الصحة في العراق.. الطلب أكبر من العرض   
الثلاثاء 29/3/1428 هـ - الموافق 17/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 21:07 (مكة المكرمة)، 18:07 (غرينتش)

معظم الأطباء فروا خارج العراق أو اتجهوا للمناطق الأكثر أمنا (الفرنسية-أرشيف)

فاضل مشعل-بغداد

عندما انتصف الليل انتابت الفتاة حالة المخاض الذي تمنت العائلة أن يطل عليها نهارا لأنها لن تجد أحدا يقلها إلى المستشفى الواقع طرف المدينة في هذا الليل الذي لا تشقه سوى أضواء شحيحة تنبثق من سيارة شرطة تسير بسرعة فائقة خشية أن تقع ضحية رصاص مجهول.

ازدادت حدة المخاض ولا خيار آخر للعائلة، فمضى الأب إلى الشارع يسند ذراع ابنته البكر البالغة من العمر 21 عاما ومعه زوجها وأمها وأم زوجها لتقوم سيارة الشرطة بنقلهم إلى المستشفى الذي تحول قسم الولادة فيه هو الآخر إلى ردهة طوارئ لمعالجة المئات من ألجرحى الذين سقطوا ذلك اليوم بأحد التفجيرات.

المشكلة الجديدة التي واجهت العائلة -يقول زوج الفتاة راشد خليل- إنه لا طبيب أو طبيبة توليد في المستشفى. هناك فقط ثلاثة أطباء شبان يعالجون نحو ستين مصابا بعضهم يلفظ آخر أنفاسه والبعض الآخر مقطع الأرجل أو الأيدي, ومنهم من يتحتم إجراء عمليات شق أو خياطة لجروح عميقة له أو صعقات كهربائية عاجلة لمن ينازعون الحياة ممن تبقى على قيد الحياة من الجرحى.

أحد الأطباء قال لراشد إن أمامه خيارين: إما نقل زوجته إلى مستشفى آخر يقع في الطرف الثاني من المدينة أو تركها تحت رحمة الله ثم الأطباء الذين يمرون على كل مريض مرة كل ساعة أثناء جريهم بين المرضى والممرضات الصغيرات السن ممن لاخبرة لديهن في إجراء عمليات التوليد وخاصة تلك التي تعسر فيها ولادة المرأة الصغيرة السن.

وتابع قائلا: اخترت الحل الثاني ففقدت زوجتي وابني، لقد ماتا تحت أيدي أطباء مرهقين وممرضات قليلات الخبرة وبمحض إرادتي حيث بصمت على استمارة إجراء عملية التوليد الفاشلة بنفسي. قال خليل ذلك وهو يبكي على باب المستشفى.

نحو 200 طبيب اغتيل في العراق (الفرنسية-أرشيف)
عزوف طبي

لكن المشكلة في المستشفيات العراقية أعمق من ذلك بكثير، فهي أساسا لم تتهيأ لمواجهة حرب دموية ينقل فيها المئات من الموتى والجرحى يوميا.

يقول الدكتور مختار حسن أحمد إن جميع المستشفيات تفتقر للعدد الكافي من الأطباء الذين أصبحوا يقتلون من قبل الجماعات المسلحة لأسباب مجهولة، وقد طلبنا توفير الحماية للأطباء دون جدوى. وتشير إحصاءات غير رسمية بأن نحو 200 طبيب قد اغتيلوا.

وأوضح مختار أن الوضع المتردي وضع الأطباء أمام ثلاثة خيارات: إما الخروج من العراق نهائيا, وفعلا هرب المئات من خيرة الاختصاصات الطبية وهم يقبعون بلا عمل في معظم الدول التي لجؤوا إليها.

وثانيها الهروب إلى منطقة كردستان أو بعض المدن الجنوبية من العراق التي تتمتع بأمن أفضل من بغداد، وثالثها العمل في البيت أو فتح عيادة قرب سكنهم وترك العمل بالمجمعات الطبية التي أصبحت مهجورة.

وليس الأطباء فقط هم من اختار العمل بالقرب من المنزل, بل لجأ الى ذلك أيضا بقية أصحاب المهن الطبية الأخرى من الممرضين القدامى والممرضات المتمرسات والمتخصصات في التوليد.

أما عيادات الأطباء في شارع السعدون وسط العاصمة والتي كانت تقدم خدماتها منذ أربعينيات القرن الماضي، فأصبحت هي الأخرى خالية بعد أن كانت تعج بالزائرين من العراق والبلدان العربية أيضا.

المستشفيات أصبحت تفتقر للكوادر الطبية المؤهلة (الفرنسية-أرشيف)

أثمان باهظة
وفي إجراء لمعالجة حالات مستعصية تواجه نحو 800 من الأطفال العراقيين الذين لم يجدوا من يعالجهم بالداخل، قررت وزارة الصحة معالجتهم على نفقتها الخاصة خارج البلاد بحسب مصدر بالوزارة.

يأتي ذلك بعد أن تم تخصيص 25 مليون دولار لوزارة الصحة في الميزانية العامة للسنة الحالية، لغرض إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية وسد النقص فيها.

هذا النقص بالكادر الطبي -يقول عبد الرحمن جاسم أحد المسؤولين بوزارة الصحة- أدى لارتفاع ملحوظ في تسعيرة الأطباء الموجودين حاليا بالبلاد، فيما وضع آخرون أسعارا خيالية لإجراء العمليات الجراحية بالمستشفيات الأهلية بعد أن تقلصت إمكانية إجراء العمليات بالمستشفيات الحكومية.

ويعتقد جاسم أن عزوف الأطباء عن العمل بالعيادات الشعبية التي كانت العون للفقراء من المرضى مرده قلة ما يحصلون عليه، ولذلك اختاروا فتح عياداتهم الخاصة قرب أماكن سكنهم فيما راح الآخرون يطلبون أسعارا باهظة من مرضاهم وخصوصا أولئك المصابين بأمراض خطيرة. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة