جدل بشأن تطبيق الحدود الشرعية بتمبكتو   
السبت 29/5/1433 هـ - الموافق 21/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:49 (مكة المكرمة)، 11:49 (غرينتش)

 

أفراد من حركة أنصار الدين يقتحمون منزلا لسيدة فرنسية ويخرجون كمية من قوارير الخمر ويقومون بتكسيرها وحرقها في الشارع (الجزيرة)

أمين محمد-تمبكتو

لم تنتظر حركة أنصار الدين ذات الخلفية السلفية كثيرا حيث شرعت فورا في تنفيذ الحدود الشرعية ضد الذين يرتكبون مخالفات شرعية تستوجب إقامة الحد، وانخرط أعضاؤها في حملة قوية تستهدف ما يصفونها بأوكار الخمور والدعارة والفساد الأخلاقي في مدينة تمبكتو الأثرية.

وتم حتى الآن بحسب ما قال قياديون في الحركة للجزيرة نت تطبيق الحدود الشرعية على أكثر من عشرين فردا، أغلبهم متهمون بشرب الخمر، وبعضهم ألقي القبض عليه وهو في حالة سكر وفقدان للعقل، وتم جلد المتهمين بتعاطي وشرب الخمر أربعين جلدة وفقا لما تنص عليه أحكام الشريعة الإسلامية.

ويطرح تطبيق أحكام الحدود الشرعية على الناس وهم تحت وطأة أزمات معيشية وإنسانية وأمنية خانقة إشكالات يتعلق جوهرها بمقتضيات التدرج ومراعاة ترتيب الأولويات والسياقات الزمانية والمكانية وظروف سكان تمبكتو الذين هم في أمس الحاجة لمن يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف.

جمع من مواطني تمبكتو  يشاهدون إبادة قوارير الخمور (الجزيرة)
على أن حاجة الناس لمن يطعمهم ويعالجهم من الأمراض ويرفع عنهم مشاعر الخوف التي جلبتها لهم الأزمات المتتالية لا تعني بالضرورة -وفقا لما يراه قادة الحركة- تخليا وتنازلا عن جزء أصيل ورمزي في الوقت ذاته من الشريعة الإسلامية ألا وهو الحدود الشرعية "التي ضيعها المسلمون فضاعوا بسبب ذل".

ويستند العديد من المطالبين بعدم التعجل في تطبيق الحدود الشرعية في فترات الأزمات الغذائية والإنسانية إلى ما فعله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أوقف تطبيق حد السرقة فيما يعرف بعام الرمادة وهو العام الذي مس الناس فيه قحط وجوع.

لكن المسؤول الإعلامي لحركة أنصار الدين سندا ولد بوعمامة وإن أشار إلى أن لحركته كما لعموم المسلمين أسوة بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلا أنه قال إن فترات تاريخية كثيرة شهدت أزمات غذائية ومعيشية لم يتم بسببها إيقاف الحدود الشرعية، علما بأنه ومع افتراض أن الجوع قد يدفع صاحبه إلى السرقة لتحصيل ما يقتات عليه، فلا مبرر لأن يدفعه لشرب الخمر وهي غالية الثمن، أو لارتكاب الفواحش الأخرى وفيها انتهاك للأعراض، وتجاوز لحرمات الله.

غياب الوازع
ويشير ولد بوعمامة إلى أن الغالب الأعم من التعديات والتجاوزات الشرعية التي تعرض صاحبها لإقامة الحد، لا تأتي في العادة بدافع الجوع، وإنما بغياب الوازع الأخلاقي والتربوي، أما الوازع الديني فهو أبعد ما يكون في مثل هذه الحالات.

وبشأن ما إن كان لحركته مخاوف من أن يجلب عليها تطبيق الحدود بغضا وكرها من الناس قال ولد بوعمامة إن ما يبحثون عنه هو "مرضاة الله"، وما جاؤوا من أجله هو "إنفاذ أمر الله"، أما رضا الناس "فهو ليس بالشيء المعتبر عندنا".

بوعمامة: الجوع والخوف ليست مبررات للتخلي عن تطبيق الحدود الشرعية  (الجزيرة)
ورغم ذلك يضيف "لقد لمسنا الكثير من التقبل من الناس لإقامة الحدود، حتى أن اثنين من الذين أقيم عليهم الحد تابا إلى الله وندما على ما فرط منهما ثم استغفرا وانخرطا في العمل الجهادي".

رضا وارتياح
وفي الشارع يعبر غالبية السكان عن رضاهم لتطبيق الحدود الشرعية ومصادرة الخمور وحرقها، وإغلاق أماكن الفحش والفساد الأخلاقي، حتى الذين يبدون رأيا مخالفا يرفضون التصريح بأسمائهم ويعطون الانطباع بخوفهم من الإدلاء بآرائهم الفعلية.

صباح اليوم تجمع نحو ثلاثين من المواطنين لمشاهدة عملية اقتحام منزل يعود لسيدة فرنسية من أصل مالي من طرف عناصر من حركة أنصار الدين، وتكسير وحرق كميات من الخمور كانت توجد بذلك المنزل والفندق المحاذي له.

وعبر العديد من هؤلاء بمن فيهم جيران المنزل عن تأييدهم لتلك الخطوة ورضاهم عنها، في الوقت ذاته كان بعض المارة يطلقون إشارات سخرية من هذا التصرف ويتبادلون النكات التي تدور في هذا السياق.

رفض مبطن
وتعليقا على ذلك قال عمدة مدينة تمبكتو المطاح به هالي عثمان إن مدينة تمبكتو ليست في حاجة إلى إسلام جديد، فهي ضاربة الجذور في أعماق التاريخ الإسلامي، وقد صنفت كعاصمة للثقافة الإسلامية، وما زالت العادات والتقاليد الإسلامية راسخة بها إلى اليوم حتى أن جميع الأسر تحرص
حتى اليوم على إرسال أطفالها إلى المدارس القرآنية قبل إدخالهم إلى المدارس الحديثة.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن هذه المظاهر التي يتحدث عنها هؤلاء الناس يمكن مشاهدتها ومعاينتها بسهولة في كل البلدان العربية بما في ذلك الخليجية، كما أنه يجب الوضع في الاعتبار أن دولة مالي ليست دولة إسلامية بالكامل، وأن تمبكتو نفسها ظلت عبر تاريخها تستضيف مجموعات كثيرة من غير المسلمين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة