التكتيك والإستراتيجية في صفقة الغاز الروسية الصينية   
السبت 26/7/1435 هـ - الموافق 24/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:22 (مكة المكرمة)، 20:22 (غرينتش)

أشرف رشيد-موسكو

أثارت صفقة الغاز التي أبرمتها روسيا والصين خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة للصين الكثير من الاهتمام، ليس فقط لأنها تعد الأضخم في تاريخ الطاقة عالميا، بل ولأنها تحمل أبعادا سياسية واقتصادية مهمة.

فقد أبرمت شركة "غازبروم" الروسية وشركة النفط والغاز الوطنية الصينية (س.أن.بي.سي) صفقة تقدر بنحو 400 مليار دولار، ستتلقى الصين بموجبها 38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا على مدار 30 عاما اعتبارا من عام 2018.

وسائل الإعلام الروسية والصينية والغربية تناولت الصفقة باهتمام بالغ من حيث الأسباب التي دفعت روسيا والصين إلى اتمام الصفقة بعد عشر سنوات من المفاوضات المتقطعة: وتساءلت: من هو الطرف المستفيد أكثر في حسابات الربح والخسارة؟ وما هي انعكاساتها على علاقة روسيا مع الغرب؟
أديب السيد: الصفقة تشكل مخرجا لروسيا
من الارتهان للعقود الغربية
 (الجزيرة نت)

توجه قديم
يقول المحلل السياسي المتخصص في الشأن الروسي أديب السيد إنه "بالربط بين العقوبات والغاز فأنا لا أتفق مع من يقول إن روسيا ارتمت في أحضان الصين، وقبلت ببيع الغاز بأسعار زهيدة، فهذه الصفقة لا تمثل تحولا مفاجئا وإنما هو توجه روسي قديم، غير أن الظروف الحالية أنضجته بالنسبة لموسكو والصين بسبب تلاقي المصالح".

وأضاف أن "أهمية هذه الصفقة تكمن في أنها تأتي في توقيت تمر فيه العلاقات الروسية الغربية بأزمة عميقة، بعد وجبات من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا، والتهديدات بأن تطال هذه العقوبات على المدى البعيد عقود الطاقة الموقعة مع روسيا، وبالتالي فإن الصفقة تشكل بالنسبة لروسيا مخرجا مناسبا من الارتهان للعقود الغربية".

واعتبر السيد أن الاتفاقية تُكسب العلاقات الروسية الصينية بعدا إستراتيجيا، ذلك أنها تربط الاقتصاد الصيني بإمدادات الطاقة الروسية لفترات تمتد إلى ثلاثين عاما وربما أكثر من ذلك، وتعطي مؤشرا واضحا على أن روسيا والصين ماضيتان باتجاه تشكيل قطب سياسي اقتصادي عالمي يحسب له حساب.

ورغم أن أسعار بيع الغاز بموجب الصفقة سرية فإن تقديرات الخبراء تقيمها بـ400 مليار دولار على مدى الأعوام الثلاثين القادمة، وهذا يؤمّن رصيدا كبيرا وثابتا للاقتصاد الروسي لا يتأثر بتقلبات أسعار الغاز في السوق العالمية.

ورقة الغاز
من جهة أخرى اعتبر الخبير الاقتصادي فلاديمير ديموف أنه لا أحد يزعم أن العلاقات مع الغرب توقفت، ولا يجوز القول إن روسيا لقنت أوروبا درسا، فالغرب ما زال شريكا مهما لروسيا في مجال الطاقة، والسياسة الناجحة هي السياسة التي توازن في الحفاظ على مصالحها في مختلف الاتجاهات.

فلاديمير ديموف: الغرب ما زال شريكا مهما لروسيا في مجال الطاقة (الجزيرة نت)

وأضاف ديموف في حديثه للجزيرة نت أنه من الناحية الاقتصادية لا شك في أن الاتفاقية تعد إنجازا كبيرا يصب في مصلحة روسيا التي تسعى لإيجاد موطئ قدم لها في سوق الطاقة الآسيوية المتعطشة لموارد الطاقة الروسية، وقد بات ذلك ممكنا من البوابة الصينية، أما سياسيا فإن الاتفاقية ستقوّي موقف روسيا والرئيس بوتين في تحديه للضغوط الغربية وستفرض قواعد جديدة للعبة.

واعتبر أن القول بأن الأزمة الأوكرانية وخطط أوروبا تقليل اعتمادها على الغاز الروسي يفرض على روسيا تقديم تنازلات وقبول الأسعار التي تقترحها الصين، هو نصف الحقيقة. أما الحقيقة الكاملة فهي أن الشراكة مع روسيا في مجال الطاقة مهم جدا للصين في هذه المرحلة من تطورها الاقتصادي، لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الغاز الطبيعي المستورد.

ولفت ديموف إلى أن هناك أمرا آخر مهما وهو وجود أولوية سياسية عليا لدى الصينيين، وهي تغيير خريطة استهلاك الطاقة باتجاه التخلي عن الفحم لصالح الغاز النظيف بيئيا، ذلك أن الكثير يمكن أن يقال عن التلوث البيئي في الصين وعن المدن التي لا ترى الشمس لأسابيع وشهور بسبب الحجاب الدخاني الكثيف.

وتابع قائلا إن حصول الصين على الغاز الروسي يمنحها شعورا أكبر بالأمان ويقلل من اعتمادها على الطاقة من مصادر أخرى تشهد اضطرابات، لا سيما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل المخاطر الناجمة عن الاضطرابات السياسية والأمنية التي تشهدها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة