لماذا تحافظ آسيا على هدوئها في العاصفة؟   
الأربعاء 1429/11/1 هـ - الموافق 29/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:40 (مكة المكرمة)، 14:40 (غرينتش)

الهدوء ورباطة الجأش ميزا تعامل الآسيويين مع الأزمة الحالية (الفرنسية-أرشيف)

كتب كيشور محبوباني -عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية- مقالا بصحيفة فايننشال تايمز حاول فيه الإجابة على الأسئلة التالية: ما المغزى الحقيقي للصمت الآسيوي بشأن الأزمة المالية؟ وهل يعني صمتا مفعما بجرعة كبيرة من الشماتة, أم هو مجرد رعب من أن تشهد الاقتصاديات الآسيوية نفس المصير؟ أم يعكس حسابا رصينا ينطلق من كون الهدوء ورباطة الجأش مطلوبين للتصدي لمثل هذه العاصفة؟.

وفي معرض رده على هذه الأسئلة استغرب الكاتب في البداية إغفال الخطاب الغربي شبه التام للرأي الآسيوي، رغم أن طريقة الصين والهند واليابان الهادئة للتعامل مع الأزمة توفر -حسب قوله- أملا في التوصل إلى أسس للاستقرار يمكن الركون إليها في وجه دوامة العاصفة.

واستبعد الكاتب أن تكون هناك شماتة في آسيا, لكنه استدرك قائلا: "رغم أن بعضها له ما يبرره".

وتابع يقول إن صناع القرار الأميركيين والأوروبيين يطبقون الآن سياسات مناقضة تماما لما حثوا صانعي القرار الآسيويين على تطبيقه خلال الأزمة التي شهدتها دولهم ما بين 1197 و1998 من قبيل: "لا تنقذوا المصارف المتعثرة, وارفعوا نسبة الفائدة, واعملوا على موازنة ميزانيتكم".

فلو أن الحكومات الآسيوية طبقت السياسات الغربية الحالية آنذاك لكان وضع ملايين الإندونيسيين والتايلنديين أفضل بكثير مما هم عليه الآن, وهذا ما يعني حسب الكاتب أن "اعتذارا غربيا لآسيا مناسب في الوقت الحاضر".

واستبعد الكاتب أن يكون الآسيويون مذعورين, فقد تعلموا على حد قوله- دروسا قيمة من أزمة 1998: "لا تحرروا السوق المالية بسرعة, ليكن اقتراضكم معتدلا, لا تألوا جهدا في الادخار, اعتنوا بالاقتصاد الحقيقي, استثمروا فيما هو منتج, ركزوا على التعليم".

"
الآسيويون واثقون من أن اقتصادياتهم تواجه العاصفة بهدوء وبرودة أعصاب, والثقة بالمستقبل رصيد كبير في مثل هذه الأوقات
"
وعليه ظل الآسيويون في الوقت الذي كان فيه الأميركيون منشغلين ببناء بيت مالي من ورق, يركزون على الاقتصاد الحقيقي, وهو ما تعكسه نسب النمو في الصين والهند لعام 2008.

وعلى نفس القدر من الأهمية, لم تسلّم العقول الآسيوية أبدا بالاعتقاد الأيديولوجي الغريب بأن السوق أدرى بمصالحها وأن على الحكومات عدم التدخل فيها, بل إن غالبية صانعي السياسة الآسيويين محتارون من مقولة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان "الحكومة ليست الحل بل المشكلة".

وعلى عكس ذلك, ترى كل الحكومات الآسيوية تقريبا أن فضائل "اليد الخفية" في السوق تحتاج لموازنة "اليد الظاهرة" للحكم الرشيد, وقد يمثل تركيز الآسيويين على الحكم الرشيد منفذا حقيقيا للتصدي للعاصفة, حسب الكاتب, وقد كان الآسيويون في السابق ينظرون إلى نظرائهم الغربيين بوصفهم القدوة في الحكم الرشيد, لكن ذلك قد تغير الآن.

وكمثال على هذا التغير أورد الكاتب قصة مصرفي أوروبي قال إنه استشار مصرف الاحتياطي الهندي في كيفية الحصول على رخصة بنكية في الهند, فما كان من الموظف الهندي إلا أن بدأ بإعطائه نبذة عن الشروط الخاصة بذلك, الأمر الذي سخر منه الأوروبي مما حدا بالمصرفي الهندي لأن يقول له: بعد القروض الأميركية العالية المخاطر لم نعد نثق في طرق التنظيم المالي الأميركية، ولم نعد نثق في الطرق البريطانية بعد انهيار نورثرن روك، ولا الفرنسية بعد قضية سوسياتي جنرال، ولا السويسرية بعد صعوبات يو بي أس.

الكاتب قال إن تعليق هذا الموظف يعكس قلقا آسيويا من أن يلجا الأوروبيون والأميركيون, مهد النظام المالي الليبرالي، إلى مزيد من الحمائية الاقتصادية, كما أن الأسواق الآسيوية تدرك أنها المستفيد الأكبر من العولمة وأن عليها أن تضطلع بمسؤوليتها في استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

وختم بقوله إنه لم يفقد من الآسيويين الأمل في المستقبل إلا القليل, وهذا هو الخبر السار في هذه المسألة, إذ ليس لديهم أي وهم حول الأزمة لكنهم واثقون من أنهم على الخط الصحيح لدخول العصر الآسيوي, وهذا ما يجعل الاقتصاديات الآسيوية تواجه العاصفة بهدوء وبرودة أعصاب, فالثقة بالمستقبل رصيد كبير في مثل هذه الأوقات، على حد تعبيره.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة