الفوضى التي تعيشها سوريا تهدد لبنان   
الخميس 28/9/1433 هـ - الموافق 16/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:57 (مكة المكرمة)، 8:57 (غرينتش)
لبنانيون يحرقون إطارات ويقطعون الطريق المؤدية لمطار بيروت الدولي احتجاجا على اختطاف ذويهم في سوريا (الفرنسية)
كتب ديفد هيرست في مستهل مقاله بصحيفة غارديان أن سوريا ربما أصبحت الساحة الرئيسية لحرب بالوكالة في الشرق الأوسط، لكن التهديد الواقع على اللبنانيين لا يقل حقيقة.

وقال إن لبنان الصغير، من بين كل الدول العربية، كان دائما الأكثر تعرضا لنفوذ الدول الأكبر منه. وبعد أن كان ملعبا للعرب بالماضي أصبح الآن ساحة قتال واصلوا فيها صراعاتهم السياسية والإستراتيجية التي تصاعدت أحيانا إلى حروب بالوكالة. وبهذا المعيار كان ينبغي للبنان أن يكون من بين أكثر المتأثرين بالربيع العربي. لكنه كان الأقل، في الغالب لأنه لم يحكمه طاغية مستبد ولم تكن هناك سلطة مهيمنة يثور ضدها. فقد كان هناك ديمقراطية من نوعية رديئة والديمقراطية العربية الوحيدة بالمنطقة.

لكن الآن، بعد 18 شهرا، ما من بلد يتطلع بخوف أكبر إلى الفوضى المحيطة به. والمثل الأعلى -الحرية والديمقراطية النيابية- الذي ألهم العرب للانتفاض ضد حكامهم في كل مكان آخر تقريبا، شيء. لكن عملية تحقيقه يمكن أن تكون شيئا آخر. فقد سار الأمر كأحسن ما يمكن أن يكون متوقعا في دول قومية ناضجة ومتجانسة تاريخيا مثل تونس ومصر وفي النهاية ليبيا المتغايرة قبليا. لكن في سوريا -والفضل في ذلك يرجع في النهاية إلى تصنع هذه الدولة التي تشكلت استعماريا، أي الانقسام المجتمعي وطبيعة النظام الدكتاتوري الذي أفرزته- سارت العملية بانحراف كارثي. فقد أزاحت الصراع الأساسي من أجل الديمقراطية وحرفته عوامل أخرى: عرقية وطائفية وعلمانية في مقابل دينية وإقليمية وجغرافية سياسية.

وقال الكاتب إن الحرب الأهلية التي نشبت في سوريا تشبه إلى حد كبير محنة لبنان قبل 15 عاما. فهي تهدد، مثل تلك، بتمزيق البلد إلى أشلاء كثيرة. لكن سوريا لكونها قلب المشرق العربي العاطفي والإستراتيجي فهذه الحرب تهدد أيضا بأن تمتد إلى الدول العربية المجاورة لها التي كانت في الماضي جزء لا يتجزأ من كيان سياسي واحد يدعى سوريا الكبرى. وهذا التمدد أكثر احتمالا إذا تولت سوريا القيام بالدور الذي اعتاد لبنان أن يقوم به: كساحة القتال لحرب إقليمية ودولية بالوكالة التي ستشكل مصير منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فهي في الأساس تحرض النظام السوري، مع الداعمين الإيرانيين والروس، ضد الثوار السوريين والأنظمة العربية (بقيادة قطر والسعودية) والولايات المتحدة.

سقوط حتمي
ومع كون سوريا حلبة الصراع الرئيسية يمكن لدور لبنان في هذه الحرب بالوكالة أن يكون مساعدا فقط. لكن هذا لن يجعل منها أقل حقيقة، ومن المحتمل أن تكون غير سعيدة، للبنانيين. وخط الصدع الرئيسي للبلد يعكس الآن وضع المنطقة ككل، الإسلام السني مقابل الشيعي. وحزب الله هو اللاعب الذي تدور حوله كل هذه الدراما. فقد أظهر استطلاع رأي حديث أن 94% من السنة اللبنانيين معادون له بينما 94% من الشيعة يؤيدونه.

لبنان الصغير، من بين كل الدول العربية، كان دائما الأكثر تعرضا لنفوذ الدول الأكبر منه

وفي السياسة الرسمية للدولة ينقسم هذا إلى كتلتين رئيسيتين: تحالف 14 آذار ذي الأغلبية السنية المناوئ لسوريا والمدعوم من الغرب وخصومه 8 آذار المؤيدين لسوريا من أغلبية شيعية بقيادة حزب الله. وهذا الأخير يتولى حاليا مقاليد السلطة.

وأشار الكاتب إلى أن الصراع سياسي حتى الآن ويبدو أن هناك إرادة لإبقائه كذلك. لكن كلما ساءت الأمور في سوريا زادت صعوبة هذه الإرادة. وفي بؤر التوتر التقليدية في لبنان يتخذ الموقف مظهرا أكثر مذهبية ويمتد إلى عنف صريح. والبؤرة الرئيسية هي مدينة طرابلس ذات الأغلبية السنية وعمقها الوعر.

وكل الأحداث التي جرت الأسابيع الأخيرة بهذه المناطق تذكرنا بالعمليات الإضافية التي قادت إلى حرب أهلية شاملة قبل زمن. لكن هذه العمليات كانت تسير ببطء حتى الآن، والشيء الوحيد الذي قد يواصل إبطاءها هو الاقتناع الموجود بالمعسكر المناوئ لسوريا بأن سقوط الرئيس الأسد قد أصبح حتميا. وعندما يحين وقته سيوجه هذا المعسكر ضربة مدمرة لحزب الله ويتحول تلقائيا كل ميزان السلطة اللبناني الداخلي. والسؤال ببساطة لماذا لا ننتظر حتى يحدث ذلك ونستغل الفرصة كاملة عندما تأتي؟ لكن تلك اللحظة، وكيف ستتفاعل الأطراف المتنافسة -وخاصة حزب الله- معها، ستكون حاسمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة