بانوراما المشهد العراقي بعد تسليم بغداد   
الجمعة 1424/2/10 هـ - الموافق 11/4/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

جندي أميركي يوثق عنق تمثال الرئيس صدام حسين بالحبال
بعدما كسا وجهه بالعلم الأميركي قبل تحطيمه

محمد عبد العاطي*

أثناء الإعصار يلزم الناس أماكن تحميهم منه حيث لا يُسمع غير صفير الرياح وأصوات اقتلاع الأشجار وصرخات من تهدمت عليهم منازلهم، ويحجب الغبار كل شيء فلا تتضح حقائق ما يحدث.

وفور انتهاء الإعصار لا يركز الناس على رؤية تفصيلات ما تم تدميره، فهذا بالتأكيد يحدث في وقت لاحق، ولكنهم يحاولون بنظرة "بانورامية" كبيرة وسريعة أن يستوعبوا ما حدث في مجمله ليعرفوا حجم ما خلفه هذا الإعصار وما لحق بهم وبممتلكاتهم من دمار.

وهذا بالضبط ما يعيشه العراقيون والعالم العربي بعد انهيار النظام العراقي وسقوط بغداد في يد القوات الأميركية منذ صبيحة الأربعاء وحتى الآن.

يستعرض التقرير التالي أبرز ملامح المشهد البانورامي عراقيا وإقليميا وعالميا.

المشهد عراقيا:
بغداد عاصمة العراق السياسية، وقلب نظام حكم الرئيس صدام حسين الذي حكم البلاد 24 عاما، والمقر الرئيسي لحزب البعث الذي تأسس في العراق منذ 51 عاما، ومقر الأجهزة العسكرية والأمنية وفي مقدمتها قوات الحرس الجمهوري والخاص وفدائيي صدام وغيرها من أفرع القوات المسلحة العراقية.. لم تشهد انتحار الغزاة على أسوارها كما توعدهم الرئيس صدام حسين، ولا احتراق أجساد "العلوج" في شوارعها كما أنذرهم وزير إعلامه محمد سعيد الصحاف!
لكنها شهدت حدثا عجيبا وغريبا صبيحة الأربعاء.. حدثا لم يخطر ببال أوسع الناس خيالا أو أكثرهم تشاؤما.

فقد خلت شوارعها إلا من بعض ملابس عسكرية تابعة لأجهزة عسكرية وأمنية عراقية ملقاة هنا وهناك، وأكياس من الرمال لم تجد خلفها من كانوا حتى وقت قريب متحمسين للقتال. نظام بأكمله تبخر كما يتبخر خيط دخان.. نظام ذاب كما تذوب كرة من الثلج في نهار صيف حار بعدما كان يملأ الدنيا صخبا وضجيجا.

الشوارع يخيم عليها الصمت المهيب.. والمدينة بأكملها أصبحت أشبه بمدن الأشباح.. الصمت والذهول يسيطر على سكانها.. هؤلاء السكان الذين عاشوا 20 يوما لا يجدون سماء تحميهم من الصواريخ ولا أرضا تحميهم من تفجيرات القنابل.

صمت مطبق لا يشق جداره إلا طلقات نارية تسمع بين الفينة والفينة هنا أو هناك غالبا ما كان مصدرها متطوعون عرب جاؤوا بحثا عن "الشهادة" في "أرض الجهاد".

عراقيون يضربون بقايا تمثال للرئيس صدام بالأحذية ويركلونه بالأقدام
صور الرئيس العراقي المعلقة في كل مكان تُحرق.. تماثيله المنصوبة في الميادين الكبيرة تُقتلع.. بعض الجماهير التي كانت بالأمس تهتف بفدائه بأرواحها ودمائها تلعنه وتبصق على صوره وترقص فوق حطام تمثال كبير له حطمه لهم جنود المارينز الأميركيون.

هذا في بغداد، أما في المدن العراقية الأخرى فإنها تتساقط كما تتساقط قطع الدومينو.

فبعد البصرة في الجنوب وبغداد في الوسط، ها هي كركوك والموصل في الشمال تلتحق بأربيل والسليمانية لتكتمل السيطرة الأميركية.

أما مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس صدام وموطن عشيرته التي تعتقد القوات الأميركية أنها ربما تؤويه، فهي حاليا تتعرض لقصف كبير لا تصوره عدسات الكاميرات ولا ينقل وقائعه صحفيون عرب ولا أميركيون ولا غربيون.

وهناك في حواشي الصورة ووسط الخراب والدمار وبقع الدماء التي لم تجف في شوارع بغداد والبصرة، تركز عدسات الكاميرات على بعض العراقيين الذين تركوا جنود "الغزو" الأنغلوأميركي يأخذون أماكنهم ويعززون انتشارهم في حين انهمكوا هم في حمل كل ما تطاله أيديهم من منازل كبار المسؤولين ومقار حزب البعث والأجهزة الحكومية.

وفي الرتوش المكملة للصورة بدت هنا وهناك مجموعات وتشكيلات سياسية مختلفة تحاول الاقتراب من الفريسة لتنهش بعضا من الفتات الذي يلقيه إليهم النسر الأميركي الكاسر، وبدا سريعا -كما هو متوقع- الاقتتال فيما بينهم مستعملين في ذلك كل سلاح متاح لديهم حتى لو كان مجرد سكين.

عربيا:
ولا تزال العواصم العربية تنظر إلى ما حدث في بغداد في تعجب وذهول.

فعلى المستوى الرسمي انشغل معظم القادة في متابعة الخراب الذي حل "بالقصر الجمهوري" في وسط بغداد عن الإدلاء بأي تصريحات تدعو أو حتى "تتوسل" إلى المحتل الأميركي أن يسلم السلطة إلى حكومة عراقية منتخبة انتخابا حرا نزيها تحت سمع العالم وبصره.

ويبدو أن الأيام المقبلة ستشهد تغيرا في لغة الخطاب السياسي والإعلامي لبعض الدول التي باتت تؤمن "الآن" بأن العصا الأميركية الغليظة أصبحت قريبة أكثر من أي وقت آخر.

أما على مستوى الشارع العربي فقد خيم عليه الحزن وعمه الذهول لما رأى، وترددت على الألسنة أسئلة لم تجد إجابات حتى الآن، خاصة تلك التي تتعلق بما حدث ولماذا حدث؟ وإذا كانت هذه هي نهاية المعركة فلماذا بدأت أساسا وراحت بسببها كل هذه الخسائر؟ وإذا كان التغيير وتداول السلطة أمنية هذه الشعوب، فهل لابد أن يتم ذلك على يد المحتل الأميركي؟!.. إلخ.

عالميا:
وأخيرا وعلى المستوى العالمي فإن الصورة البانورامية توضح أن دولا تحاول اليوم التقرب ممن كانت تعارضه بالأمس، وتجتهد في إقناعه بأنها ما كانت تفعل معه ذلك حبا في نظام صدام ولا كرها في الأميركيين، ولكنها كانت تفعله بدافع حرصها على السلام العالمي ورغبة في احترام سيادة القانون الدولي وحفاظا على وجود الأمم المتحدة.

المشهد البانورامي كبير وأحداثه جسام، وتأمله بعدما يتوقف الإعصار أمر مهم، رغم أن التكوينات التفصيلية للصورة لا تزال تتشكل وألوانها في كل يوم تتغير.
_______________
*
قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة