تيارات التجريدية وحيوية مدرسة باريس   
السبت 1433/2/20 هـ - الموافق 14/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:54 (مكة المكرمة)، 10:54 (غرينتش)

لوحة الفنان أندريه لانسكوي في معرض "التيارات التجريدية في الخمسينيات" في باريس
(الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

من خلال تسعين لوحة فنية، أظهر معرض "التيارات التجريدية في الخمسينيات" في مرسم غرونيار بمدينة روي مالميزون الفرنسية حيوية "مدرسة باريس" بعد الحرب العالمية الثانية، وثراء الاختبارات التجريدية التي عرفتها العاصمة الفرنسية أثناء تلك المرحلة.

ومن خلال الأعمال المعروضة، يظهر تنوّع أصول الفنانين الذين نشطوا آنذاك على الساحة الباريسية (أوروبا، شواطئ المتوسط، روسيا، الشرق الأقصى، أميركا) وأيضا تنوّع ميولهم الفنية. فرغم طغيان الواقعية الاجتماعية، انخرط معظمهم في عملية استكشاف شغوفة لواقعٍ مواز جاءت به لغتا التجريد الهندسي والتجريد "الغنائي" بمختلف تياراتهما المتضاربة.

لوحة للفنان  الفرنسي من أصل ألماني هانس هارتونغ (الجزيرة نت)
الفن غير التصويري
وتجدر الإشارة إلى أن عددا مهما من الفنانين الذين ابتكروا الفن غير التصويري جمعهم الفنان جان بازان منذ عام ١٩٤١ في معرض "عشرون فنانا من التقليد الفرنسي" من منطلق بلوغهم حصيلة مثيرة للتحرّرات التي حصلت في مجال التلوين، منذ غوغان وحتى التيار التوحّشي، وفي مجال التشكيل، منذ سيزان وحتى التكعيبية. فنانون تجاوزوا التشكيل الهندسي التجريدي في اتجاه فضاءات وتمثيلات أخرى.

ويستحضر الفنان ألفرد مانيسيي مثلا في لوحاته بحر الشمال والقنوات المائية المثلّجة في هولندا، وجهد الرسام جان لو مووال في تمثيل قوى عناصر الطبيعة الملاحظة في مقاطعتي بريتانيا والآرديش الفرنسيتين. وسعى جان بيرتول خلف تلاعُبات وتقابلات الأنوار والظلال في مدينة البندقية الإيطالية. الرسام غوستاف سانجيي صفّى داخل شبكة خطوطه السائلة مشاهد تلال مقاطعة بروفانس، الفرنسية وتاق روجيه بيسيير إلى تجسيد دورة الفصول داخل المنظر الواحد.

باختصار، دشّن هؤلاء الفنانون في اشتعال ألوانهم علاقة جديدة بالطبيعة تتجاوز تمثيل مظاهر هذه الأخيرة فبلغوا رؤى جديدة. وبالتالي، لا يشكّل مشهدهم المجرّد رفضا لتصوير الواقع بل كان تضمينا له يعيد تحديده كحالة خاصة ضمن مجموعة روابط معقدة.

وفي هذا السياق، تجدر قراءة متاهات فييرا دا سيلفا المغلقة التي تستحضر واجهات أبنية مدينة ليشبونة، ومشاهد نيكولا دو ستايل المتألّقة وطبيعته الجامدة، والتوازن المتحرك لتشييدات جان إستيف اللونية المتوهّجة، وفضاءات أندريه لانسكوي المزدحمة، والمجسّمات المعدنية التي تعبر أعمال ليون زاك. وداخل آفاقٍ طبيعية أيضا، أو كونية، تنتشر تخطيطات زا وو كي وشو تيه شون أو مناخات الشيلي أودالدو الطقسية.

لوحة الفنانة ماريا هيلينا دا سيلفا
(الجزيرة-نت)
الفن اللا شكلي
وفي الأساس، تشير عبارة "التجريد الغنائي" التي ابتكرها الفنان جورج ماتيو إلى نزعة فنية وُصفت بسرعة "بالفن اللاشكلي" أو "التلطيخية" وتناقض الشكلانية الهندسية وتتميّز في رفضها الراديكالي لأي تلميحٍ إلى الواقع الحسّي.

ومن أبرز ممثّليها: الرائد هانز هارتونغ وكميل بريان وولفغانغ شولز وجيرار شنيدير وبيار سولاج وأندريه مارفينغ الذين لجؤوا إلى حركةٍ عفوية إيقاعية أكثر منها آلية أو إلى إسقاطٍ عشوائي للألوان أو إلى حك سطح اللوحة بأدوات غير تقليدية، تقنيات استخدمها قبلهم بعض السرياليين.

أما جمالية السرعة التي ابتكرها ماتيو وجان دوغوتيكس، والتي تشبه الممارسات الفنية الآسيوية، فقادت إلى انبثاق كتابةٍ تشكيلية جديدة محرَّرة من أي مدلول مُسبق.

وتحت تسمية "الفن غير الشكلي" ظهر عام ١٩٥١ تيارٌ مادّي آخر على يد جان فوتريي وجان دوبوفي وأوجين لوروا الذين عمدوا إلى تسميك مادّة ألوانهم وإدخال عناصر طبيعية مختلفة على سطح اللوحة، كالرمل والجصّ والقطران والخشب والحديد، أو زوابع لونية (جان ميساجيي) أو سيلانات معدنية (بيار تال كوت).

من جهةٍ أخرى، جذب تيار التجريد الهندسي البارد الذي كان قد ظهر في العشرينيات عدداً مهما من الفنانين بعد الحرب العالمية الثانية، نذكر منهم جان ديوان وفيكتور فازاريلّي وجان ديرول وريشارد مورتينسون.

يبقى تيارٌ تجريدي أخير تميّز رسم أربابه بحيوية حركتهم ولجوئهم إلى تكثيف الألوان ضمن توجّهٍ تعبيري قوي، مثل أسغر يورن وكارل أبِل وغييوم كورناي وجورج كولينيون وجاك دوسي.

وجميع هؤلاء التحقوا  بمجموعة "كوبرا" الطليعية وسعوا إلى تحرير الممارسات الفنية من أي منهجٍ أو أسلوب وتغذّوا من الأشكال والعلامات التي تعود إلى الثقافات القديمة أو التقاليد الإسكندنافية أو الفنون الشعبية أو رسوم المجانين، بدون أن ننسى اهتمامهم بالفن الخام الذي مارسه الرسام العملاق غاستون شايساك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة