نهاية الإمبراطورية العثمانية   
الاثنين 1434/3/17 هـ - الموافق 28/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 1:52 (مكة المكرمة)، 22:52 (غرينتش)

 أحمد الجنابي

تتناول الحلقة العشرون من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر ربيع الأول الجاري، وهو نهاية الدولة العثمانية عام 1341 للهجرة والتي كانت آخر إمبراطورية إسلامية في التاريخ حتى يومنا هذا.

سعت الدولة العثمانية لجلب كافة المسلمين تحت جناحها واستعادة الخلافة الإسلامية، وظهرت أولى الإشارات على ذلك الطموح في معاهدة كيتشوك كاينارجي مع الإمبراطورية الروسية والتي عقدت يوم 12 جمادى الأول 1188 للهجرة (21 يوليو/تموز 1774م)، حيث طالبت فيها الدولة العثمانية بولايتها ووصايتها على الرعايا المسلمين حتى لو كانوا يقيمون خارج حدود دولتها، وكان الهدف بالتحديد مسلمي شبه جزيرة القرم التي هي اليوم جزء من جمهورية أوكرانيا.

استطاع العثمانيون بعد المعاهدة ولقرون عديدة، المحافظة على علاقة مستقرة نسبيا بينهم وبين المجتمعات الإسلامية التي كانت تحت سيطرتهم، وساعد ذلك في الصمود بوجه محاولات ممالك ودول أوروبا انتزاع الأراضي من الإمبراطورية المترامية الاطراف. ولم يتمكن الأوروبيون من احتلال أجزاء من الدولة العثمانية حتى عام 1326هـ (1908م) في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.

كان عام 1326 نقطة تحول جوهرية في عهد عبد الحميد وفي تاريخ الدولة العثمانية. وعرف عن هذا السلطان سعيه لترسيخ نظام الخلافة الإسلامية وأطلق شعار "يا مسلمي العالم اتحدوا"، وكان عهده من أكثر أوقات الدولة العثمانية نجاحا وصعوبة في الوقت ذاته.

أصدر عبد الحميد أول دستور للدولة عام 1293، وتزامن ذلك مع حدثين مهمين أولهما: اضطراب في بلاد البلغار المسيحيين المدفوعين من القوى الغربية للثورة على العثمانيين، مما اضطر الجيش العثماني إلى استخدام العنف لنزع فتيل الفوضى. والثاني نجاح الجيش العثماني في ضم صربيا والجبل الأسود الواقعتين في قلب أوروبا.

السلطان محمد السادس (الجزيرة)
شاهد فيديو الحلقة

أدت تلك العوامل إلى غضب روسيا والقوى الغربية، ودخلت الدولة العثمانية في حرب ضروس مع الإمبراطورية الروسية أدت إلى حلّ عبد الحميد للبرلمان وتعليق العمل بالدستور، وتكريس السلطة في يده واتخاذه لقصر يلدز بإسطنبول مركزا لحكمه.

وفي خضم تلك التوترات، أجاز عبد الحميد الاستعانة بقوى أوروبية معينة لمواجهة قوى أوروبية أخرى، شريطة أن لا تؤدي تلك الاستعانة إلى التدخل في شؤون الدولة. ونتيجة لاحتلال بريطانيا لمصر وفرنسا لتونس، وتمرد أرمينيا وجزيرة كريت، فتح عبد الحميد المجال لألمانيا لتتواجد في أراضي الدولة العثمانية، فمنح الألمان امتياز سكة حديد بغداد.

من جهة أخرى، كان إنشاء سكة حديد الحجاز الممولة من المسلمين في كافة أنحاء العالم تقريبا، أفضل ترجمة لسياسة السلطان عبد الحميد في تطبيق خلافة إسلامية تشمل كافة المسلمين برعايتها.

ورغم قيامه بإصلاحات عديدة مثل إنشاء جامعة إسطنبول التي ضمت 18 كلية متخصصة، وتوسيع وتطوير خطوط المواصلات والاتصالات، وإنشاء الأكاديميات العسكرية في كافة أمصار الدولة بعد أن كانت مقتصرة على تركيا، فإنه لم يستطع أن يسلم من السخط الناتج عن تكريسه للسلطة في يده وتعطيله البرلمان لمدة قاربت الأربعين عاما.

من جهة أخرى، ساهم تكوينه لواحد من أفضل أجهزة المخابرات والاستخبارات في تعميق السخط الغربي تجاهه، حيث أصبح التجسس على الدولة العثمانية في عهده واحدة من أصعب المهام على أجهزة التجسس الغربية. وبالمقابل كانت الأجهزة العثمانية تحقق النجاح تلو الآخر حتى يقال إن رسائل المبعوثين الدبلوماسيين الأوروبيين في إسطنبول إلى بلدانهم كانت تصل إلى مكتب السلطان قبل وصولها إلى وجهتها الأصلية.

بدأ مناوئو السلطان عبد الحميد إظهار اعتراضاتهم على أسلوب حكمه، لكن تلك الاعتراضات لم تصل حد الغليان إلا عام 1326هـ، حيث قام تمرد نظمته تنظيمات ليبرالية مثل "تركيا الفتاة" و"جمعية الاتحاد والترقي"، وشهد ذلك العام فقدان الدولة العثمانية أولى أراضيها للقوى الأوروبية.

في المقابل ثارت قوى إسلامية تأييدا للسلطان، ورفضا للأفكار التي أتى بها أعضاء التنظيمات الليبرالية بعد إقامتهم في أوروبا. وكان الكثير من أعضاء "تركيا الفتاة" وغيرها من التنظيمات الليبرالية ضباطا في الجيش، ومن الذين تلقوا تعليما عسكريا محترفا، ولكن طموحاتهم السياسية وتجاهل التنظيمات المرتبطة بهم لمشاكل الجنود البسطاء، أدت إلى تمرد عسكري انضم إلى التنظيمات الموالية للسلطان من أمثال الاتحاد المحمدي.

خرجت الأمور عن نطاق سيطرة السلطان عبد الحميد، وكانت الضربة القاصمة للحكم العثماني قيام قوات متمردة بقيادة الجنرال محمد شوكت باشا بدخول إسطنبول وقمع التمرد العسكري وترجيح كفة القوى المناوئة للسلطان، وهو ما يعرف تاريخيا بأحداث 31 مارس (1327هـ/1909م).

عزل السلطان بعد ذلك وخلفه شقيقه محمد الخامس في الحكم حتى قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1336هـ، ثم خلفه أخوه محمد السادس. 

أتاتورك يعتبر مؤسس تركيا الحديثة (الأوروبية)

تولى محمد السادس السلطة في أحلك أوقات الدولة العثمانية التي خرجت من الحرب العالمية الأولى خاسرة، إذ احتل الحلفاء إسطنبول وفقد العثمانيون السيطرة على البحار المحيطة بها، وسيطرت اليونان على أراض تركية من ضمنها مدينة أزمير، وفرضت رقابة أوروبية على معاملات الدولة العثمانية.

تصاعد في تلك الفترة نشاط مصطفى كمال (أتاتورك) ونجح في استثمار السخط الشعبي من الوضع الذي آلت إليه تركيا وتواجد قوات احتلال أجنبية على أراضيها بعدما كانت إمبراطورية مترامية الأطراف، فقام بعدة إجراءات انتهت بإلغاء الخلافة ومنصب السلطان ونهاية الدولة العثمانية في ربيع الأول 1341.

وبعد سبعة أشهر من المفاوضات، تم توقيع معاهدة لوزان في سويسرا يوم 10 ذي الحجة 1341 (1923م) بين تركيا -وريثة الدولة العثمانية- وبين القوى المنتصرة في الحرب والتي حددت حدود دولة تركيا الحديثة، واعترفت تركيا في المقابل بسيطرة بريطانيا على قبرص، وإيطاليا على دوديكانيسيا في اليونان، وتخلت عن أي مطالبات في المشرق العربي الذي احتلته بريطانيا وفرنسا.

من جهة أخرى، تخلت الدول المنتصرة في الحرب عن مطالباتها بالحكم الذاتي للأقلية الكردية في تركيا، ورفعت إجراءات الرقابة على المعاملات المالية التركية والجيش التركي.

تفرغ مصطفى كمال بعد ذلك لبناء دولة تركية علمانية خالصة، وأصبح بطلا قوميا يعرف باسم أتاتورك (أبو الأتراك)، وعمل على ترسيخ الاعتزاز بالقومية التركية. واجه في بداية حكمه العديد من الاعتراضات والمطالب بمساحة أكبر من الديمقراطية فقمعها بيد من حديد.

أزال كافة المظاهر التي رسختها الدولة العثمانية، ثم أصبحت تركيا بعد ذلك عضوا في حلف الناتو وحليفا للمعسكر الغربي في حربه الباردة مع الاتحاد السوفياتي السابق.

نأت تركيا خلال القرن العشرين الميلادي بنفسها عن قضايا المنطقة والعالم العربي والإسلامي مع الغرب بشكل عام، وكان ذلك الحال حتى عام 1423هـ (2002م) عندما أتى حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في البلاد، وهو حزب سياسي له جذور إسلامية، وبدأ انتهاج سياسة أقرب إلى قضايا العالم العربي والإسلامي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة