اااا   
الخميس 1422/3/30 هـ - الموافق 21/6/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

بقلم كمال الهلباوي

نتناول في هذا المقال، العلاقات الأوروبية الأميركية في ضوء زيارة الرئيس الأميركي بوش الابن الحديثة لأوروبا، إذ أن المقام لا يتسع للموضوع على إطلاقه. بعد أن استقر الأمر للرئيس بوش في أميركا، ودخل البيت الأبيض وأعاد إدارته إلى الجمهوريين مرة أخرى في يناير2001، ذكرت المصادر الدبلوماسية الأميركية أن بوش يدرس القيام برحلة إلى أوروبا لبناء جسوره فيها، واعتبرها المحللون أنها زيارة مهمة جداً لرئيس أميركي جديد خبراته المباشرة قليلة جدا مع أوروبا، وقد تأخرت الزيارة إلى موعد القمة الأوروبية الأميركية في السويد في شهر يونيو الحالي. وقد كانت الزيارة الحالية فعلا بمثابة تمرين واكتساب خبرات للرئيس الأميركي الجديد، ولكنها وضعت لبنة أخرى في هرم تلك العلاقات ، وبدا توازن المصالح واضحاً، إذ كثرت الاختلافات، وخرج الشارع السويدي ليعبر عن الغضب الاوروبى الشعبي، إذ أن الغضب الرسمي الأوروبي جاء على استحياء.

لقد جاء بوش إلى أوروبا في قطار يتوقف في ثلاث محطات جغرافية أساسيه، هي أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية وروسيا، ويحمل حقائب نوعية لكل محطة منها. هذا كله فضلاً عن الحلم الأميركي الذي لا يغادر خيال كل رئيس أميركي، ألا وهو قيادة العالم منفرداً بها، والتخطيط لمستقبل العالم بالتعاون مع الآخرين على ألا يتقدم أي من الآخرين لتوجيه عجلة القيادة ، بل إن الأميركان يسعون "لعمل أي شيء لإظهار أن القوة العظمى لا يمكن أن تتعرض للتقليل من شانها دون انتقام" كما جاء في ورقة الاستراتيجية الكبرى عن السياسية الأميركية للدكتور رو برت كرين، الذي كان مستشارًا للرئيس الأميركي نيكسون -في المدة من 1963-1968

أولاً: أسس إستراتيجية للعلاقات الأوروبية الأميركية:

تحكم العلاقات الأوروبية الأميركية مجموعة من الأسس الإستراتيجية التي تضبط بدورها حركة التوازنات بين الطرفين في القوة والمصالح والمواقف والتحالفات والأزمات، ومن هذه الأسس:

1- الشراكة التاريخية والروابط القوية بين الشعوب الغربية.

2- منظومة القيم التي يتبناها الغرب وفى مقدمتها: حقوق الإنسان، والحريات الشخصية، والحريات الاقتصادية والسياسية الخ، والنظام الديموقراطي بأشكاله العديدة.

3- المصالح المشتركة وأحياناً تكون هذه المصالح غير مشتركة، وتكون متعارضة مثل العمل الأميركي على تقويض الوجود البريطاني أو الفرنسي في الشرق الأوسط، أو في أفريقيا.

4- وضع الأسس اللازمة لضبط حركة المجتمع الدولي بعد كل دورة تاريخية جديدة مثل: تعزيز السلام العالمي، والتعاون المشترك لمواجهة التحديات الجديدة التي تواجه الغرب أو حتى ما يتصوره الغرب من تحديات كالإرهاب والتطرف والأفكار والأيدولوجيات المناهضة كمجموعات الإسلام السياسي.

ثانياً:جولة الرئيس بوش في أوروبا:

كانت جولة الرئيس بوش في أوروبا، مثيرة للجدل وبخاصة حول مخططات أميركا بشأن الدفاع الصاروخي، وكذلك إنقاذ البيئة وحمايتها، ومعالجة أمر المناخ والتسخين الجوى الجديد. وقد شعر بعض المحللين والنقاد في أوروبا بأن بوش يحتقر محاولات العالم في هذا الصدد. ويرى كثير من الأوروبيين أن أوروبا ينبغي أن تظل متماسكة ومتحدة حول مشروعاتها بل ويطالب بعضهم أوروبا بالتوجه إلى روسيا و اليابان للتوقيع على معاهدة كايوتو بدلا من انتظار محاولات أميركا لإجهاض هذه الاتفاقية، وفي ذلك محاولة لشراكة جديدة والتخلص من الضغط الأميركي.

وقد أثارت جولة الرئيس بوش مجموعة من الأسئلة في الشارع حول دور الناتو بعد توسعة الاتحاد الأوروبي، ودور الأمم المتحدة ودور منظمة الأمن والسلام الأوروبيين.

وخرج الناس في السويد في مظاهرات غير حضارية مشحونة بالغضب، ولكنها تعبر عن كراهية بعض الناس للمواقف الأميركية وشعورهم بالمهانة-وهم أولاد الغرب- على أيدي بوش، ولذلك رفعوا مجموعة من الشعارات واللافتات منها:

( عد إلى بلادك يا يانكىgo home- Yankee ) ومنها (الملايين سيعانون من نتائج مناخ غير مستقر) ومنها (إذا كانت أميركا لا تريد التوقيع، فلعلها لا تحضر محادثات ألمانيا في يوليو) وهذه الشعارات تعكس نفسية الشعوب الأوروبية وخوفها من الغول الأميركي الذي يمكن أن يبتلع كل شئ في سبيل مصلحته. وتذكرنا هذه المظاهرات بمظاهرات سياتل، وبراغ ونيس. ورغم ذلك فقد تم الاحتفاء به في بولندا باعتباره القائد الجديد للعالم الحر.

ثالثاً: الاعتراضات الأوروبية على السياسة الأميركية:

الاعتراضات الأوروبية الرسمية على السياسة الأميركية اعتراضات مهذبة وخجولة خشية انفراط العقد الأوروبي قبل اكتماله، ومن أهمها:

1. الإصرار الأميركي على توسعة الناتو:

وفى ذلك تتحسب فرنسا وألمانيا من تشجيع دول البلطيق على الانضمام للناتو خشية إزعاج روسيا بعد توسعة الناتو في الجولة السابقة سنة 1999، وكذلك بعد أن قام الناتو بإعلان الحرب ضد صربيا سنة 1999. أما في أوروبا الشرقية فإن التردد مصدره الخوف من إمكانية توصل روسيا وأميركا إلى صفقة مصالح تخفف روسيا بموجبها من معارضتها لنظام درع الدفاع الصاروخي، في مقابل أن تغلق أميركا باب الناتو في وجه دول البلطيق الثلاث جورجيا ولاتفيا وليتوانيا. ولكن الرئيس الأميركي في الوقت ذاته أعلن عن التزامه وسعيه بأن يستوعب الناتو أكبر عدد ممكن من دول أوروبا الشرقية بحيث يضم الناتو كل الراغبين والملائمين للدخول في عضويته. ومما هو جدير بالذكر أن هناك 12 دولة في شرق وجنوب أوروبا شغوفة بالانضمام للناتو.

2. مسألة المناخ والتسخين:

هذه المسالة من أكثر المسائل المعقدة على جدول أعمال القمة، والخلاف قائم بين أوروبا وأميركا حول التوقيع على اتفاقية (بروتوكول كايوتو)، وموقف الجانبين معروف مسبقاً ومنذ أمد. والاتحاد الأوروبي ينتقد بحدة موقف أميركا والقرار الأميركي بشأن عدم التصديق على هذا البروتوكول، وهو اتفاق جرت مناقشته عشر سنوات. ولقد تعهدت أوروبا برغم ذلك الموقف الأميركي بمواصلة السعي تجاه التصديق على البروتوكول في العام القادم. وقد أعلنت الولايات المتحدة إنها لا تستطيع أن تلتزم باتفاقية تدمر الاقتصاد الأميركي رغم اعتراف الرئيس الأميركي بوش بأن الولايات المتحدة الأميركية وعدد سكانها يمثل نسبة 4% من إجمالي السكان في العالم يفرز 20% من غازات البيت الأخضر، ورغم ذلك يصر على أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدراسة. ولعل هذا الموقف الأميركي يعكس أيضاً الضغوط الداخلية في أميركا من أصحاب المصالح مثل منتجي النفط والفحم ومصنعيه. ويقول بوش: إن رفاهية الأرض والاهتمام بها أمر مهم لأميركا كذلك، ويتعجب الرئيس الأميركي من أن إعفاء الصين والهند من التوقيع على اتفاقية كايوتو وهما من بين أكبر المفرزين لتلك الغازات، وتخشى أوروبا أن ينفرط العقد الأوروبي قبل التوقيع على هذه الاتفاقية التي تحتاج إلى إجماع أوروبي. ولم توقع أي دولة على الاتفاقية بعد. ويرى المحللون أن هذا البروتوكول على حافة السكين الأميركية خشية أن تتخلى عنه دولة واحدة. وربما تستطيع أوروبا إقناع روسيا واليابان بالتوقيع على الاتفاقية وهو مطلب شعبي أوروبي، وأقصى ما يمكن إحرازه هنا هو إنشاء مجموعة من الخبراء لمواصلة الحوار والنقاش في مسألة المناخ بطريقة بناءة ومرنة. والذي يتابع ما دار من حديث وحوار يجد أنه كان مفتوحاً وصريحاً، ورغم الرفض الأميركي للتوقيع على البروتوكول إلا أن أميركا ستشارك في البرامج القادمة وتسعى إلى تعزيز التعاون في مجال العلوم والبحوث المتعلقة بالمناخ لعل ذلك يساهم بفاعلية في حماية البيئة. وقد يتضح من ذلك أن أميركا لا تريد أن تخرج ولو قليلاً عن الأجندة التي وضعتها بنفسها لنفسها لقيادة العالم وقد تضن على الآخرين حتى بالتفكير والاقتراح.

3. الدرع الصاروخي:

تتحفظ معظم الدول الأوروبية بشأن التزام الرئيس بوش القوى لبناء درع صاروخي جديد باهظ التكاليف. وتخشى الدول الأوروبية من بناء هذا النظام إذ قد يؤجج سباق تسلح عالمي جديد. ولكن الرئيس بوش الابن يعتقد أن أميركا والعالم الحر قد يتعرضون للتهديدات من الدول الحمراء مثل كوريا الشمالية. ويرى الرئيس الأميركي أن اتفاقية الصواريخ ضد الباليستية أصبحت بالية وقديمة من منظور الحرب الباردة، وإنها لا ينبغي أن تحول دون التطوير المعقول لأنظمة تجعل العالم أكثر أمناً. ويشعر الرئيس الأميركي بضرورة تحديث نظام الأمن العالمي حتى بعد نهاية الحرب الباردة.

4. قوات الرد السريع الأوروبية

يشعر مخططو الدفاع الأميركان بالانزعاج والقلق من إنشاء قوات رد سريع أوروبية لها مقدرتها التخطيطية كما يريدها الفرنسيون. ويرى الأميركان أن هذه القوة الأوروبية المستقلة-جيش اليورو- يمكن أن تكون منافسة لحلف الناتو، ولذلك فإن الرئيس الأميركي بوش قال يوم 11 يونيو 2001 "نحن ندعم المبدأ أو المفهوم طالما أنه لا يقلل من شأن حلف الناتو وطالما أن هناك مصادر إضافية للتأكد من أن ذلك البرنامج إضافة ذات قيمة لهذا الأمر "

ولقد ناقشت القمة الأوروبية الأميركية عدة موضوعات أخرى، وتوصلت فيها إلى نتائج مشتركة تنسجم مع إستراتيجيات الطرفين، ومن هذه الموضوعات:-

1- مشكلة الشرق الأوسط :

وشملت المناقشات: التطورات القائمة في فلسطين المحتلة، ودعم لجنة تقصى الحقائق في شرم الشيخ، وحث الجانبين –الفلسطيني والإسرائيلي-على تنفيذ توصيات ومقترحات ميتشل، وتوصيات وخطة جورج تينيت - مدير المخابرات المركزية الأميركية- ووقف العنف، ثم الانتقال إلى مرحلة بناء الثقة بين الجانبين، مع استئناف المفاوضات ومحادثات – السلام – كما يراه الغرب. ولا يرى المؤتمر بديلاً لحل يعتمد على بعض قرارات الأمم المتحدة، ومبدأ الأرض مقابل السلام. وهذا الحل لهذه المشكلة الدقيقة يقوم على المرئيات الأميركية أساساً، وهى مبنية على مرئيات الإسرائيليين المحتلين لفلسطين. و يسعى هذا الحل إلى تطبيع وجود إسرائيل في المنطقة وقبولها. كما يسعى إلى وقف عجلة الجهاد والاستشهاد في فلسطين بأي ثمن وإدانة الجهود التي ترمي إلى تحرير الأرض المحتلة بالقوة وهو مخالف لجميع الأعراف والشرائع.

والواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية يؤكد أنه لا يمكن أن يكون ذلك هو الحل المناسب فضلا عن أن الأمم المتحدة أصبحت مشجباً تعلق عليه أميركا بعض مرئياتها إلى حين. ثم إن قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين ليست ملزمة للطرف الإسرائيلي، فحق الفيتو الأميركي مرفوع بشأن هذه القضية شأنها شأن العلم الأميركي فوق الأمم المتحدة. ولا ننسى في هذا الصدد أن بوش الابن يصعب عليه أن يخرج من دائرة بوش الأب – الذي لا يزال على قيد الحياة – والذي استطاع سنة 1991 أن يلغي قرار الأمم المتحدة سنة 1975 بشأن الصهيونية واعتبارها حركة صهيونية. وما صدر عن مؤتمر القمة الأوروبية الأميركية هو أول بيان مشترك جديد بينهم يؤكد الاتفاق الكامل على السياسة الغربية بين الطرفين تجاه مشكلة فلسطين .

2- أزمة البلقان:

يؤكد الإعلان الصادر عن المؤتمر تنسيق الجهود بين الجانبين وصولاً إلى حل للأزمة الحالية، كما يدعو المؤتمر حكومات المنطقة للتعاون مع محكمة لاهاي وإحضار مجرمي الحرب للعدالة. ويرى المؤتمر أن منطقة غرب البلقان مثال حي واضح شاهد على إيجابيات العمل الأوروبي الأميركي المشترك، وقد تعهد الرئيس الأميركي بوش باستمرار الالتزام الأميركي للعمل من أجل السلام والاستقرار في منطقة غرب البلقان. وقد عمد المؤتمر إلى تشجيع دول المنطقة على طريق تعزيز التوجه الديموقراطي وحماية الأقليات، وتطبيق حكم القانون، واحترام الحدود الدولية، وعدم اختراقها، والتسامح الإقليمي، وتشجيع خطوات الإصلاح السياسي والاقتصادي، والسعى إلى التوجيه الاقتصادي طويل المدى ممثلاً في تشجيع استثمارات القطاع الخاص في المنطقة. كما رحب المؤتمر بالتطورات الجديدة في يوغوسلافيا الاتحادية مع الالتزام باتفاقية دايتون (Dayton) الأميركية لبناء سلام دائم في البوسنة وحث شعب البوسنة على إدانة استخدام العنف وعزل المتطرفين. كما رحب المؤتمر ببلورة إطار للعمل الدستوري في كوسوفو والسعي لبناء مجتمع ديموقراطي سليم متعدد الأجناس. ويرى المؤتمر ضرورة تنسيق الجهود لتنمية وتعزيز حل سياسي للأزمة الراهنة في مقدونيا ودعم حوار الإصلاح السياسي. كما يركز المؤتمر على ضرورة التعاون المشترك لمنع التطرف و المتطرفين من الاستخفاف بالعملية الديموقراطية والتركيز على ضرورة بلورة حلول سياسية لا عسكرية. وقد لا يختلف القارئ مع المؤتمر في كثير مما جاء في هذا الباب من مقترحات، ولكن بالتأكيد يرى معاملة مزدوجة إذا قورن ذلك مع الموقف الأوروبي والأميركي من قضايا دول أخرى خارج أوروبا ترتبط بعلاقات قوية مع أوروبا وأميركا رغم كونها محكومة بأنظمة ديكتاتورية قمعية تصادر الحريات وتنتهك حقوق الإنسان.

3- التعامل مع كوريا الشمالية

أكد المؤتمر على دعم سياسات رئيس كوريا الجنوبية كيم داى جانج من أجل السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية. وكان قد سبق انعقاد المؤتمر زيارة قام بها وفد غربي رفيع المستوي إلى الكوريتين. ولا ينسى المؤتمر أن يؤكد على عدم انتشار الأسلحة النووية، واحترام حقوق الإنسان، وضرورة التفتيش، واختيار الصواريخ. وقد قررت أميركا الدخول في مناقشات جادة مع كوريا الشمالية ورحبت أوروبا بذلك.

4-الموقف من روسيا

يقدر المؤتمر التقدم الذي حدث في روسيا منذ 1991(فترة بوش الأب )، وأهمية ذلك لأوروبا والمجتمع عبر الأطلسي، وهي إشارة إلى تقارب المجتمع الغربي في أوروبا وأميركا واتفاقهما على قيادة العالم، وهنا يضع المؤتمر بعض اللمسات الضرورية حتى تتحول روسيا إلى دولة ديموقراطية، بحيث تزداد فيها الأسواق الحرة، وتتمتع بعلاقات بناءة مع جيرانها وعلاقات وثيقة مع المجتمع الأطلسي، وقد شعر المؤتمر بالقلق (وهى كلمة مهذبة في هذا الموقف) حول التطورات الأخيرة في روسيا بشأن الإعلام. ويرى المؤتمر أن يبقى الإعلام في روسيا حراً مستقلا بعيداً عن التداخل الرسمي. وقد تذكر المؤتمر أن يدعو روسيا إلى السعي العاجل الفعال لتسوية سياسية لقضية الشيشان. هذا رغم الغضب الأميركي البالغ من التعاون الروسي الإيراني مما حدا بالرئيس الأميركي أن يشير إلى قلقه من خطر انتشار الأسلحة النووية على الحدود الجنوبية لروسيا، ويعني بذلك إيران، وقد ركزت الواشنطن بوست على أن موسكو زودت طهران بالمواد اللازمة لتصنيع قنبلة نووية. ومن المتوقع في هذا الصدد أيضاً أن تقدم أميركا إلى روسيا بعض المساعدات وأن تسعى لشراء نظم روسية ضد الصواريخ والطائرات وذلك للاستفادة منها في برنامج درع الصواريخ. وقد يؤدي هذا إلى إضعاف معارضة موسكو لهذا البرنامج الباهظ التكاليف.

5-منطقة جنوب القوقاز

دعا المؤتمر إلى تكثيف الحوار السياسي بشأن هذه المنطقة والعمل على الاستقرار فيها، لأنها مصلحة مشتركة للجميع، ودعا المؤتمر إلى الالتزام بسيادة جورجيا واستقلالها وانتقالها إلى الديموقراطية واقتصاد السوق الحر، وقد حث المؤتمر أطراف الصراع القائم بشأن ناغورنو-كراباغ لمواصلة جهودهم وصولا إلى تسوية سلمية.

رابعاً: مستقبل العلاقات الأوروبية الأميركية:

لايزال مستقبل العلاقات الأوروبية الأميركية في دور البناء والتطوير في ظل النظام العالمي الجديد، ويحرص الطرفان الأوروبي والأميركي على تحقيق الانسجام في علاقاتهما على أسس إستراتيجية منسجمة قد تعترف بالتنافس في تحقيق المصالح الوطنية ومناطق النفوذ ولكنها لا تسمح مطلقاً بالصدام مهما بلغ الخلاف في المواقف ووجهات النظر ومهما تعارضت المصالح، وذلك في المرحلة التاريخية الراهنة على الأقل.

وانطلاقاً من ذلك يقوم الطرفان بوضع الأسس والمبادئ والآليات التي تعزز الانسجام والتقارب وتحافظ على مستوى توازن المصالح بينهما، ويمكننا الوقوف في هذا السياق على ما يأتي:

1- تقوية حوار المجتمع المدني عبر الأطلسي: مما يفيد الشراكة بينهما كثيراً في مواجهة تحديات المستقبل، ويجعل المجتمع المدني عبر الأطلسي مجتمعا غربيا موحداً في توجهاته ونظراته للأوضاع مهما تباينت ثقافته ولغاته وأعرافه. فهو مجتمع علماني يسعى لتثبيت الديموقراطية، و ينزع إلى اقتصاد السوق الحر، ويقدر الحريات في مجتمعه أو المجتمعات التي ستنضم إليه كأعضاء في مؤسساته (بالمشاركة أو الإسهام الفاعل) في أي صورة من الصور المقبولة غربيا. ومن هذه الحوارات،حوار المشرعين (الأجهزة التشريعية)عبر الأطلسي، وفي مقدمتها البرلمان الأوروبي مع الكونجرس الأميركي. كما أن هذا الحوار يقوي العلاقة ما بين الشعوب ويقرب وجهات النظر فيها، مما يشعر الحكومات بمزيد من الثقة والاستقرار والتقارب.

2- تعزيز أمن المجتمع الأطلسي: إن الإسهام الأوروبي الأميركي المشترك يعتبر أعمدة أساسية تحمي هذا المجتمع وتعزز الأمن فيه. وهذا التعزيز يسري على الأمور التي لا يشترك فيها الناتو. وفي تقديرنا أن هذه الشراكة الأوروبية الأميركية هي التي تفكر للناتو وتوجهه، وتوجه أي مؤسسة أوسع نطاقاً لخدمة الغرب.

3- السعي الأوروبي لتحقيق مقدرة عالية لإدارة الأزمات مدنياً وعسكرياً:مما يعزز قدرة الاتحاد الأوروبي على الإسهام في السلام والأمن العالمي وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة. وهنا أيضاً يجب أن ندرك أن الأمم المتحدة إطار عالمي عام لتمرير ما يراه الغرب ضرورياً وتبني ما يتبناه الغرب، فأزمة اليونسكو على سبيل المثال في الثمانينيات مثال واضح على ذلك، والتهديد الأميركي بالانسحاب من اليونسكو يفشل هذه المؤسسات، وفلسطين المحتلة مثال ثان والبوسنة والهرسك مثال ثالث وهكذا دواليك.

4- السعي الأميركي للتفوق من خلال برنامج الردع الصاروخي، إن محاولة إقناع أوروبا به رغم تكاليفه الباهظة يجعل الغرب أكثر قوة واستعداداً في الردع وأقدر على إدارة واحتواء الأزمات. وهذا أيضاً- يقلل كثيراً -حتى يكاد يلغي دور المنظمات الدولية ويجعلها عاجزة عن أداء دورها الذي أنيط بها.

5- التعرف على الأولويات العاجلة للاستجابة لها في الوقت المناسب:

ومنها تحديات الأمن والاستقرار والحيلولة دون الصراع (إلا طبعاً ما أراده الغرب)، وإدارة واحتواء الأزمات، وخصوصاً تلك التي تؤثر على المصالح الغربية من النفط والمواقع الإستراتيجية و المواد الخام اللازمة للغرب، مثل أزمة الكويت.

6- محاربة الإرهاب وإيقاف العنف والعمل على تحقيق الأمن والاستقرار الدوليين:

ونظراً لتعدد مستويات هذا المبدأ وتشابك أطرافه وتوازنات المصالح والقوى المرتبطة به، فقد أوقع أوروبا وأميركا في مأزق المعايير المزدوجة في التعامل مع القضايا المختلفة، بحيث تدور مع دائما مع المصالح الاستراتيجية لهما، وقد بدا ذلك واضحاً في التعامل مع الكثير من القضايا، مثل احتلال فلسطين واحتلال الكويت، والموقف من العقوبات المفروضة على العراق، والموقف من الحركات الانفصالية والحركات الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويتبع ذلك بطبيعة الحال المرونة في الاستجابة للأحداث غير المنظورة، ومنها ابتكار الحلول للصراعات والأزمات مثل اتفاقية دايتون (Dayton) بشأن البوسنة، وكذلك أزمة الكويت.

7- الحد من الانتشار النووي: سعى المؤتمر من خلال الشراكة إلى الحد من الانتشار النووي وبخاصة في العالم الثالث، إذ أن العالم الثالث غير مؤتمن على الحضارة ولا التقدم ولا تملك التقنيات اللازمة و لكنه-أي الغرب-لا يجد غضاضة كبيرة في تملك إسرائيل تلك الأسلحة أو كوريا الجنوبية…إلخ.

8- تشجيع نظام التجارة العالمي والاتفاقيات المنظمة لهذا الأمر: ولكن هذا جزء من نظرية العولمة وليس العالمية، فالعولمة تسعى إلى تسخير ما يمكن تسخيره لخدمة النظام الغربي واستقراره مالياً واقتصاديا. أما العالمية فهي الإيمان والاعتقاد بالمساواة بين البشر وحب الخير وتنفيذه للجميع دون استثناء.

9- بعض الأسس الاستراتيجية تتعلق ببرامج إنسانية مهمة ومنها: محاربة الفقر في العالم ومحاربة الأمراض وخصوصاً الإيدز والملاريا والسل… الخ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة