معارض الكتاب وهواجس السياسة   
الأربعاء 1437/5/17 هـ - الموافق 24/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:30 (مكة المكرمة)، 10:30 (غرينتش)

ناصر يحيى

على الرغم من أن معارض الكتاب -في كثير من بلدان العالم- مجرد نشاط ثقافي وتجاري، فإن بعض معارض الكتاب العربية تحولت إلى ساحة صراع سياسي وفكري حاد، ولا يكاد يخلو واحد منها من منغصات السياسة، والمنع، والمصادرة، كما حدث الأسابيع الماضية في معرض الكتاب في مصر، وكما يحدث سنويا في معرض الكتاب في اليمن.       

لا تفسير مقنعا لمثل هذا الأمر إلا أن هوية أي مجتمع، أو محيط جغرافي، لها بعد ثقافي مهم، ولأن الصراع ما يزال ساخنا حول الهوية الجامعة في المحيط العربي؛ فقد كان طبيعيا أن ينعكس الخلاف حول الهوية في مجال الثقافة، وتكون معارض الكتاب إحدى ساحات هذا الخلاف.

ويبدو أن مشاكل التجمعات الثقافية العربية هي سنة من أيام أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز قبل الإسلام، فحتى كلمة "عكاظ" ذاتها تعني أن رواد السوق كانوا يتعاكظون أي يتفاخرون ويتناشدون ويتناقرون، وكانت المناقرة بينهم إحدى الفعاليات المشهودة، وبسبب ذلك التفاخر والتنافر بين القبائل العربية نشأت حروب طاحنة، أبرزها حرب الفجار.

عديدة هي مظاهر التنافس الثقافي في معارض الكتاب، والتي تكاد تحولها إلى ساحة معارك بين التيارات السياسية والفكرية (للدقة بين الإسلاميين والعلمانيين)، ويمكن ملاحظة جانب من هذا التنافس في الأنشطة الثقافية المصاحبة لمعارض الكتاب، فقد عرفت مناظرات شهيرة بين دعاة الحل الإسلامي والحل العلماني، وكان أبرزها المناظرة الشهيرة (يناير/كانون الثاني 1992) التي شارك فيها رموز هذين التيارين: الشيخ محمد الغزالي والمستشار مأمون الهضيبي ومحمد عمارة من جهة، وفرج فودة ومحمد أحمد خلف الله من جهة أخرى.

محمد عمارة استبعد من معرض القاهرة 2015 بسبب معارضته للانقلاب العسكري (الجزيرة)

جاءت تلك المناظرة (تبعتها اثنتان في الإسكندرية ونقابة الأطباء المصريين) في إطار التجاذبات بين الإسلاميين والعلمانيين إثر الصدام المسلح بين النظام والجهاديين في مصر، وعلى الحاجة العقلية لمثل هذه المناظرات، إلا أنها لم تشكل تقليدا مستمرا، وغلبت مقتضيات الحل الأمني على فكرة الحوار، وكان طبيعيا هذا النكوص، فلم يكن للمناظرات أن تؤتي أكلها في ظل سلطة لا تؤمن بالحوار.

الحرب على الإرهاب والتطرف كانت أيضا موضوعا مفضلا في معارض الكتاب، في إطار الحملة الإعلامية والفكرية، ووجدت بعض السلطات العربية أن ذلك يمكن أن يساعدها في مواجهة أعمال العنف من بعض الجماعات الإسلامية، وبعضها وجدتها فرصة لتصفية ثاراته مع كل الإسلاميين.

إقصاء وتقريب
وفي كل الأحوال، كان صبر الأنظمة ينفد سريعا على مثل هذه المناظرات والمحاضرات كلما ظهرت آراء منتقدة لسياساتها، وكان الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل (الذي توفي مؤخرا ) أحد ضحايا هذا النهج، وتم استبعاده ضيقا بآرائه منذ 1993.

وفي معرض 2015 استبعد معرض الكتاب محمد عمارة من المشاركة في فعاليات ثقافية خاصة بالشيخ محمد عبده، وعمارة هو أبرز متخصص في تحقيق ودراسة تراث الشيخ الأستاذ، لكن الدوافع السياسية كانت حاكمة هنا، فمحمد عمارة رفض تأييد الانقلاب العسكري، وكان لا بد من إقصائه.

أما في معرض 2016، فقد كانت حالة العداء للكتاب الإسلامي سياسة معلنة وبفجاجة، وأطلق وزير الثقافة المصري حلمي نمنم مجموعة تصريحات تؤكد الروح المكارثية التي يدير بها الشأن الثقافي في بلده، ولم يتردد أن يعلن مستبشرا أن معرض الكتاب خال من كتب تضم أفكار جماعة الإخوان المسلمين أو الموالين لهم.

والغريب أنه في مقابل هذه الحماسة لمنع الكتاب الإخواني، فقد شهد المعرض المصري توزيع ترجمة عربية لكتاب "ألف ليلة دوت كوم" للكاتب الإسرائيلي جاكي حوجي. ولا غرابة في الأمر إلا أن الكتاب حظي بدعم وزير الثقافة المصري نفسه، ودافع عنه بدعوى عدم فرض حصار على المعلومات، كما رحب ببيع كتب المذهب الشيعي بحجة أنه مذهب إسلامي.

الكتاب المحرم
نوعية الكتب الأكثر مبيعا في معارض الكتاب أحد مظاهر التنافس الفكري، ومن نافلة القول إن الكتاب الإسلامي -بنوعيه التراثي والمعاصر- ظل يحتل المرتبة الأولى دون منازع، وهي حقيقة بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، وترسخت مع انتشار نفوذ الصحوة الإسلامية، خاصة في الجامعات وأوساط الشباب.

محمد حسنين هيكل دفع ثمن حضور السياسة في معارض الكتاب (الجزيرة)

غلبة الكتاب الإسلامي تثير عادة ضيقا شديدا عند خصوم التيار الإسلامي، ولم تسلم من ذلك كتب أساسية في المرجعية الإسلامية مثل صحيح الإمام البخاري، ووصل الأمر إلى حظر مؤلفات الشيخ يوسف القرضاوي وسيد قطب.

ولأن الإقبال على الكتاب الإسلامي جارف وتلقائي، وصار أبرز عنوان لمعارض الكتاب، فقد ابتكر هؤلاء الخصوم -اليمن أنموذجا- حججا للتقليل من شأن هذه الظاهرة، مثل الزعم أنها تعكس حالة تدهور فكري عام، ويصل الشطط في النقد إلى مستوى مؤسف عندما يتهم الكتاب الإسلامي بأنه يروج للأوهام بالحديث عن الجنة والنار واليوم الآخر، وأنه رائج لأنه يقدم إجابات جاهزة لكل مشكلة.

ولما لم تنفع كل تلك الحجج؛ انتقل التحريض إلى وصف الكتاب الإسلامي -دون تمييز- بأنه ترويج للفكر الوهابي والسلفية المسؤولة عن حوادث العنف، وظهور منظمات إرهابية مثل القاعدة وداعش (تنظيم الدولة الإسلامية).

الاتهامات الجزافية طالت أيضا إدارات معرض الكتاب في اليمن، رغم أنها غالبا تنتمي لليسار القومي أو الماركسي، والحجة أن الكتب الإسلامية تنشر فكر الخرافة، والشعوذة على حساب الفكر العلمي.

والثابت أن كتب العلوم والفلسفة غير ممنوعة، وتتجاور في المعرض كتب ابن تيمية والقرضاوي وسيد قطب مع كتب ماركس وفرج فودة ونوال السعداوي، وتتجاور دور نشر الفكر العلماني واليساري والقومي جنبا إلى جنب مع دور الفكر الإسلامي.

مشاكل الصراع غير الصحي في معارض الكتاب العربية، ومدافعات التيارات الفكرية والسياسية والثقافية في ما بينها ستظل قائمة، فهي خلاف حول جوهر الهوية العربية الإسلامية، وفي كل ذلك معنى واحد وهو أن المجتمع العربي ما يزال بعيدا عن مرحلة الاستقرار، والبناء الحضاري، ومن ثم الانطلاق في فضاء التقدم، واللحاق بالأمم الأخرى؛ طالما أن النخبة لا تؤمن بالآخر، ولا مانع لديها من الحجر عليه وقتله إن لزم الأمر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة