الأكثر تأثيراً   
الأربعاء 1433/9/20 هـ - الموافق 8/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:01 (مكة المكرمة)، 14:01 (غرينتش)
 
في استطلاع للرأي أجري منذ فترة مع عدد من الأدباء والمفكرين وقراء أيضا، تم انتقاؤهم عشوائيا من جميع أنحاء العالم، عن أكثر الكتب تأثيرا في حياتهم العامة والخاصة، اعتلت رواية "مائة عام من العزلة" للروائي الكولومبي العظيم غابرييل غارسيا ماركيز أذهان معظم الذين تم استطلاع آرائهم، باعتبارها الرواية الأكثر تأثيرا في الأدب العالمي، على الرغم من أن روايات أخرى عديدة، مثل رواية الخيميائي لباولو كويلو، أو اسم الوردة لامبرتو إيكو، فاقتها انتشارا من حيث بيع النسخ، حيث خلق جوها الغرائبي غير المألوف من قبل، لمائة عام من العزلة، إمتاعا لا يمكن أن ينسى، وحلقت شخصياتها الأليفة والعنيفة معا، الرقيقة والخشنة، التي احتلت مساحة كبيرة في الحكي، وتلك التي احتلت بضعة أسطر فقط، وتواصلا فذا مع كل الشعوب وبمختلف اللغات العالمية التي ترجمت إليها من اللغة الإسبانية التي كتبت بها، بما في ذلك اللغة العربية، والصينية التي ترجمت إليها مؤخرا.
 
الرواية التي كتبها ماركيز قبل أكثر من أربعين عاما عن مدينة ماكندو المتخيلة، وأسرة الكولونيل أركاديو بونديا التي ساهمت في تأسيس المدينة، وأنتجت أجيالا، وحكى ظروف كتابتها مرارا، وأنه راهن بها في أيام فقر عاشه مع أسرته، حيث كان يكتبها على آلة كاتبة عتيقة، وأرسلها إلى الناشر في جزءين، كانا معكوسين، حين أرسل الجزء الثاني قبل الأول بسبب استعجاله، وكسب الرهان حين انتشرت بعد ذلك، وأوصلته إلى نوبل للآداب، كانت من العلامات الأولى التي قادت الناس إلى عالم ذلك الكاتب الكولومبي المدهش، وعالم أميركا اللاتينية كلها، ومن ثم بدأ التنقيب في أعماله السابقة وإعادة اكتشافها، والاستمتاع بقراءتها، وأيضا التنقيب في أدب اللاتينيين، ليصبح بعد ذلك أدبا متميزا، وأصليا لا يشبه الآداب الأخرى.

وحقيقة أن معظم الأعمال التي كتبها ماركيز، سواء التي كتبت قبل أو بعد مائة عام من العزلة، مثل أحداث موت معلن، التي تكشف الحدث منذ بدايته ولا تفقد التشويق رغم ذلك، وخريف البطريرك، المعقدة، التي قال ماركيز إنها أرهقته ذهنيا، والحب في زمن الكوليرا التي تحكي قصة حب خالد، لم يضع أو يتهدم رغم مرور الزمن، كل تلك الأعمال تحمل ذات الحس الساحر الذي يملكه ماركيز، وتلك الحبال الأسطورية التي تقيد القارئ إلى طاولة القراءة، وأيضا كثيرا من البهارات والتوابل الفنية التي ينثرها هنا وهناك، وتعطي طبخاته الإبداعية مذاقا لا يقاوم، حتى السيرة المعنونة بحادث اختطاف، التي كتبها عن صديقة له، اختطفتها عصابات المخدرات في كولومبيا، وظلت أسيرة لزمن طويل قبل الإفراج عنها، وسيرته الشخصية التي ترجمها طلعت شاهين، كُتبت بذات القلم الساحر الممتع.

وباستثناء أعمال قليلة، كتبها مؤخرا، في ما سميته بشيخوخة الكتابة، في إحدى مقالاتي، تلك التي يأتي بها العمر المتقدم، وتخفض كثيرا من لعنة الكتابة، مثل رواية "ذكرى غانياتي الحزينات" التي أعتبرها أقل مرتبة من كتابته المعروفة، وكتبها تأثرا برواية الجميلات النائمات، التي صرح بأنه معجب بها، يكون الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، في رأيي الشخصي بوصفي كاتبا ومتابعا للآداب منذ وعيت، هو أعظم كاتب معاصر، اصطادته الكتابة واصطادها.

هذا الرأي لا ينقص من قدر كتاب آخرين، بعضهم سبق ماركيز، مثل وليام فوكنر صاحب الصخب والعنف، الذي ذكره ماركيز نفسه بوصفه أحد أساتذته وأنه تعلم منه الكثير، أو الأميركي جوزيف كونراد صاحب قلب الظلام، أو خورخي لويس بورخيس أحد مبتكري الواقعية السحرية في الأدب، أو بعض من عاصروه وانغمسوا معه في صداقة أو عداوة، مثل يوسا، فقد اجتهدوا كلهم وأجادوا، لكن يبقى سحر ماركيز هو الأجلُّ، الذي قاد استطلاع الرأي مباشرة إلى روايته مائة عام من العزلة.

معظم الأعمال التي كتبها ماركيز، سواء التي كتبت قبل أو بعد مائة عام من العزلة، مثل أحداث موت معلن، تحمل ذات الحس الساحر وتلك الحبال الأسطورية التي تقيد القارئ إلى طاولة القراءة، وأيضا كثيرا من البهارات والتوابل الفنية التي ينثرها هنا وهناك وتعطي طبخاته الإبداعية مذاقا لا يقاوم

رواية مائة عام من العزلة، كان لها أيضا تأثير كبير على الكتاب في الوطن العربي، أولئك الذين كانوا يمتلكون عوالم مدهشة في محيطهم، ولم يجربوا خوضها، إما عن رهبة من ذلك الخوض، أو خوفا من أن ينتجوا أعمالا توصف بأنها غير واقعية في زمن كانت تسود فيه الواقعية بشتى تفرعاتها، كانت تلك الرواية إذن هي المدخل لكسر الرهبة، والدخول بلا وجل إلى سكك جديدة في الكتابة، وإنتاج أعمال تخترع العوالم الموازية للواقع، التي تأخذ منه العديد من مفرداته، وتمنحه مفردات ثرية أخرى، وبذلك وجدت الأساطير والطقوس الغريبة التي يغص بها عالمنا العربي، في كل بلدانه تقريبا، طريقها للكتابة الإبداعية، وأصبح ثمة قراء ومتذوقون لهذا النوع من الأدب.

وبالنسبة لتجربتي الشخصية، بوصفي كاتبا يحسب على الواقعية السحرية وتوصف عوالمي بالغرائبية، أستطيع أن أقول إنني كنت من الذين استفادوا من جرأة ماركيز، من دون أن أتأثر بكتابته، وكانت تلك الكتابة التي توظف الواقع، وتوظف الأسطورة والحلم، في نفس الوقت.

بعيدا عن مائة عام من العزلة، وبقراءة الكتب العربية التي تخصنا، ما هي الكتب التي يمكن أن تكون قد أحدثت تأثيرا كبيرا في أذهاننا وعالمنا ككتاب وقراء ومفكرين، يمكن أن يكون شبيها بما أحدثته رواية ماركيز في العالم؟

أعتقد، وقد يختلف معي آخرون، أن ثمة أعمالا كتابية صدرت في زمن القراءة الذهبي، الذي لم يعد موجودا للأسف، أحدثت تأثيرا كبيرا، فتحت عوالم مغلقة في الكتابة، وأرشدت عددا كبيرا من الكتاب إلى طريق الكتابة الغامض.

من تلك الأعمال الكبيرة قطعا تأتي ثلاثية نجيب محفوظ المكونة من بين القصرين، وقصر الشوق والسكرية، ورواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال، ومدن الملح لعبد الرحمن منيف، وما كتبه إميل حبيبي وجبرا، وأعمال أخرى كتبها لبنانيون ومصريون، وآخرون من بلدان عربية مختلفة.

إذن ذلك الاستطلاع الذي أجري بالتأكيد يعد مؤشرا إيجابيا على وجود القراءة، رغم متغيرات الحياة العديدة التي تهش الناس عنها، وأن البعض ما زالوا يتحدثون عن روايات أحدثت تأثيرا، وليس كتبا في السياسة أو غيرها، فلم يكن استطلاع الرأي عن الكتب الأدبية فقط، وإنما شمل شتى أنواع الكتب.

بقي أن أضيف أن الكتاب الأكثر تأثيرا ليس بالضرورة هو الأوسع انتشارا، هنا يأتي التأثير من قوة الكتاب، وما يحمله بين دفتيه من ألق ومعان نبيلة وطموحات وانكسارات، وما يمنحه للقارئ وللثقافة وللأجيال كلها، بينما الأوسع انتشارا مجرد طفح عشوائي لكتاب ربما لا يحمل أي معنى نبيل، ولكنه كتب بطريقة تخترع له قارئا شرها، مثل الكتب التي تبنى على الجنس، أو التي تنتهك المقدسات بلا ضرورة، أو التي تهم شرائح معينة في المجتمع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة