ماجد سليمان: الربيع العربي فرصة للإبداع   
الأربعاء 25/4/1437 هـ - الموافق 3/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 23:42 (مكة المكرمة)، 20:42 (غرينتش)

المحفوظ فضيلي

في الحلقة الثانية عشرة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نحط الرحال في الخليج مع الكاتب السعودي ماجد سليمان الذي لا يتردد في الإقرار بأن الربيع العربي مثل للإبداع العربي فرصة كان يحلم بها قبل عقود من الركود حيث استعاد بعض الأدباء ما سماه "النفس الثوري الأدبي".

وأضاف ماجد سليمان (1977) أن أغلب المبدعين العرب عالجوا الحدث بأعمال فاقت الاحترافية، بل ظهرت أعمال اجترت من بعدها قرائح مبدعين آخرين، وانخرطوا في حشد الإبداع السائر في التفاعل المذهل مع الربيع العربي، فهم كتبوا صادقين، حتى لا يكونوا جزءا من الدمار.

في مقابل ذلك الحماس، سجل ماجد سليمان، الذي استلهم روح روايته الأخيرة "طيور العتمة" (دار الساقي/2014) من أجواء الربيع العربي، أن أقلام بعض الأدباء العرب تحاشت الموضوع واستمرت في الكتابة الرومانسية والاعتباطية وكأنّ الشارع العربي لا يعنيها، وذهب في نقدهم إلى حد القول إنهم "مُدانون أدبياً".

في ما يلي نص الحوار:

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

    أن يثور المظلوم على ظالمه، لأجل كرامته ومستقبله فهذا لا يُستغرب، ما لم يصحب ثورته هدف سياسي أو امتداد لعامل خارجي. معروف أن أسباب الربيع العربي هي انتشار الفساد الاقتصادي وتدهور المَعيشة، علاوة على الخنق السياسي وفقدان النزاهة في الانتخابات..

كانت هناك قناعة وإيمان كاملان بموت أغلب الشعوب العربية استسلاماً تحت ضغط القسوة السياسية على مستويات عدة، ولو أن الربيع العربي قد أخذ أكثر من توقع في أعمال أدبية وفنية قبل أن ينفلت جنونه ويصبح حقيقة، ولعلي أذكر على سبيل المثال مسرحية "الفيل يا ملك الزمان" للأديب السوري سعد الله ونوس، والتي تحكي عن ملك جائر يملك فيلا جاء في النص رمزاً للبطش والقمع، يقاسي الناس منه ويعانون ويلات أفعاله.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

    الإبداع عموماً هو رهن الحالة السياسية والاجتماعية والإنسانية للشعوب، والتي يُعوّل فيها على الحضور النفسي للكاتب، ولو أني لا أعتبر الإبداع لعبة، فهو جديّة واتصال مباشر مع الحدث وتناغم مع نتائجه. فإلى حدّ كبير كسب الإبداع العربي فرصته، التي كان يحلم بها قبل عقود من الركود..

هناك إثارة مباشرة، وتحفيز معنوي مصدره الربيع العربي، فقد استعاد بعض الأدباء النفس الثوري الأدبي، وشكلوه شعراً ونثراً، وصدرت أعمال أدبية عالجت وناقشت وحاورت الربيع العربي بشكل قومي صرف. شخصياً أصدرت روايتي الثالثة "طيور العتمة" متأثراً بتلك الأحداث، وقد استللت من شارعها أغلب شخصياتي، ناقلاً العمل بكامله إلى عالم غرائبي آخر، لتتكوّن لدي طبخة سردية أدبية مادتها الربيع العربي.

في المقابل أحجمت أقلام بعض الأدباء العرب دون سبب يذكر، واستمروا في الكتابة الرومانسية والاعتباطية وكأنّ الشارع العربي لا يعنيهم، وهؤلاء مُدانون أدبياً، فلا معنى للأدب ما لم يكن قرين الحدث وطويلاً بطول الجلل.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

    أغلب المبدعين العرب خاضوا الحدث وواكبوه بأعمال فاقت الاحترافية، بل ظهرت أعمال اجترت من بعدها قرائح مبدعين آخرين، وانخرطوا في حشد الإبداع السائر في التفاعل المذهل مع الربيع العربي، فهم كتبوا صادقين، حتى لا يكونوا جزءا من الدمار في حالة خلا أدبهم من الصدق.

وسواء جاء الربيع العربي بسوء أو بعكسه، هو في دولة الأدب ربيع حقيقي لأنّه زرع انفعالاً نفسياً، وأوجد أعمالا أدبية لم تنجبها القريحة العربية منذ عقود قريبة، لسبب بسيط جداً هو أن الخمول الذي خدّر القريحة الأدبية سابقاً أماتته صيحات الثوار وزرعت مكانه حماس الكاتب المتفاعل مع تلك الصيحات.

في الجهة الأخرى هناك مبدعون عرب فاجأونا بمواقف عكس ما عرفناهم عليه من آراء ومواقف ليست ببعيدة، فقد ظهرت ردود سلبية جداً من أدباء وفنانين عملوا بعكس ما كانوا ينادون به قبل الربيع العربي، وآخرون التزموا الصمت الرمادي، وأفسره بأنه صمت الخائف أو اليائس، فالربيع العربي لا يمكن أن يُبرّر الصمت، فأدباء كُثر نالوا في سبيل مبادئهم السجن أو النفي أو القتل أو الحرمان من الحقوق المدنية.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

   بعد أن انطفأت نشوة الربيع العربي في الدول التي أصيبت به، بُليت البلاد العربية بداء النعرات والتناحر، وتفشى سرطان الإرهاب بشكل مرعب، وأُتيحت الفرصة لدول خارجية لتضع يدها في العالم العربي وتتصرف تصرف الشرطي أو الحاكم الإداري.

حالياً يتمنى الكثير لو بقوا على حالهم وأن لا يعيشوا نتائجه، فقد ولدت الحروب الأهلية، واستيقظت الفتنة الطائفية، وتدهور الاستقرار الإقليمي، وتدنّى الاقتصاد، صحيح أن هناك ما يشبه الاستقرار، لكنه كان مؤقتاً، فقد حمل داخله فترات متقاربة من عمليات التفجير.

على أي مدى (متوسط، بعيد..) ترون أن أهداف الربيع العربي (الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية) ستتحقق على أرض الواقع؟
 
   
من المخاض الطويل للربيع العربي، اتضح أن أبعاده تتزاحم في "العدالة الاجتماعية" والتي لا تتجاوز أموراً محدودة تقوم عليها كرامة وحياة الفرد في أي بلد (العمل، والعلاج، والدراسة، والسكن).

والآن هدأت عاصفته مقتلعة كل أبعاده وطموحاته وتركت له الإرهاب والفوضى والخراب والتهجير، لتتسكع هذه الثلاثة في الشارع العربي كسكارى يصرخون على كل من يمر، فلا عدالة اجتماعية تحققت ولا ديمقراطية وضعت، ولكل شيء ثمن، ولكن يبقى الأمل في الله سبحانه ليسود الأمن والاستقرار الحياة العربية.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الإبداع العربي كغير من الفنون، يقف موقف الشاهد على ما يجري، ويجلس مجلس المؤرخ غير الموثوق به غالباً لأسباب معروفة، فدوره لا يتجاوز "التفعالي، التصويري، التحفيزي" وأحياناً نادرة يخرج عنها، لكنه غير مرتبط ارتباطاً مباشراً بالأهداف، وليس بوسعه ذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة