موسيقى كناوة.. صوت جرح أفريقي قديم   
الخميس 1433/8/1 هـ - الموافق 21/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:53 (مكة المكرمة)، 8:53 (غرينتش)
جانب من فعاليات أحد مهرجانات موسيقى الكناوة بمدينة الصويرة المغربية (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
تستقطب مدينة الصويرة المغربية هذه الأيام جمهورا كبيرا من مختلف مدن المملكة ومعهم آلاف الزوار من دول أوروبا وأميركا الشمالية من عشاق موسيقى "كناوة" ذات الجذور الأفريقية وتجارب المزج الموسيقي مع أنماط الموسيقى الغربية.

ويعد المهرجان الذي يستمر حتى 24 يونيو/حزيران الجاري، من أهم التظاهرات العالمية التي تحتفي بموسيقى ذات حساسية خاصة، أضحت عنوانا رئيسيا للثقافة الزنجية، وصوتا عابرا للزمان للمأساة الأفريقية التي حملها عبيد أفريقيا جنوب الصحراء في رحلتهم إلى المغرب الأقصى خصوصا، وبلاد المغرب العربي عموما.

كما يكرم الحدث ذاكرة مدينة الصويرة (موغادور تاريخيا) التي تشكل مهد تطور هذا الفن الشعبي الروحاني والمقصد الأول لكبار الموسيقيين العالميين، الذين جذبتهم الرغبة في توظيف الإيقاعات الكناوية وإدماجها في محاورات موسيقية تجريبية.

إيقاعات كناوة وطابعها الفولكلوري الراقص أضحت صيحة جديدة في عالم الموسيقى الغربية والشرقية

انتعاشة جديدة
وقد ساهم الفنانون الغربيون من أمثال بيل لاسويل وآدم رودولف وراندي ويستون، والمجموعات الغنائية المغربية، خصوصا التي تمزج الإيقاعات الغربية والكناوية، في إعطاء إشعاع وانتعاشة جديدين لهذا الفن الأفريقي، بعد أن ظل مجالها منحصرا في فضاءات شعبية و"مواسم" جماعية بطقوسها الغريبة وأجوائها الليلية، التي جعلتها مرتبطة في أذهان كثيرين بالشعوذة والممارسات الغيبية ومداواة الأمراض النفسية والمس بالجن وغيرها من المعتقدات الشعبية.

إيقاعات كناوة وطابعها الفولكلوري الراقص أضحت صيحة جديدة في عالم الموسيقى الغربية والشرقية، والمفارقة أن الأميركيين والأوروبيين كانوا أول من التقط بذكاء حاجة الجمهور العالمي إلى تذوق أصوات وأنغام جديدة تخاطب الأعماق الغامضة للإنسان.

ومؤخرا فقط تنبه بعض الفنانين المغاربيين والعرب إلى هذه المادة الخام، من ضمنهم فنان الراي الجزائري الشاب خالد، والمغنية اللبنانية ميريام فارس. كما شكل التراث الكناوي معينا هاما لإبداعات المجموعة الغنائية المغربية الذائعة الصيت "ناس الغيوان"، التي بنت قوالب بعض أهم روائعها على المتن الموسيقي الكناوي.

بآلاتهم التقليدية "البانجو" الوتري و"القراقب" النحاسية وأزيائهم الملونة، فضلا عن رقصاتهم التقليدية السريعة التي تحمل -حسب باحثين غربيين في الأنثروبولوجيا- بصمة الأصول المقدسة لهذه الموسيقى لدى شعوب السنغال وغانا والسودان في مراحلها الوثنية، يصر أحفاد الأفارقة الأرقاء على حفظ تراث عريق يحمل جرح الزنوجة المقهورة منذ مئات السنين، ولو في إطار روحاني جديد يحيل إلى المقدس الإسلامي.

المهرجان يتعرض لانتقادات، تؤاخذ على المنظمين اختزال فن كناوة في سهرات ترفيهية مفصولة عن سياقها الثقافي والتراثي

إيقاع متوثب
هو إذن صوت إثني أفريقي مخلد في ثنايا الزمن، تكمن قوته في مخاطبته للكيان اللاشعوري لدى الإنسان، الذي يبحث في تجاوبه مع الإيقاع المتوثب للجلسة الكناوية عن خلاصه من القيود المرئية والخفية، وما "الليلة" في المغرب و"الديوان" في الجزائر و"الزار" في مصر و"الحضرة" في تونس إلا مرادفات متماثلة لأجواء النغم الروحي المفضي إلى نشوة الاكتفاء والخلاص.

وعلى هامش البرنامج الموسيقي المكثف، الذي يستقطب هذا العام فنانين أفارقة وأوروبيين ومغاربة، ينظم منتدى فكري يتناول موضوع "شعوب تتحرك وثقافات تتحرر"، وينطلق من الدور الذي تضطلع به الموسيقى في تحطيم الجدران التي تبنيها أطروحة صدام الحضارات.

غير أن المهرجان، الذي بات لحظة مهمة بالنسبة لوتيرة النشاط السياحي في مدينة الصويرة (تبعد 80 كلم عن مراكش)، يواجه أيضا طائفة من الانتقادات، التي تؤاخذ على المنظمين اختزال فن كناوة في سهرات ترفيهية مفصولة عن سياقها الثقافي والتراثي، بينما يشدد فريق آخر على مشاهد المجون والممارسات الاجتماعية الشاذة المرافقة للمهرجان من مخدرات واختلاط جنسي وغيرها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة