المصالحة بمصر.. ملامح الخيال السياسي   
السبت 15/10/1436 هـ - الموافق 1/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:03 (مكة المكرمة)، 20:03 (غرينتش)

سيد أحمد الخضر-الجزيرة نت

من جديد تعود فكرة المصالحة إلى الواجهة في مصر، بعد تصريح أحد المقربين من الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن التسوية مع الإخوان المسلمين قادمة في حال "نبذهم للعنف وتخليهم عن خلط السياسة بالدين".

وقد تلقفت المواقع الإخبارية تصريحات لمحمد غنيم عضو المجلس الاستشاري العلمي للسيسي أكد فيها أن المصالحة مع الإخوان ستأتي بشروط طالما أكد عليها النظام في عدة مناسبات.

حديث غنيم الذي نشرته جريدة اليوم السابع تناول إمكانية إسقاط أحكام الإعدام بحق معارضي النظام، وسن قانون للمصالحة المجتمعية وفق ما ينص عليه الدستور.

وتأتي هذه التصريحات وسط تنامي الاحتقان السياسي في مصر واستمرار التظاهر ضد الانقلاب، وتعرض الشرطة والجيش لهجمات دامية من حين لآخر من قبل مسلحين جهاديين.

وفي خطاب سابق، لم يستبعد السيسي فكرة التصالح مع جماعة الإخوان "إذا ما رضي الشعب المصري بذلك"، مما عده بعض المراقبين حينها تنصلا من استحاقات التسوية التي تقتضي تنازلات سياسية من كلا الطرفين.

ورغم كثرة الحديث عن المبادرات الرامية للتسوية بين طرفي الصراع في مصر، لم يحصل تحرك جدي تجاه المصالحة نظرا لعمق الخلاف حول جوهرها ونطاقها ومرجعيتها.

ووفق الكاتب المؤيد للانقلاب مجدي شندي فإن تصريحات غنيم تتسق مع سياسة النظام الرامية للمصالحة مع قطاع من الشعب لتجنب المزيد من التشظي والاختلاف.

شندي: تذبذب مواقف الإخوان وراء فشل مبادرات المصالحة الوطنية (الجزيرة نت)

تذبذب المواقف
ويحمّل شندي الإخوان المسلمين مسوؤلية فشل مبادرات مصالحة عديدة قام بها "حكماء من أمثال عبد المنعم أبو الفتوح"، وذلك لرفضهم الاعتراف بالوضع القائم وتذبذب مواقفهم بحكم وجود خلافات بين شيوخهم وشبابهم وبين قيادات الداخل والخارج، على حد قوله.

وما دامت مصر لا تستطيع أن تعيش في خصام مع قطاع من شعبها، فإن شندي يرى أن تصريحات غنيم بادرة حسن نية من النظام ينبغي أن يزكيها الإعلام الراشد وتباركها مختلف القوى السياسية في البلاد.

لكن شندي يطالب النظام بخطوات أكثر جدية تؤكد سعيه للمصالحة الوطنية، من قبيل إطلاق سراح الأبرياء، والسماح بالتظاهر السلمي، والتفريق بين دعاة العنف والمطالبين بالتغيير السلمي.

في الجانب الآخر، لا تعدو تصريحات غنيم محاولة استخباراتية لشق صف الثوار من خلال الإيحاء بأن النظام بصدد المصالحة مع الإخوان المسلمين، في ظل "اتحاد القوى السياسية خلف ضرورة إجهاض الانقلاب".

هذا الفهم يعبر عنه القيادي الإخواني المقيم في تركيا جمال حشمت، حيث يرى أن ما يطمح له النظام هو تسوية على أساس القبول بالانقلاب، بينما الجماعة تهدف فعلا لمصالحة حقيقية ولكن بمرجعية ثورية.

والمرجعية الثورية تقتضي -وفق حشمت- ضمان العدالة الاجتماعية، والقصاص للشهداء، وإطلاق سراح المعتقلين، وتواري السيسي عن المشهد السياسي، وإبعاد العسكر عن السلطة، وصون ثروات البلاد من التبديد.

وفي ظل تباين مرجعيتي الثورة والانقلاب، يعول حشمت على عودة التلاقي بين القوى السياسية وطول نفس الشعب المصري واستمراره في التظاهر بالشوارع لحين إسقاط النظام.

راشد: المصالحة مستحيلة والسيسي لا يتعرض لأي ضغوط من الخارج (الجزيرة نت)

ملامح الانهيار
وحتى لا يكون سقوط النظام أقرب للأمنية منه للممكن، يسوق القيادي الإخواني أمثلة على ملامح انهيار السيسي، حيث بات "ظهره للحائط" بعد تخلي القوى السياسية عنه، ونفور الشارع من خطاباته وسط تنامي الانتهاكات الحقوقية وفشل الاقتصاد، حسب تعبيره.

وبالنسبة للباحث بمركز الأهرام الدكتور سامح راشد، فإن تصريحات غنيم ليست عرضا حقيقيا بقدر ما هي جس نبض للرأي العام، لأن "مصالحة النظام مع خصومه مستحيلة".

ويستند راشد في استبعاده للمصالحة إلى أنها تناقض مسوغ وجود النظام، حيث بنى شرعيته على التخويف من جماعة الإخوان المسلمين، ولا يمكن أن يواجه الرأي العام ببسط اليد لهم، وفق تصوره.

وما دام منطق المصالحة يفرض التلاقي عند كلمة سواء فإن من يتابع الشأن المصري لا يرى أي أفق للتسوية، لأن النظام يرفض تقديم أي تنازلات ويسير باتجاه المزيد من التضييق على الحريات، حسب الباحث بمركز الأهرام للدراسات.

وبينما يعول البعض على القوى الإقليمية والدولية في إنجاز مصالحة وطنية بمصر، يقول راشد إنه لم يلاحظ تعرض السيسي لأي ضغوط من الخارج باتجاه التوصل لتسوية مع المعارضين.

فما يرصده راشد حتى هذه اللحظة هو الفتور في العلاقة مع السعودية وربما "توقف المساعدات"، لكن ذلك لا يمس جوهر الأزمة السياسية بين النظام وخصومه.

وعلى الصعيد الدولي، يستبعد راشد أن تضغط واشنطن على القاهرة في هذا الاتجاه بالنظر إلى تنامي تمتين العلاقات بين الجانبين، بدليل استئناف حوارهما الاستراتيجي غدا الأحد بعد توقفه لأكثر من 16 عاما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة