مسجد قرطبة ومستقبل الإسلام في أوروبا   
الأربعاء 1436/6/26 هـ - الموافق 15/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 22:14 (مكة المكرمة)، 19:14 (غرينتش)

مسجد قرطبة، أشهر معالم التراث الإسلامي في أوروبا، اختفى اسمه في الخريف الماضي عن الخارطة أو خارطة غوغل على وجه التحديد، ولو تصفح أحد السياح في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خارطة المعالم السياحية لمدينة قرطبة للبحث عن مسجدها لوجد أنه استبدلت به كاتدرائية قرطبة، وهي مكان عبادة كاثوليكي ضمن جدران المسجد القديم.

أثارت الحادثة ضجة على مستوى الرأي العام، وانتفض عدد من النشطاء المدنيين لمطالبة غوغل عبر البريد الإلكتروني بإعادة اسم المعلم التاريخي كما هو.

قدم النشطاء عريضة بتوقيع أكثر من 55 ألف اسباني خلال ثلاثة أيام فقط، تطالب بإعادة كلمة "مسجد" لاسم هذا المعلم التاريخي العريق ووصفت تصرف غوغل بأنه "مسخ لجزء أصيل من تاريخ المعلم بجرة قلم".

واتهمت العريضة أسقف قرطبة باختلاس اسم هذا المعلم التاريخي، فما كان من غوغل أمام هذا الموقف الثابت إلا أن تتراجع عن خطوتها وتعيد اسم المعلم على خرائطها "مسجد وكاتدرائية قرطبة"، وهو الاسم الرسمي الذي اعتمد في ثمانينيات القرن الماضي.

كان مسجد قرطبة والجامعة الملحقة به قلب الحركة الفكرية في أوروبا (غيتي)

خلف الكواليس
لم يعرف من يقف وراء إثارة هذه الحادثة، فالكنيسة الكاثوليكية أنكرت أي تورط لها في المسألة، وغوغل ردت ردا مبهما في بيان أرسلته لصحيفة إيل باييس الإسبانية الواسعة الانتشار، قالت فيه إنها تستقي معلوماتها من مصادر متعددة.

إلا أن كثيرا من الإسبان يرون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن إخفاء اسم المسجد كان ثمرة عمل دؤوب لشطب أي أثر للتراث الإسلامي من تاريخ بناية تشكل رمزا روحيا وفكريا لمسلمي الأندلس.

كانت قرطبة في القرن العاشر أشهر مدن أوروبا وربما العالم بأسره، بشوارعها المعبدة والجيدة الإنارة وبمياهها الجارية وآلاف المحلات التجارية والمكتبات العامة ومنها مكتبة الخليفة التي كانت تضم نحو 400 ألف كتاب.

وكان مسجدها الذي شيده عبد الرحمن الداخل عام 785 ميلادي جوهرة المدينة، وحرص خلفاء الأندلس على توسيعه وصيانته بشكل مستمر.

وفي العام 929 أعلن الأمويون أنهم  خلفاء المسلمين في مسعى منهم لجعل عاصمتهم قرطبة قلب العالم الإسلامي بأسره، وكان مسجد قرطبة رمزا لسلطة الأمويين وكذلك قلب الحركة الفكرية.

كان المسجد يتسع لنحو أربعين ألف مصل إضافة إلى الجامعة الملحقة به والتي كان الطلبة ونخبة المفكرين يشدون الرحال إليها من جميع أرجاء المغرب الإسلامي. كان المبنى يحظى باحترام كبير وحتى عندما سقطت قرطبة بيد فرديناند الثالث عام 1236 لم يشأ أن يهدمه بل حوله إلى كاتدرائية وأبقى على محراب المسجد وأقواس بنايته باللونين الأحمر والأبيض، التي بنيت على شكل حذاء حصان.

كان المسجد رمزا لمدينة عرفت تعايش الأديان السماوية الثلاثة لقرون عديدة (غيتي)

رمز للتسامح
وإضافة إلى دوره الديني والعلمي، كان مسجد قرطبة رمزا للإنجازات الثقافية في الأندلس، أما اليوم فإن المبنى الذي يضم الكاتدرائية والمسجد أصبح رمزا للتسامح والانسجام التاريخي حيث عاش كل من المسيحيين والمسلمين واليهود سوية بسلام، الأمر الذي يبدو أننا نفقده اليوم.

ورغم ارتباط تاريخها بالعصر الإسلامي، فإن إسبانيا اليوم أضحت مكانا لأشد المشاعر المناوئة للإسلام حيث قال 65% من الإسبان عام 2013 أنهم يعتبرون الإسلام غير مناسب للعالم الغربي مقارنة مع 55% في فرنسا و45% في بريطانيا.

من جهة أخرى، لطالما قدمت إسبانيا نفسها زعيمة التعايش مع الإسلام في أوروبا اعتمادا على سمعة تاريخ التسامح الديني في الأندلس وقرطبة. كما تحاول إسبانيا تقديم نفسها رمزا عالميا للانسجام بين الأديان ووجهة للسياح المسلمين ورجال الأعمال، وفي خضم ذلك يقف مسجد قرطبة الذي أصبح نقطة جوهرية في الجدل المحتدم حول كيفية تشكيل تاريخ إسبانيا لحاضرها ومستقبلها .

يعتبر اختفاء كلمة "مسجد" لفترة وجيزة عن خريطة غوغل فصلا من فصول النزاع حول اسم هذا المعلم ورمزيته، فمنذ العام 2006 تقوم كاتدرائية قرطبة التي تدير الموقع بمسح اسم المسجد عن عنوان هذا المعلم وكذلك عن المواقع الإلكترونية ومن النشرات المطبوعة بحيث أصبح اسم المعلم "كاتدرائية قرطبة " فضلا عن شطب اسم المسجد من  الدليل السياحي لترسيخ الهوية المسيحية للموقع.

وعندما أصبح المكان يستقبل شعائر دينية مسيحية منتظمة كان المتكلمون يشيرون إلى فترة الحكم الإسلامي "بالغزو الإسلامي"، لإيهام السائح بأن المبنى كان مسيحيا قبل أن يكون مسلما وأن سنوات الحكم الإسلامي التي امتدت خمسة قرون لم يكن لها أثر على مدينة قرطبة كمدينة مسيحية. 

الحفريات الأثرية لم تجد أي دليل على وجود كنيسة في موقع المسجد قبل تشييده
حفريات أثرية
عند زيارة المبنى، فإن أول ما يسترعي انتباه الزائر هو حفرة مغطاة بالزجاج في أرضية المسجد تشاهد من خلالها فسيفساء يقال إنها تنتمي لعصور مسيحية في تاريخ المبنى، إلا أن عالمة التاريخ سوسانا كالفو قالت في محاضرة لها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إن الدلائل الأثرية لا تشير إلى أي وجود لكنيسة قبل المسجد
.
 
أثار هجوم الكنيسة على اسم المسجد وإرثه الإسلامي ضجة في إسبانيا، ولكنها لم تكن على نطاق قومي أو عالمي حتى السنة الماضية عندما تقدمت مجموعة من النشطاء عام 2014 بطلب لاستعادة اسم مسجد وكاتدرائية قرطبة على المبنى وبإناطة الإشراف عليه إلى سلطة قومية بدلا من الكنيسة الكاثوليكية.
 
وصل عدد الموقعين على العريضة نحو 400 ألف بينهم عدد من جهابذة الثقافة مثل عالم الآثار البريطاني نورمان فوستر والكاتب الإسباني خوان غوفتسيلو علاوة على اتصال عدد من الناشطين بوسائل الإعلام الدولية مثل هيئة الإذاعة البريطانية وقناة الجزيرة.
 
من جهة أخرى، أصدرت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بيانا في ديسمبر/كانون الأول 2014 أدانت فيه تغيير اسم المسجد، ووصفت ذلك بمحاولة  لطمس معالم التاريخ الإسلامي في الأندلس واستفزازا للمسلمين عامة وفي إسبانيا خاصة.
 
جدير بالذكر أن المدافعين عن المسجد يرون فيه صرحا لتواصل الحضارات وليس مسجدا فحسب.
 
عبد الرؤوف اقترح تسمية المركز الثقافي الإسلامي باسم "بيت قرطبة" (رويترز)

انقسام بين المؤرخين
ويأمل العلماء والباحثون أن تصبح قرطبة مكانا لتعايش الأديان حيث عاش المسلمون واليهود والمسيحيون بانسجام وتسامح، ورغم إثارة البعض لما يعرف في الغرب بـ"شهداء قرطبة" من المسيحيين الذين أعدموا في القرن التاسع لإهانتهم الإسلام علنا، إلا أن هناك آخرين يرون في العلاقات الاجتماعية يومها درجة عالية من التسامح، دليلها تولي عدد من اليهود مناصب هامة لدى الأمراء والخلفاء المسلمين، مثل حسداي بن شبروط الذي عمل طبيبا ومستشارا شخصيا للخليفة، وما كان من أثر كبير للعلوم الإسلامية على نهضة ظهور فكرية واسعة عند اليهود شملت الفلسفة والدراسات اللغوية والتفسير والتصوف، مثل اقتباس دوناش بن لبرات الذي اقتبس من الشعر العربي ليثري الشعر العبري
.

بات التسامح بين الثقافات في قرطبة أكثر قوة بعد أحداث 11 سبتمبر ورفع شعار صراع الحضارات وما عرف بحرب بوش على الإرهاب، إلا أن أوباما أشاد بالتسامح الديني والثقافي في قرطبة في خطابه الشهير بالقاهرة، بينما اقترح إمام مسجد غراوند زيرو بنيويورك فيصل عبد الرؤوف تسمية المركز الثقافي الإسلامي في المدينة بـ"بيت قرطبة".

هناك ما يقارب مليوني مسلم في إسبانيا، وما يميزهم عن غيرهم من مسلمي أوروبا أنهم يعتبرون أنفسهم امتدادا للحضارة الإسلامية في الأندلس، بينما في فرنسا ينظر للمسلمين الفرنسيين على أنهم تحدّ للقيم الجمهورية القديمة خصوصا العلمانية.

ولكن هذا لا يعني أن المسلمين مقبولون في المجتمع الإسباني تماما، فاليمين الإسباني يجاهر بأن الإسلام "خطر وشيك" واتهم زعيم جماعة يمينية متطرفة الناشطين المطالبين بإعادة اسم المسجد بأنهم يلقون حبل النجاة للجهاديين.

في المقابل، هناك من يدير المشهد بعقلانية أكثر مثل رئيس تحرير جريدة الباييس الذي انتقد أسقف قرطبة لشطبه كلمة المسجد من اسم المبنى المعروف باسم "مسجد وكاتدرائية قرطبة" واتهمه بـ"مهاجمة المسلمين الإسبان وإطلاق نعرات الكراهية والأصولية".

ويجمع المسلمون الأسبان في مقابلات أجريت معهم بأنهم وأقاربهم قد تعرضوا للمضايقة عند زيارتهم المسجد. وفي هذا السياق كان رئيس المجلس الإسلامي في قرطبة قد تقدم بطلب إلى البابا بينديكت عام 2006 لجعل كاتدرائية قرطبة مكانا للصلاة لكل من المسلمين والمسيحيين، وحينما رفض طلبه أخذ يؤدي صلاة الجمعة خارج  مسجد وكاتدرائية قرطبة احتجاجا على قرار الكنيسة، وهناك مسلمون آخرون يعتبرون أن الأهم من عدم الصلاة في المسجد والكاتدرائية هو عدم رغبة الأسبان غير المسلمين في رؤية مدينة قرطبة كجزء من التاريخ الإسلامي في إسبانيا.

 ومهما يكن من أمر، تبق قرطبة ومسجدها رمزا لكل مسلمي الأندلس.

* ترجمت بتصرف عن مجلة فورين بوليسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة