مبارك ربيع: للإبداع دور في الربيع العربي   
الأحد 15/4/1437 هـ - الموافق 24/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)
المحفوظ فضيلي

في الحلقة السابعة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نقف مع الكاتب مبارك ربيع الذي يعتبر من مؤسسي الرواية في المغرب وصاحب أول عمل سردي من وحي النسخة المغربية من الربيع العربي الذي أطلقته حركة 20 فبراير وحمل ذلك العمل عنوانا مشحونا بالرمزية: "حب فبراير".

ويرى مبارك ربيع (1935) أنه لا يمكن القول بانعدام دور للإبداع في ظاهرة "الربيع العربي"، لكنه لن يكون وحده عاملا مفسراً للظاهرة، ووصف موقف المبدعين العرب من ذلك الربيع بأنه على العموم كان إيجابيا من حيث التوجه العام والمبدأ، بما فيه من طموح إلى تغيير واقع لا يرضي ولا يتواكب مع القيم الحضارية الإنسانية.
 
وبيد أن صاحب رواية "الطيبون" والذي كتب أيضا في مجال علم النفس، يقول إنه "لو اعتبرنا مدى انتشار الأمية في المنطقة العربية، علاوة على نوعية القراءة والمقروء والقراء، لبادرنا إلى الجزم بأن الإبداع العربي لا دور له فيما جرى".
 
وفي ما يلي نص الحوار:

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

   مبدئيا، لدي تحفظ كبير على مفهوم التوقع في المجال الإبداعي، ورغم تفهمي لكثير من المواقف لمبدعين، التي تميل -إن لم تؤكد- إلى أنها توقعت.. أو كانت تتوقع..

أود أن أؤكد أن جوهر وظيفة الإبداع الأدبي ليست في مبدأ التوقع، إلا إذا أصبح مرادفا للتحليل النقدي والاجتماعي، وللميل إلى واقع بديل، وإلى الرغبة في التغيير وما في هذا المعنى، مما يحتمله الإبداع ويشكل بعض معالمه الموضوعية/ الموضوعاتية والمضمونية أيضًا، ومع ذلك، فإن هذا كله ليس هو جوهر العمل الإبداعي ولا أهم ما فيه، ولا سيما الجمالية في عمومها وكليتها، بتفاعل وتكامل مكوناتها.
  
لنعد إلى ظاهرة "الربيع العربي" التي لم تتوقعها الاستخبارات العربية ولا العالمية، فما هي وسائل وأدوات المبدع الأدبي ليتوقع؟ هذا علاوة على أن طابع هذا "الحراك" مميز ومتفرد، فيه من العصيان المدني العفوي أو شبه المنظم، وفيه من الثوري، ومن الانتفاضي، ومن الاحتجاجي المدني، أي أنه مخالف للمألوف من التغيير، عبر الانقلاب العسكري والعنف الثوري بأشكاله المختلفة، وكذا النضال الحزبي والمطالبة النقابية.

أخيراً، نعم كنت وما زلت وسأظل كمواطن ومبدع، أتطلع إلى حلم البديل الأفضل والأمثل، لكنني لم أكن أتوقع ما حصل وتشكل في صورة ما يسمى "الربيع العربي".

 إلى أي حدٍّ تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

لو اعتبرنا مدى انتشار الأمية في المنطقة العربية، علاوة على نوعية القراءة والمقروء والقراء، لبادرنا إلى الجزم بأن الإبداع العربي لا دور له فيما جرى، إلا أن حلم البديل المتخلق باستمرار في رحم الإبداع: قصة ورواية وشعراً ومسرحاً وسينما وتشكيلا.. كله يشتغل بمقدارية كيميائية تفاعلية، مع غيره من عوامل وعناصر ثقافية، وإعلامية، ودينية، واقتصادية، وسياسية عامة.. مؤتلفة ومختلفة، ليخلق وعياً ثاوياً أو صريحاً، بحالة عدم الرضى عن الواقع والميل إلى التغيير، في انتظار ما يأتي، أو لا يتأتى أبداً من لحظة التوهج الممكنة.

لا يمكن القول بانعدام دور الإبداع في ظاهرة "الربيع العربي"، لكنه لن يكون وحده عاملا مفسراً للظاهرة، وهو ما يسري على غيره من العوامل المختلفة، ويبقى تحديد دور أي منها، مستلزماً أبحاثاً عملية ميدانية متعددة الأبعاد..

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

 الحدث كان مفاجئاً بكل معنى الكلمة، والمبدع ليس بالضرورة تابعاً للواقع على نحو آلي، وحتى في حال ذلك، لن يكون المطلوب والناتج إبداعياً مطابقاً لما جرى أو يجري، لكن المبدع العربي من حيث هو إنسان ومواطن ومعني بحدث الربيع العربي، لا بد له من موقف شخصي فكري إزاء الحدث، وقد يعبر عن ذلك بصيغ مختلفة إبداعية وغير إبداعية، تبعاً لنوعية التفاعل ولموقع المبدع في مجتمعه.

وعلى العموم يبدو موقف المبدعين العرب إيجابيا من "الربيع العربي"، من حيث التوجه العام والمبدأ، بما فيه من طموح إلى تغيير واقع لا يرضي ولا يتواكب مع القيم الحضارية الإنسانية لعالمنا اليوم، هذا بغض النظر عن التداعيات السلبية والكارثية التي لا تزال المنطقة العربية تتخبط فيها وستظل كذلك لفترة، وهي تختلف جذرياً عن التطلعات المبدئية للانطلاقة الأولى للحراك، ومن شأنها بالتالي أن تختلف بصددها مواقف المبدعين وغيرهم.

أما المواكبة الإبداعية للربيع العربي، فتبدو في حدود المعقول على كافة الأجناس الإبداعية، علماً بأن التفاعل الإبداعي مع الحدث يتطلب فترة استيعاب واختمار متفاوتة حسب القابليات، وقد تأخذ صورة كمون تطول لتنبثق على صورة ما، بل إن انتهاء الربيع العربي حتى بتداعياته المختلفة لا يعتبر بالضرورة انتهاء ولا بداية للتفاعل الإبداعي معه.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

أكثر من انكسارات، إنها كوارث تبدو من زمن أسطوري وبائد، بيد أن التاريخ الحديث والمعاصر يعلمنا أن أوروبا المعاصرة شهدت في القرن الماضي، منتصفه الأول، كوارث حربين عالميتين، لتنبثق من تحت الخرائب وألوان الهدم والتقتيل ما هي عليه الآن، بما بين مكوناتها من روح التعايش والتسامح بل والوحدة والاتحاد، إذ لا ننسى أن كافة أشكال مشاريع توحيد أوروبا، بما فيها صيغة الاتحاد الأوروبي الحالي، تعتبر ثمرة الدروس الكارثية لطاحونة الحرب العالمية.

مهما يكن، فما بعد "الربيع العربي" مخالف لما قبله، ويبقى أن يكون ذلك في اتجاه إنساني إيجابي للمنطقة العربية، وهو ما تتحمل وزره ومسؤوليته القيادات العربية في كل الميادين، من ساسة ومبدعين واقتصاديين ورجال دين وغيرهم.

على أي مدى (متوسط، بعيد.. ) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية..) ستتحقق على أرض الواقع؟

ليس الإبداع العربي سوى عامل ضمن تفاعلات الإصلاح والتغيير، وهو على كل حال ليس معولا ولا بندقية أو منجلا، فهو يشتغل على مهل وعلى مستويات من الوعي واللاوعي، مطيته الحرية وهدفه الجمالية

لابد من التفكير، إن لم يكن الاعتقاد، بأن التطور باتجاه التقدم والإيجاب سنن الإنسان في مجتمعه، قياساً للماضي البعيد والمتوسط بالحاضر، ومن ثم لا بد من تصور أن الإنسان العربي في منطقته ليس شذوذاً أو نشازاً في تاريخ البشرية.

وبالتالي فمهما كانت صور وكيفيات التغيير، على شاكلة الربيع العربي أو بإلهام منه أو خلافه، فهي في حكم المتوقع على المدى المتوسط احتمالا، وعلى المدى البعيد بالتأكيد أو ما هو أقرب من ذلك، إذ لا يمكن لهذه المنطقة، شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وهي مهد الحضارات والديانات، وهي الأقرب بل الأكثر التحاماً على جميع المستويات بأوروبا الأنوار والتقدم، أن تظل غريبة عن مترتبات موقعها في محيطها الحضاري الجيوسياسي، أو تبقى بعيدة عن استثمار إمكاناته، عصية بالتالي عن مجرى التاريخ الإنساني، بينما استفادت واستثمرت على البعد، مناطق الشرق الأقصى وغيرها عبر العالم، كافة أسس ومظاهر التقدم الثقافي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، من العالم الغربي، دون منافاة، مع كل دعاوى مستلزمات الخصوصية والهوية.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

ليس الإبداع العربي سوى عامل ضمن تفاعلات الإصلاح والتغيير، وهو على كل حال ليس معولا ولا بندقية أو منجلا، فهو يشتغل على مهل وعلى مستويات من الوعي واللاوعي، مطيته الحرية وهدفه الجمالية، لكنه في كل الأحوال ملكوت المثل والبدائل، منها ما يتحقق بكيفية ما، جزئياً أو مرحلياً، ومنها ما لا يتحقق ولا هو قابل للتحقيق، لكنه يظل حلماً دافئاً مؤنساً، ومصدر متعة وإلهام، لمن يعشق ويتذوق ويحسن الاستلهام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة