الترابي متشائم لوضع السودان ومقر بفشل تجربته الإسلامية   
الأحد 1426/7/10 هـ - الموافق 14/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 22:26 (مكة المكرمة)، 19:26 (غرينتش)
د.حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي السوداني (الجزيرة نت)
 
الدكتور حسن الترابي رئيس المؤتمر الشعبي المعارض في السودان والزعيم الإسلامي المثير للجدل، شخصية شغلت الأوساط السياسية والدينية داخل بلده وخارجها، سواء أكان في الحكم أم في المعارضة، معتقلا أو طليقا. الجزيرة نت التقته في الخرطوم لمعرفة رأيه بشأن التطورات التي شهدها السودان في السنوات الأخيرة منذ بدء تجربة الحكم الإسلامي في يونيو/ حزيران 1989 حتى مقتل جون قرنق النائب الأول للرئيس السوداني في 30 يوليو/ تموز 2005.

أولا: ما مبرراتكم لفشل المشروع الحضاري والتجربة الإسلامية في السودان؟
 
لأن جهود البشرية ولأول وهلة عرضة دائما لأن تحقق إخفاقا أو بعض إخفاق، كما أن الخطة وحدها لا تكفي لأن الآثار والابتلاءات لا تسمح لأحد بأن يحيط بغيبها كله، ولأن المشروعات التي تؤسس على الأصول الإسلامية بين يدي الذين يقيمونها لا تعود إلى تجربة قريبة حتى تعتد بها أو إلى قياس في العالم حتى نقايسها على أوضاع السودان أو حتى نقيم مشروعا أقرب إلى الفلاح.
 
فأنا لا أتذرع وكان ينبغي أن أدرك كل التاريخ وأعتبر وأتعظ به، لكن قبل التجربة دائما لا تستطيع أن تقرأ تاريخك أو قرآنك، لكن التجربة تعلمك وسترجع فترى ما ينبغي أن تراه والذي لم تره من قبل، ثم إن هذه التجربة هى الأولى في العالم الذي يسمى سنيا والتجربة الأخرى كانت في العالم الشيعي.
 
فالتجربة الأولى لم تكن تجربة تامة، وما زال الكيان التقليدى قائما يوازي الكنيسة في الغرب ويخشى المرء أن يقع ذات الصراع.

فهذه أول تجربة وحتى إن أخفقت لا أقعد باكيا لكن أقول إنها تجربة وستكتب وهي على الأقل قد تنفع الناس إذا ما كتبت بحق، ونحن نكتب فالخطأ نتبينه ونتبصره ونعترف به ونستغفر الله منه، وأما الصواب فيمكن أن يبنى عليه.

 خلافاتكم مع أبناء (البيت) الحركة الإسلامية وصفتموه بالعقوق ووصفوه بالخروج منكم فهل لذلك مرده على السجن الأول أم الثاني؟
 
لم أكن حديث عهد بالسجن، وفي نظام عسكري سابق ظللت أدخل وأخرج لسنوات طويلة، فجهاز الأمن قديما كان منهجيا مهنيا أكثر منه مندفعا بدوافع السياسة المتسلطة، فأنا في جملة الأمر لأني قديم عهد بالسجن ما أصابني ضيق شديد حتى عندما شدوا علي الوطأة خاصة المرة الأخيرة.
 
كما أننى مشهور الاسم في العالم المسلم وغير المسلم ومنسوب للإسلام، فأحيانا لإرهابه ولفكره أو لكل مظاهر الإسلام الذي يرضون والذي لا يرضون، لذلك لا أريد أن ينسب النموذج الذي يرون في السودان الآن السلام، لأنهم سيقيسونه (الغرب) على ما كان عندهم من نموذج ديني.
 
ثم ماذا عن الخلافات؟
 
بدأت الخلافات عندما بدأنا ننتقل من الانقلاب والثورة، كالثورة الفرنسية لا تنتهي إلى عهد الإرهاب كما حدث في بلاد كثيرة، فالناس عندما يقبلون إلى الحكم لا يدرون كيف يحكمون ولكنهم يدرون كيف يضربون ويهجمون لذلك يتخبطون كثيرا فيضرب بعضهم بعضا، إذا ما اختفى العدو وانتهى كما حدث في أفغانستان.
 
لكن لأننا دخلنا بخطط قررنا إنزالها على أرض الواقع، وأول ذلك كيفية إطلاق حرية الفرد والصحافة بجانب حرية الأحزاب لكنهم داروا على ما أقره المجلس الوطني فبدأ صراع كبير حتى انفجر في الآخر.

ففى الأيام الأولى ظن الناس أن المرء غاضب على فقد كراسي السلطة، أغلب الناس كان يرى ذلك. لكنهم بعد كثير كلام اكتشفوا أن الصراع على مبادئ كان يمكن أن تبنى عليها دولة تنسب للإسلام لا على كراسي السلطة وأنصبتها.
 
ولهذا السبب رضيت بالسجن واطمأننت به كما ذكرت لأن العالم الغربي الآن لا يقول هذا نموذج للإسلام.
 
 كيف ذلك؟
 
لأنه لا يعرف هؤلاء ولا أسماءهم بل يرى أن الذين عرفهم يقبعون في السجن فمعنى ذلك أن هذا الشيء مخالف، وكانوا سيقولون للإسلاميين في أي بلد انظروا إلى مثالكم في السودان فإذا فتحنا لكم أبواب ديمقراطية أو حرية ستصعدون إلى السلطة ثم تلقون بالسلم مرة واحدة وستطؤون علينا وطأة أصحابكم على أهلهم في السودان، بل كانت ستكون حجة دامغة ستدمر كل حركة الإسلام.

معنى ذلك أن ما حدث كان مفيدا؟
 
جدا....
 
 ذكرتم في بعض مقابلاتكم أن إسلاميين تم طردهم من السودان أو سلموا لبلدانهم ما حقيقة ذلك؟ وهل هجومكم القاسى على الحكومة يعتبر ثأرا لهؤلاء أو غيرهم؟
 
أولا إن مبادئنا تعلمنا ألا ننظر إلى الوراء بشكل فيه أي نوع من أنواع الثأر... فحتى مع نظام النميرى الذي ألقى بنا في السجون ما ذكرناه بعد ذهابه لأن البلد قد تجاوزته، لكننا فقط نذكر التجارب لنتذكر بها، وأنا لست مشغولا بالأشخاص أو الانتقام منهم لكن صحيح أنه بدأت تتوارد علينا عندما علم الناس أن ثمة توترا.
 
بدأت ترد إلينا معلومات عما تفعل بعض الأجهزة من فساد وإسلام للناس رغم أن حماية من استجارك هي جزء من الإسلام ليس فقط إنصافا لصديق بل إن عدوك إذا ما لجأ إليك سياسيا فلا بد أن تؤمنه تماما ولا بد ألا تخرجه من بلدك إلا إلى بلد آمن آخر (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) وبدأت تصلنا أشياء وتدابير تجرى من تحت لتسد الطريق الذي كنا نتمنى أن ينفتح شيئا فشيئا فما أدري إن كان ذلك غباء أم عدم إدراك.

فالضغوط اشتدت من الخارج على قيام إسلاميين هنا في السودان بعدما سمعوا أن هناك بلدا إسلاميا أصبح مأوى بعد مطاردتهم في بلادهم بسبب قتالهم في افغانستان وكل من كان ممولا من قوى دولية أو من بلده تحول اسمه إلى خطر بأن سيكون إرهابيا لأنه تدرب، وظلت بعض البلاد لا تستقبلهم رغم أنهم أبناؤها فلجؤوا إلى السودان لأيما عمل استثماري أو غيره
 
 كارلوس مثلا؟
 
كارلوس ليس بمسلم لكنه ادعى أنه عربي وجاء بجواز كذلك والناس كانوا مشغولين بالسودان، لأنه أصبحت له صورة في العالم ولكن تحت وطأة الضغط وهذا من اسباب الخلاف الحاد أيضا فبدؤوا أول الأمر فأسلموا بعض الناس لبلد جار، ونحن نعلم ماذا سيحدث من هذا البلد الجار إذا أسلم إليه هذا النوع من الناس، سيقضى عليه عند بعد الحدود مباشرة، ومن بعد ذلك ظلوا ينذورونهم أياما ثلاثة لمغادرة البلاد فكان الناس يهربون إلى بلد عربي يستقبلهم ومن هنالك يتسللون إلى الغرب فيستقبلهم لجوءا سياسيا، وقد حدث كثير من هذا.
أضف إلى ذلك أن بعضا من هؤلاء تزوجوا منكم (السودان) ونالوا بقانونكم الجنسية السودانية وأولادهم هنا كما أنه إلى عهد قريب أسلم بعض الناس الذين تجنسوا قبل سنين بجنسيتكم السودانية، فأسلموا إلى بلاد لا أدرى ماذا جرى لهم فلربما قضي عليهم.

أعلنتم معارضتكم للدستور الجديد فما الأسباب؟
 
في هذا الدستور يأسف المرء أن يقول إن إخوتنا في الجنوب ركزوا على ما يليهم هم فقط.
 
ثانيا: أن الدستور حدثنا عن أن الأغلبية هي 52% لحزب واحد، ومعنى ذلك أن الحرية هي ما يريده الحزب صاحب الأغلبية، رغم أنه غير أوضاعه ونظامه التأسيسي ليجعل السلطة لفرد واحد، ومعروف أين يقوم الفرد الواحد الآن.

ثالثا: ارتدت حرية الأحزاب واشترط عدم ممارسة أي حزب لنشاط إلا بالموافقة يوافق على الدستور كما أعطي الرئيس سلطة عليا بجانب تقييده للطوارئ بموافقة نائب الرئيس.
رابعا: أعطى الدستور الجديد سلطة تشريعية للرئيس عكس ما كان في الدستور السابق وهذا ليس حكم الشعب ولا نواب الشعب وإنما حكم الرئيس هنا والرئيس هناك.
 
ألا يمكن تعديل ذلك؟

أولا: التعديل أصبح شبه مستحيل لأنهم وضعوه وفق قيود وأغلبيات تكاد تكون كاملة وهم على أية حال ضمنوا الأغلبية فضلا عن أغلبيات الدستور الأخرى المعقدة. فنحن خلاص توكلنا على الله وننتظر فهل نستطيع أن نؤمن هامشا من الحرية بالقدر الذي نتمناه موجودا أو هامشا معقولا حتى نعمل فيه؟
 
فانا الآن أطمع ليس في النصوص السيئة لكن هناك قوى سياسية جديدة كالقوى الجنوبية التي جاءت من الغابة فهي تنزع إلى جانب الحرية كما أن هنالك قوى كانت تحت الأرض خرجت الآن مثل الحزب الشيوعي بجانب قوى أخرى رئيسية، وحتى إذا لم تتفق في برامجها فستتفق على ضرورة الحرية، والقوى الدولية أصبحت وطأتها شديدة جدا.. وجيشها الموجود في السودان الآن ليس بجيشكم والمال مالهم وحاكمهم (أيان برونك) يصرح في صحفكم كما يصرح رئيس دولتكم وهم يدركون الآن أن مصالحهم لن تستقر إلا ببناء الديمقراطية لذلك يتحدثون عن الإصلاح بشيء من الإخلاص هنا وفي البلاد من حولنا.

ألا تعتقد أن طول المدة لإجراء الانتخابات سيؤثر على الحياة السياسية؟

أنا لا أستكثرها لأن هناك أحزابا ابتعدت عن قواعدها وغالب السودانيين انطلقوا الآن إلى غير ولاء حزبي وتقطعت وشائج النظم الحزبية التي كانت سائدة في السودان.
أي أنها بضع سنوات يمكن للأحزاب أن توفق فيها أوضاعها، فالسودان ليس منتظما الآن فقد تمزقت أقاليمه وأصبح إنسانه سادرا في غير مناص.
هل معنى ذلك أن نسبة انفصال الجنوب ربما تكون كبيرة؟
 
اليوم، في ما أرى هي غالبة ولكنها ليست صعبة العلاج لأن الإخوة في الجنوب لا سيما الشباب منهم غالبهم حديث عهد بصراع متطاول لم يكن بالحرب فقط وإنما بأشياء وظلامات تحرك النفوس إلى الانفصال.
 
ثانيا: لست آمنا على ألا يختل الاتفاق، لأننا عهدنا اتفاقية أديس أبابا 1972م عندما أتت قيادة التمرد واستغرقت في بحر المتاع والمخصصات ولما جنح النميرى بعد ذلك على الاتفاقية وتجاوزها ما خرج أو عاد إلى الغابة أحد منهم لأنهم وحلوا فخرج جون قرنق لأنه كان ضابطا في الجيش كما فعل بريك مشار واتفاقية 1997م رغم أنها وضعت في بنود الدستور كما وضعت هذه الاتفاقية، فإذا ما حدث خلل فيها فسيقع الانفصال دون انتظار لاستفتاء أو إكمال سنوات وهى كلمة واحدة وتنقطع العلاقة.
 
ثالثا: أن الفرحين من أبناء الجنوب بتوقيع السلام ينتظرون الآن طيباته وثمراته وهي لا تتجزأ لأن المعونات الدولية تتأخر جدا وأخشى ألا تصب قطرات منها على الشعب فتقوم الفتن والمشاكل وتضطر الحكومة لممارسة أشيائها، فالذي في الشمال يتولى أهل الشمال وكذلك الذي في الجنوب عندي رجاء أنه ربما مع السلام، الشيء الذي لا نستطيع أن نقرأه 100% أن ينصهر الجنوبيون مع الشماليين حتى ولو تأخر مجيء البركات.
 
كيف تنظر للأوضاع في السودان في ظل وجود أجنبي كثيف؟

هذه الجيوش الأجنبية ما تدخل بلدا حتى تبقى فيه ووجودها لمصلحة الجنود الذين يأتون ولبلدناهم لأن هناك أموالا كثيرة تأتيها وتتوزع بين خزائن هذه الدول وجيوب جنودها، فهم يتمتعون بالدولار أكثر مما يتمتعون برواتبهم البائسة، فمن كل بلاد أفريقيا والعالم مضطربها ومستقرها جاءتنا جيوش وعندنا ما شاء الله مليشيات كثيرة فنحن الأوائل إذ لم يبلغ بلد في العالم مثل ما بلغنا من وجود قوة مستقلة في داخله وخارجه.

ألا يعني هذا أن سيادة السودان في خطر؟
 
استقلال السودان وسيادته هذه كلمات أصبحت قديمة لأن العالم قد تغير وتقارب والسيادة القديمة والغيرة عليها أصبحت أشياء بالية.
 
فأنا الآن أرى السودان في أسوأ حالاته تتجاذبه مخاطر التمزق والذلة، أنا أتحدث بموضوعية في ظل ضغوط عدلية ومالية وعسكرية من الخارج، وأقول هذا ليس لأني أريد أن أرمي بلادى بالهجاء لكنه للتذاكر فيمكن أن نعالج شيئا من أمرنا، فالسودان لديه إمكانات ليكون بلدا عزيزا محترما فائضا على الناس لا مفاضا عليه.
هل يتذكر السودانيون مع فرحة السلام هذه الأشياء؟ أنا أذكر كل الناس بهذا الخطر
مع كل هذا التخوف هل تتوقع ظهور جماعات متطرفة تحاول طرد الأجانب باعتبار أنهم مستعمرون؟
 
لا أتوقع كثيرا من هذا، لأن السودانيين دائما ينشغل بعضهم بضرب بعض، فالسودانيون لا يفعلون شيئا لأنهم ضعفوا بجانب أنهم مشغولون الآن بمعاشهم لذلك لا أظنهم سيشكلون خطرا على القوات الدولية.
 
 تطرح الإدارة الأميركية مشروعا للإصلاح السياسى في الشرق الأوسط وبالطبع يشمل هذا المشروع السودان وغيره من الدول العربية في المنطقة ما رأيك في ذلك؟

الإصلاح الذي يأتى الآن جاء بالرياح التى هبت علينا ونحن أحوج ما نكون إليها، فنحن والبلاد العربية كل أنظمتنا متصدعة، والمجالس التى تتبع للجامعة العربية لا تنظر شيئا ولا تجتمع وكذلك مجلس التعاون الخليجي والمغرب العربي، كلها هادئة بل متجمدة فقد بدأ الإصلاح من الخارج لكننا نسأل الله أن يبدأ من الداخل لأن الديمقراطية إذا أتت من الخارج فستظل سطحا فقط والأجسام عادة تكره الزراعة الخارجية، فالعرب لا يفهمون كلمة ديمقراطية بل يعتقدون أنها كلمة من الغرب شيء طيب مثل السيارات والبدل والمنتجات الأخرى.
فخطابي الآن أوجهه إلى الحكام العرب وأقول إنه لا طريق أمامهم غير الاصلاح، كما أن الحرب على الإرهاب أصبحت كلمة طيبة وأخاطبهم أن يتولوا الفتح شيئا فشيئا بالانتخابات والحريات وقيام التنظيمات الاجتماعية والسياسية لنضمن استقرار حكم الشورى (حكم الشعب)، كما أسأل الله أن تأتي الديمقراطية من القواعد وأن تستقيم على أسس قوية.

هل تعتقد أن الغرب يريد الديمقراطية فعلا؟
 
كانوا في السابق يكرهونها لأنهم يعلمون أنها ستلد إرادة شعبية تريد عزة للبلد ومساواة وعدالة معهم حتى لا يسلبوننا أموالنا والأميركان بالذات يكرهون الديمقراطية ويؤيدونها تماما عند غيرهم.

 هل تتوقع أن تنتهي الحرب غير المعلنة بينكم وبين أميركا باعتبار أنها ما زالت تعتقد أنكم تقودون تيارات إسلامية متشددة، كما سبق أن ألمحتم إلى أن جهات أجنبية فهم أنكم تقصدون أميركا هي التي أسهمت في إدخالكم السجن؟ وهل تعتقدون أن بإمكانها لعب نفس ذلك الدور؟

لم يكن السجن وحده ولكن الضربة التي تعرضت لها هناك وكان ينبغي أن تقتل لكنها قتلت أسابيع وشلت حينا من الدهر ثم مضت بجانب أن الدفع للآخرين يأتي في روح الأميركيين وثقافتهم لأن أميركا مؤسسة على الضرب والقتل.

ثانيا: أن مبادئ أميركا الفلسفية تعتمد على الواقعية أي أنك إذا استطعت أن تغلب هذا الضعيف فاقض عليه تماما فقط هي واقعية وليست لهم مبادئ كثيرة.
 
والأميركيون أصبحوا القوة الواحدة التي تسيطر والتي لا يوازيها أي ميزان في الشرق حتى نعيش نحن البؤساء بين الجناحين كما نريد، بل أصبحت تسيطر على الشرق والغرب والعالم العربي والمال العالمي، فقد فعلوا بأفغانستان والجزائر بجانب الضغوط القوية من اللوبي الصهيوني المنتشر في البلاد، والوطأة على ليبيا والسودان، وهم كشعب لا يعلمون شيئا كثيرا عن العالم لكن إداراتهم أنزلت عليهم ثقافة كارهة لأي شيء يسمى بالإسلام لذلك لا تسميه باسمه بل تسميه إرهابا ويعني عندها أصولية، ولهذا بدأت ترتد عليهم الآن، فاضطروا في العراق أن يتفاوضوا معهم وأحيانا يتلطفون إليهم وبدؤوا يسمونهم مقاومة وحتى لا تنفجر أرض البترول في السعودية بدؤوا يتكلمون عن الإصلاح وفي مصر كذلك بدلا من أن تنتشر كفاية رأوا ضرورة فتح الأبواب للمواطنين والإصلاح الداخلي.

هل تحاورهم؟

والأميركيون لا يتحدثون إلينا كثيرا لكن بدأ كثير من الأوروبيين الآن والقوى في أميركا نفسها تقول لا بد أن نتحاور مع الإسلام وأنا مطمئن وأصابرهم قليلا والآن أرى ملامح التطور وعندئذ أتحدث اليهم.

 هل تتوقع تغييرا قريبا؟
 
الوطأة أخف من ذي قبل، والغربيون أنفسهم الآن أقرب إلى التفاهم أكثر من اللغة الأولى، وبدأ نزع جديد وأرجو أن يكونوا كذلك، وهذه ليست ذلة مني ولكني إنسان أريد أن أتعاون مع أي إنسان حتى ولو كان فيه استبداد أو ترفع وأسأل الله أن يخفف استبداده وترفعه ويفتح بيني وبينه الأبواب ولا أريد أن ينتهي العالم إلى صراعات.
 
ماذا يعني فقد قرنق في هذا الوقت بالذات؟

كان لوفاة جون قرنق ونسأل الله الرحمة لجميع عباده البشر الذين رفعهم إليه وقع جليل لا يقتصر على الحركة التي كان يقودها ومن ثم على الجنوب، بل على السودان الذي كانت تتعلق رجاءاته حول جون قرنق في مختلف الأقاليم بميزان اللامركزية والحرية بل في الأقاليم المجاورة للسودان التي عرفته وعهدته عهدا طويلا بل وفي العالم كذلك لا سيما العالم الغربي الذي عرفه من قريب. لكن بالطبع مرحلة إنزال السلام إلى الواقع مرحلة تختلف عن مرحلة كسب السلام لأن كسب السلام اقتضى مقاومات ومواصلات دبلوماسية والثائرون حينما يكسبون الظلامات التي كانوا يشتكون منها يتدثر عليهم دائما التحول إلى حكام يديرون البلاد ويوحدون الناس لأعلى عدو مشترك ولكن على مقاصد وطنية أو إقليمية أو سياسية. هذه الابتلاءات كانت تنتظر جون قرنق ولكن لأنه لسعته العملية واتصالاته السياسية ولطول عهده كان يمثل السودان ويمثل الجنوب خاصة ولذلك كان فقده ذا وقع كبير.

الآن الإخوة يتعرضون لمخاطر أكثر من أمس، والمخاطر ابتلي بها الجنوب، بعد السلام وقد يبتلى بأكثر مما يقدر.
 
 وما رأيكم في الأحداث التي تلت ذلك؟

النظام الذي يحكم السودان الآن لا يعتبر كثيرا بالتاريخ، وحتى التاريخ القريب في الجنوب لا يعتبر به في دارفور، فضلا عن أن يعتبر بهذه الوقائع، فالحكومة لم تقدر احتمال الوقائع وكانت تظن أنها ستكون قليلة. وبين يدي إعلان موت البطل الجنوبي كان ينبغي أن يكون إخراجها إخراجا يليق بالنائب الأول لرئيس الجمهورية لا نائبا وحسب، ولكن جاء مع كل زخم السلام، وكان يمكن أن يكون الخطاب مباشرا ويوجه بأحسن وكان يمكن أن تنتشر قوات الشرطة غير المسلحة حتى يتحقق النظام لا سيما في الأماكن التي يسكن فيها الجنوبيون.
 
وكان يمكن أن تنصب في كل هذه المواقع خيم للتعازي، يوجد قادة من الجنوبيين والشماليين ورجال الكنائس وغيرهم، وكل مراسم التعازي المعروفة في الدوائر الجنوبية حتى تستوفي كل أحزان الناس وغضباتهم، وكان يمكن للإعلان نفسه أن يكون واضحا، أي طائرة هي وأين وقعت حتى تتباعد السرية التي تصوب على الشمال وعلى الحكومة عموما، والحكومة لم تفعل شيئا كذلك بل ظل الخراب، والخراب لا يمكن أن ننسبه كله للجنوبيين وحسب، ولكن إذا ما قامت هائجة الخراب والنهب يركبها كثيرون من أبناء الشوارع الذين ينتظرون هذه السانحة فقد رأت الشرطة ألا تظهر أصلا فاضطر أهل الشمال أن يدافعوا عن أنفسهم وبذات روح القطيع حتى تجاوزت المسألة قدرها، ورغم أن أخبار الوقائع حوصرت قهرا بعد الموتى أو الخراب إلا أن المعلومة في الساحة وفي مدينة واحدة بلغت مبلغا أكبر من ذلك كثيرا في واقع الأمر، وأخيرا الحكومة جاءت من تلقاء أمنها الخاص للمؤتمر ومحلياته وولايته واختارت لهم أن يقدموا الأخبار، وبعد ذلك للناس تقديرهم.

لكن هذه الواقعة أحدثت ردود فعل والناس كانوا قد أقبلوا على الحركة الشعبية وبعضهم قنط من تلقاء من يحكم السودان وظلوا يبحثون عن مناهج فارتد الفعل كثيرا في الشمال بل وما حدث للشماليين في الجنوب يزرع روحا من اليأس والكره، فهؤلاء سيتحدثون عن أنهم (الجنوبيين) ما دام أنهم لا يحبوننا فعلينا أن نذهب ويذهبوا وسنكون جيرانا كما تقسم العالم في أوروبا الشرقية.
لكن حتى في الجنوب كذلك تولد وظهر أنهم كانوا يكتنزون كثيرا من الغيظ والغضب وكنا حسبنا أن مجيء الجنوبيين إلى الشمال من الغيظ وليس كل الجنوبيين في الشمال فإن بعضهم تصدى لكف أيدي الآخرين وحماية الناس.

فهذه الوقائع باعدت بين الجنوب والشمال ثم إن فقد جون قرنق نفسه الآن جاء إلينا بقيادات جديدة عهدناها عسكرية محضة ومن العسير أن نحكم عليها كيف تفعل في دور سياسي مكان جون قرنق الذي له تجربة عالمية سياسية ووطنية وهي قيادة جديدة لا يستطيع الناس أن يحاكموها بما يظنون.
 
ولعل القيادة أصبحت جماعية أكثر وهذا تقدم في الجنوب الذي كان يواجه جون قرنق قائدا فردا فإذا سألني هل تأمن على الصعيد القومي القوى الشمالية التي تتولى السلطة يمكن أن تفي بالصدق ومع القيادة الجديدة فأقول يظن الناس إنه بالترضيات والتخديرات تسترضي. ويعني هذا خطرا أشد، فالمرجو أن يكون خيرا لا شرا.

* إذن أنت متشائم مما يمكن أن يقع؟
 
ليس مصوبا بالتدقيق على عين القادم لكن الأحداث التي تلت فقد جون قرنق أوقعت في أهل السودان هنا شيئا من الردة في الرجاء في الوحدة وفي سلام يوحد، ولا أقول إنها غلبت عليهم الآن ولكن قبل الحادثة كانت هناك مجموعات انفصالية في الشمال، وبعدها تقوي هذا التيار بعض الشيء، وفي الجنوب ربما الأمر أحدث شيئا من النزعة إلى الانفصال لكن بعد قليل ربما تهدأ النفوس.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة