كتّاب أتراك .. على ضفاف الشمس   
الخميس 1434/12/6 هـ - الموافق 10/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:12 (مكة المكرمة)، 10:12 (غرينتش)
غلاف الأنطولوجيا الفرنسية عن الأدب التركي (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس

باستثناء ناظم حكمت، ويشار كمال، وأورهان باموك ونديم غورسيل، لا يزال الأدب التركي الحديث أرضا مجهولة يتردد القارئ غير التركي في عبورها لصعوبة التوجه في أرجائها بدون "دليل"، وهذا التقصير العربي في تفحص مدونة الأدب التركي المعاصر قابله اهتمام فرنسي واضح.

وفي هذا الإطار أصدرت دار"Galaade" الباريسية أنطولوجيا ضخمة تتضمن نخبة واسعة من النصوص التي تعود إلى كتّاب أتراك معروفين وآخرين أقل شهرة، وبالتالي تشكّل بانوراما قيمة لقرنٍ من الإبداع الأدبي التركي في ميادين الرواية والقصة القصيرة والحكاية والشعر.

وفي مقدمته لهذا العمل، يشير الكاتب والناقد التركي تيمور محيي الدين أولا إلى أن الكتّاب الأتراك، منذ بداية القرن الماضي، لم يكفوا عن التماثل بأسطورتين جغرافيتين ثم أدبيتين وهما إسطنبول والأناضول.

أكثر ما يرمز إلى  التباين بين جغرافيتين الذي ما برح ينضح داخل الإنتاج الأدبي التركي هو الظهور المتزامن لاسمين يجسّدان لوحدهما الحداثة الأدبية في تركيا، وهما "صباح الدين علي" و"سعيد فائق" حيث وضعا أُطُر نثر تركي في حالة تناغم مع الواقع المعاصر

إسطنبول والأناضول
فبينما تركز النشاط الأدبي التركي حتى مجيء أتاتورك داخل عاصمة تركيا السابقة التي استعادت منذ الثمانينات دورها الاقتصادي والثقافي، تغذي منطقة الأناضول بخصوصياتها وألوانها ولغاتها تأكيد اختلاف إيقاعات الحياة، وبالتالي تزن أكثر من إسطنبول على المستويين الديموغرافي والخيالي.

وفي هذا السياق، يفسّر محيي الدين حضور الجنوب التركي وثقافته العربية الكردية في شعر "مراد خان مونغان" ورواياته وقصصه منذ بداية مساره، والمراجع التاريخية إلى هذه المنطقة في كتابات "ماريو ليفي".

لكن أكثر ما يرمز إلى هذا التباين بين جغرافيتين الذي ما برح ينضح داخل الإنتاج الأدبي التركي هو -في نظر الناقد- الظهور المتزامن لاسمين يجسّدان لوحدهما الحداثة الأدبية في تركيا، وهما "صباح الدين علي" و"سعيد فائق" حيث وضعا أُطُر نثر تركي في حالة تناغم مع الواقع المعاصر.

وبينما يمثل علي الكاتب المسيس الذي تعكس كتاباته التزامه اليساري وجرأته على فضح الفروقات الاجتماعية، يمثّل فائق الوجه الآخر للكاتب التركي الحديث، أي الكاتب المتسكع وغير السياسي الذي حصر اهتمامه بحالاته النفسية وأحلامه وعودته إلى الذات، وفي المرحلة الأخيرة، بتأملات شعرية وانطباعات عابرة.

ويرى محيي الدين أن أعمال هذين الكاتبين تقف أيضا خلف انبثاق تيارين أدبيين متكاملين في تركيا: الواقعية الإجتماعية التي يجسّدها بقوة "عزيز نيسين" و"يشار كمال" الغنيان عن التعريف، والواقعية الشعرية التي ظهرت حديثا على يد الشابين "أيشيغول ديفيسيولو" و"فاروق دومان".

وبينما يشحن الأول نصوصه بقسوة رقيقة، يسعى الآخر إلى إدخال غنائية سحرية في قصصه مرتكزا في ذلك على الحكايات والقصص الخرافية المحلية، ويقترب أحيانا من العبث والغرابة المقلقة لكن ضمن نظرة مباشرة وجدّ واقعية على الأشياء.

ويخصص محيي الدين فسحة مهمة في الأنطولوجيا لوجوه الأدب التركي النسائي، كالروائية "ليلى إربيل" التي ما برحت تستكشف الأشكال وتختبر مساءلة نثرها بشكل ثابت وساعية إلى صقله بطريقة يصبح فيها قادرا على قول المعاصر، والروائية "أداليت أولو" التي تعمد إلى إسقاط وتحليل المشاعر المعقدة للمرأة التركية، لكن ضمن رؤية غير محكومة بالنقد الاجتماعي وضمن التزام إنساني أكثر منه سياسي.

كما لا يغفل عن القاصّة الانطباعية "فروزان" التي تمكنت من تجديد إمكانيات النص السردي القصير ومن فضح -بهدوء وبصيرة- جور العالم الذي شيّده الرجال على حساب حقوق المرأة والرجل معا.

الأنطولوجيا مهمة لكونها تكشف تارة انسجاما بين كتابها، وتارة روابط في الطاقة الفاعلة داخل نصوصهم، وتارة تضاربات، وتشكّل بالتالي دعوة لا تقاوم للتنزه على دروب المخيلة التركية والغنية والمتعددة
تجارب جديدة
ولا يهمل محيي الدين الكتّاب الجدد في تركيا الذين يقرؤون العالم بطرافة، وأحيانا "يمزّقونه بقسوة أو يمسكون به من طرف أصابعهم نظرا إلى القرف الذي يثيره فيهم "مثل "أيفر تونتش" التي تكشف في نصوصها ما لا يقال عن المجتمع الحديث وآفاته المخفية.

ويعرض الناقد التركي لتجربة "تشيلر إلهان" التي تخط في رواياتها بورتريهات لشخصيات منفية ومطرودة من ماضيها وخاضعة لعنف غير مرئي، أو "يئيت بينير" و"حقان غونداي" و"مراد أويوركولاك" الذين يصوّرون بشاعة العالم المعاصر وعنفه وفقدان الوعي السياسي، كل واحد على طريقته.

ويختم محيي الدين الأنطولوجيا بنصوص لكتّاب أتراك يتعذر تصنيفهم داخل جيل أو أسلوب كتابي أو منطقة جغرافية محددة، كالشابة "مينيكشي توبراك" التي تكتب التركية بأسلوب أوروبي حديث وترصد نصوصها لبرلين حيث تعيش وتقوم من حين إلى آخر بربط هذه المدينة بأنقرة على ضوء حداثتها الشخصية، أو الشاعر "إنيس باتور" الذي يتجاوز غالبا حدود الشعر نحو النثر والنص المستوحى من السيرة الذاتية، ضمن مقاربة مبتكرة وكيفية لفن السرد.

"كتّاب أتراك على ضفاف الشمس" أنطولوجيا مهمة تكشف تارة انسجاما بين كتابها، وتارة روابط في الطاقة الفاعلة داخل نصوصهم، وتارةً تضاربات، وتشكّل بالتالي دعوة لا تقاوم للتنزه على دروب المخيلة التركية والغنية والمتعددة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة