذاء في العالم وكذلك الموارد المائية، وتأثير ذلك على التجمعات السكانية والأمن الغذائي والنظم الاقتصادية والأنماط الحياتية السائدة.

إن الكوارث الطبيعية التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية شاهد على جسامة التغيرات التي لحقت بمناخ الأرض، ففي بداية هذا العقد أصابت بعض المناطق في الهند وباكستان فيضانات عارمة أدت إلى قتل وتشريد آلاف البشر، كما اندلعت الحرائق في كثير من غابات العالم، وقد تأثرت منطقتنا العربية بشكل مباشر بهذه التغيرات، إذ شهدت بعض دول الخليج العربي أمطارا غزيرة وفيضانات عارمة وتساقطا للثلوج، كما شهدت دول شرق المتوسط مواسم من الجفاف الحاد وقلة في تساقط الأمطار وتراجعا واضحا في الموارد المائية وتهديدا للأمن الغذائي والسلم الأهلي.


_______________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة