مواقع التواصل، سلاح النظام والساسة والثوار   
الأحد 6/9/1434 هـ - الموافق 14/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:49 (مكة المكرمة)، 10:49 (غرينتش)
اكتسبت مواقع التواصل زخما كبيرا في الحراك السياسي الذي عمّ العالم العربي  (وكالة الأنباء الأوروبية)

أعطت الثورات التي اجتاحت العالم العربي في السنوات الثلاث الماضية بعدا وعناية جديدين لمواقع التواصل الاجتماعي عامة، وموقع فيسبوك خاصة، ولم يكن في بال مؤسس الموقع مارك زاغربيرغ أن يأتي يوم يصبح فيه موقعه أداة ثورية ووسيلة رئيسية لحشد وإدارة ثورات الشعوب، بل إن بعض المراقبين يذهب إلى حد اعتبار أن فيسبوك هو المفجر الحقيقي للثورات العربية، عامة وللثورة في مصر خاصة.

وفيسبوك (أي كتاب الوجوه) هو تقليد تتبعه بعض الجامعات الأميركية، حيث توزع على الطلبة الجدد كتابا يتضمن صورا ومعلومات عن الطلبة والعاملين في الجامعة، وذلك لمساعدة أولئك الملتحقين بالجامعة حديثا، على التعرف على وجوه زملائهم وأساتذتهم، الأمر الذي يساعدهم على التأقلم بشكل أسرع مع البيئة الدراسية الجديدة.

وفي فبراير/شباط عام 2004، أسس زاغربيرغ موقع فيسبوك وأعطاه نفس اسم الكتيب الذي يوزع في الجامعات، وكان غرضه الأساسي إقامة نسخة إلكترونية من ذلك التقليد الجامعي، وابتكار نظام جديد يسعى به لإثبات وجوده.

ولم يدر بخلد ذلك الشاب أنه سيأتي اليوم الذي يصبح فيه موقعه قبلة الثوار وحامل مشعل الطامحين إلى التغيير وإلى غد أفضل.  

ومنذ بداية ثورة 25 يناير 2011 ظهر نقاش حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الحياة السياسية في مصر. وبعد أن أثبتت هذه الوسائل العصرية قوتها في حشد الناس وصنع الرأي العام، يحاول كل طرف أن يوظفها لصالحه.

نتلقى كل يوم العشرات من الرسائل الإلكترونية من المكتب الإعلامي للجيش والإخوان، وهي رسائل مصحوبة بالصور والفيديوهات

ويقول سامي مجدي المحرر المسؤول في موقع "مصراوي" الإخباري إن موقعه يتلقى "كل يوم العشرات من الرسائل الإلكترونية من المكتب الإعلامي للجيش والإخوان، وهي رسائل مصحوبة بالصور والفيديوهات".

ويعتبر مجدي أن امتلاء بريده الإلكتروني بمثل هذه الرسائل، هي محاولة من الطرفين "للتأثير على تغطيتنا الإخبارية".

فيسبوك وتويتر
لكن موقعي فيسبوك وتويتر لم يعودا حكرا على المواطنين وفقا لأنطوناكيس-ناشف، الباحثة في العلوم السياسية بالمعهد الألماني للدراسات الأمنية والخارجية في برلين، والمتخصصة في موضوع وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي.

تقول ناشف "منذ ثورة 2011 يتم توجيه النقاشات في الإنترنت حسب المصالح السياسية والحزبية، لأن السياسيين أصبحوا واعين لكون فيسبوك وتويتر وسيلتي تواصل مؤثرتين".

وإبان ثورة 2011 أنشأ الجيش وجماعة الإخوان المسلمين حسابات رسمية على فيسبوك وتويتر. وحسب معطيات موقع "آراب سوشل ميديا ريبورت" وموقع "إنترنيت وورلد ستايت" فإن عدد مستخدمي فيسبوك في مصر ارتفع من 6.5 ملايين مستخدم في أبريل/نيسان 2011 إلى 12 مليون مستخدم في ديسمبر/كانون الأول 2012، أي أن العدد تضاعف تقريبا.

حرب الفيديو
تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات دموية، لحوادث إطلاق نار ولصدامات بين الإسلاميين وقوات الأمن. واحدة من تلك الفيديوهات الصادمة تعود لأحمد سمير عاصم، حيث نرى رجلا على السطح يطلق النار، ثم فجأة يوجه سلاحه باتجاه الكاميرا. هذا الفيديو الذي ينتهي بهذا المشهد أصبح مادة إعلامية للكثير من المقالات. لقد قام أحمد سمير عاصم بذلك بتصوير موته بيده. الرجل، البالغ من العمر 26 عاما، هو مصور صحفي لدى صحيفة حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

من المفترض أن هذا الفيديو يُظهر مقتل عاصم على يد قناص تابع لقوات الجيش يوم الاثنين الثامن من يوليو/تموز الجاري. وهو نفس اليوم الذي صادف حسب معطيات رسمية مقتل 51 شخصا وجرح حوالي 435 شخصا آخرين. لكن الذي حدث بالضبط في ذلك اليوم، لا يمكن معرفته أو إعادة بناء أحداثه من خلال الفيديوهات فقط.

وقام الإخوان بنشر فيديو لتكريم أحمد سمير عاصم، مصاحَب بموسيقى تصويرية على تويتر. ينتهي هذا الفيديو بلقطة مكبّرة لجثمان عاصم وآلة تصويره الملطخة بالدماء. ولم ينتظر الجيش وقتا طويلا ليرد. ففي فيديو مصور ظهر أحد الجنرالات يتوعد باعتقال كل من يحرض الشعب. وفي فيديو آخر ظهر رجل ملثم يرتدي ملابس سوداء من المفترض أنه ينتمي إلى قوات الأمن، رسالته أنهم كانوا في حالة دفاع. رسالة الجيش مضمونها أنه لم يتم إطلاق النار على الناس بشكل تعسفي. لكن من بدأ هذه المواجهات؟ لا يمكن للفيديو أن يكون جوابا عن هذا السؤال.

لكن منظمة العفو الدولية (إمنيستي) نشرت في وقت لاحق تقريرا مستقلا، تحدثت فيه عن وجود أدلة دامغة على "استخدام قوات الأمن للقوة المفرطة ضد مؤيدي الرئيس المعزول، محمد مرسي".

وتعليقًا على ما حدث، قالت حسيبة حاج صحراوي، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إنه "على الرغم من ادعاءات الجيش بأن المحتجين كانوا البادئين بالهجوم أثناء اشتباكات الاثنين، وبأنه لم يصب نساء أو أطفالا، تشير الروايات التي جمعتها منظمة العفو الدولية بشكل مباشر إلى صورة مغايرة تمامًا. فحتى وإن كان بعض المحتجين قد استعملوا العنف، فإن الرد كان غير متناسب وأدى إلى خسائر في الأرواح وإلى إصابات في صفوف المحتجين السلميين".

التحقق

المشكلة هي أنه عندما تستخدم الصور والفيديوهات، لتعبئة الأنصار، وتحديث الصفحات الشخصية للمستخدمين، لا يمكن فَلْتَرة هذه المعلومات بشكل جيد
ورغم وفرة المادة الإعلامية، فإنه تبقى مشكلة التحقق من صحة ما ينشر، حيث أن المشكلة كما تقول ناشف "هي أنه عندما تستخدم الصور والفيديوهات، لتعبئة الأنصار، وتحديث الصفحات الشخصية للمستخدمين، لا يمكن فَلْتَرة هذه المعلومات بشكل جيد".

ويواجه سامي مجدي في موقع "مصراوي" نفس المشكلة، فوظيفته هي التحقق من هذه المواد الفلمية وفرز تلك التي تهدف الدعاية فقط.

ومنذ أيام فقط كان هناك مثال على المواد المغلوطة التي تسعى للتجييش الإعلامي، فقد قام نشطاء تابعون لجماعة الإخوان المسلمين بنشر صور لأطفال مقتولين بطريقة بشعة، وذلك ليقولوا للعالم، هاهو الجيش لا يستنكف عن قتل الأطفال الأبرياء. وبسرعة تبين أن هذه الصور تعود لأطفال قتلوا في سوريا.

الإعلام العالمي
الكثير من "التويتات" والتعليقات على فيسبوك تكون باللغة الإنجليزية، وذلك من الجانبين سواء الجيش أو الإخوان المسلمين. الغرض من هذه التعليقات والكتابات هو "التوجه لوسائل الإعلام العالمية" كما تقول آنا أنطوناكيس-ناشف.

على صفحات فيسبوك التابعة لمؤسسة DW وبلغات متعددة، قام العديد من مستخدمي هذه الصفحات بنشر وتحميل صور وفيديوهات تحتوي على مشاهد عنيفة.

الأصوات المعتدلة لا مكان لها في هذا العالم الافتراضي، فهي لا تكاد تسمع. صفحة "كلنا خالد سعيد" أعلنت بعد عزل محمد مرسي أنها ستكون محايدة، وهو الأمر الذي أحدث عاصفة من السخط لدى مستخدمي هذه الصفحة، والتي يقارب عدد مستخدميها ثلاثة ملايين مستخدم. تقول آنا أنطوناكيس-ناشف: "لأن الناس ينتظرون دائما أن يكون الشخص إما (مع) أو (ضد) وهذا يخلق حالة الاستقطاب".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة