دور الهجرات الإسلامية بنهضة أوروبا   
الأحد 1431/9/5 هـ - الموافق 15/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 2:46 (مكة المكرمة)، 23:46 (غرينتش)

كتابان يلقيان رواجا كبيرا في معرض للكتب في براغ (الجزيرة نت)

أسامة عباس– براغ

لئن كان كثير من المؤرخين والمثقفين والعلماء الأوروبيين يقرون بأن المسلمين هم من أسسوا لنهضة القارة الأوروبية عبر الدور الذي لعبوه حتى بداية القرن العشرين, فإن الدعاية الإعلامية الغربية المنظمة ما فتئت تكثف اليوم من حملاتها الرامية لتشويه الدين الإسلامي توجسا من انتشاره السريع وذلك عبر ربطه بما يسمى بالإرهاب وتلفيق الأكاذيب لتنفير عامة الناس منه وتهييجهم ضد كل مسلم في العالم.

ويثار جدل في الأوساط الثقافية والعلمية حول هذه القضية, فها هو المؤرخ التشيكي المعروف فرانتيشيك مرازيك يتساءل عبر مقالة طويلة نشرتها صحيفة برافو عن سبب مبالغة المسؤولين السياسيين في القلق من أسلمة القارة الأوروبية.

ويرجح مرازيك أن يكون ذلك عائدا إلى فشل هؤلاء السياسيين في التصدي للمشاكل التي تواجههم خاصة فيما يتعلق بسياسة تنظيم الهجرة وبالذات هجرة المسلمين, ناهيك عن فشلهم في اتخاذ رد متوازن على ازدياد عدد المسنين في بلدانهم الذي يقابله نقص كبير في عدد الولادات.

ويذكر الكاتب هؤلاء المسؤولين بالدور التاريخي الكبير الذي لعبه المسلمون في التأسيس لازدهار أوروبا عبر الهجرات العربية والإسلامية القديمة التي بدأت من الأندلس حتى غرب القارة إبان العهد العثماني لتصل إلى وسط أوروبا وتبقى هناك حتى بداية القرن العشرين.

واتفق مع هذا الطرح المستشرق الشهير لوبش كروباتشيك أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة كال في براغ إذ أكد أن التاريخ لا يمكن لأحد تغيير مجرياته, ويتعين إذاك, حسب قوله, الاعتراف بالدور الذي لعبته الهجرات الإسلامية والعربية قديما في المساهمة الكبيرة في تطور وازدهار أوروبا.

وأضاف كروباتشيك في حديث للجزيرة نت أن سرعة انتشار وتوسع الدين الإسلامي في العالم مثار قلق للأوروبيين بسبب ما يحاول بعض وسائل الإعلام الترويج له من أن هذا الدين سيعم كل القارة الأوروبية مستقبلا وأنه يحمل في طياته طابع العنف والإرهاب.

لكن على العكس من ذلك يرى هذا الأستاذ أن ما يلصق بالمسلمين من أفكار مسبقة لا يمت للواقع بصلة, "فالمسلم الحقيقي, أي البعيد عن التعصب والتطرف هو أفضل إضافة لأي مجتمع وخاصة المجتمع الأوروبي, بل هو العلاج الناجع للحالة الدمغرافية المقلقة لهذه القارة, التي تناقص عدد سكانها بشكل كبير في السنوات الماضية, حسب آخر الدراسات".

فعدد المسلمين في أوروبا عموما وجمهورية التشيك خصوصا في ازدياد, حسب كروباتشيك, إذ يقدر عددهم في هذا البلد بما بين 15 و25 ألف مسلم من جنسيات مختلفة بينهم حوالي 600 مسلم من المواطنين التشيك من أصل 10.2 ملايين نسمة هي العدد الكلي لسكان جمهورية التشيك.

 كروباتشيك: ما يلصق بالمسلمين من أفكار مسبقة لا يمت للواقع بصلة (الجزيرة نت)

حسن السيرة
ويلفت كروباتشيك إلى أن المسلمين في هذه البلاد معروفون بحسن السيرة وبالمعاملة الحسنة للآخرين, وبمساهمتهم في مساعدة المتضررين من الفيضانات التي ضربت البلاد عام 2002. كما كان لهم دور إيجابي وفعال في إنهاء أزمة اختطاف صحفيين تشيكيين في العراق مع بداية غزو القوات الأميركية للعراق.

والواقع حسب الكاتب التشيكي ياروسلاف روديش أن الإعلام سواء في بلاده أو في الغرب يبالغ في تشويه صورة الإسلام عبر الخلط بينه وبين العمليات الإرهابية في العالم ومحاولة إلصاق تلك العمليات بالدين الإسلامي بدلا من الإرهابيين أنفسهم.

ويضيف روديش -في حديث للجزيرة نت عبر الهاتف- أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول أضرت بالعالم الإسلامي كثيرا, إذ استغل الإعلام هذه الحادثة للتشهير بالمسلمين عبر تصويره للذي حدث كما لو كان من تجليات الصراع بين الغرب وبين الإسلام.

وحسب روديش، فإن الرأي العام في بلاده يفرق بين الوقائع والتلفيقات, خصوصا أن غالبية المجتمع التشيكي هم من المثقفين وهم مطلعون على التاريخ خاصة ما يتعلق بالحضارة التي أسس لها الإسلام قديما في أوروبا.

ويقول رومان فيتسكو مدير صالة بيع الكتب في وسط براغ إن الطلب تزايد على شراء الكتب التي تشرح مراحل قدوم الهجرات الإسلامية إلى أوروبا وكذلك على الكتب التي تشرح معنى الدين الإسلامي وخاصة تلك التي وقعها البروفسور كروباتشيك الذي يعتبر مرجعا لمن يكتبون حول الفتوحات الإسلامية.

ويضيف فيتسكو أن من بين الكتب المطلوبة بشكل لافت كتاب "التاريخ والثقافة للدول الإسلامية" وكذلك كتاب "شرح الإسلام" لعدة مؤلفين ومؤرخين من بينهم كروباتشيك ومرازيك، الذي يشرح تفاصيل دقيقة عن الهجرات الإسلامية في العالم ومراحل انتشار الإسلام في أوروبا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة