الزجل في الجزائر.. ثورة أم ردة لغوية؟   
الجمعة 1436/4/3 هـ - الموافق 23/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

الخير شوار-الجزائر

إلى وقت قريب كان الانطباع السائد في الجزائر أن الزجل غائب بفعل "عجز" القصيدة الشعبية عن دخول المدينة، وبقيت تتغنى بقيم البداوة القديمة شكلا ومضمونا.

وفي الوقت الذي انتظر فيه النقاد ميلاد الزجل من رحم الشعر الشعبي بدأت تتشكل في البلاد ظاهرة زجلية يكتبها شعراء معروفون سابقا بالقصيدة الفصيحة على غرار عبد الرزاق بوكبة وسلوى لميس مسعي ومحمد قسط ورمزي نايلي، والقائمة مفتوحة لتجارب أخرى في الأفق.

وقد بدأت الظاهرة تطرح نقاشا في الوسط الثقافي، بين قائل إن الأمر يتعلق بـ"ثورة" في لغة القصيدة الحداثية عندما عجزت اللغة الفصيحة عن ترجمة الهواجس الجديدة للشعراء، وقائل بـ"الردة" اللغوية والعودة إلى أشكال "بدائية" للشعر.

ويعتبر كتاب "يبلل ريق الما" للشاعر عبد الرزاق بوكبة أول تجربة زجلية في هذا السياق بعد تجربة طويلة في كتابة القصيدة العمودية ثم الحرة والرواية.

بوكبة: هاجسي هو كيف أقبض على الأسئلة الوجودية باللغة المحكية (الجزيرة)

تجربتان وهاجس
وعن ظروف تحوله إلى قصيدة الزجل يقول بوكبة للجزيرة نت "كان ولا يزال هاجسي هو كيف أقبض على الأسئلة الوجودية الكبرى للمكان والإنسان باللغة الجزائرية المحكية وأخلصها من غبارها، هي التي ينظر إليها على أنها غامضة ومقيدة، أن أخلق معنى ينسج مع ذاتي وهي تعيش يومها، وتتشابك مع لحظاته المختلفة، لا أن أوظف معنى جاهزا فرضته حاجة الجماعة إلى قاموس مشترك".

أما الشاعر محمد قسط فقد كانت له تجربة مختلفة، وبصددها يقول للجزيرة نت إنه كان يبحث في مرحلة سابقة عن هويته الشعرية فترك الزجل مدة طويلة، وأعلن حينها فشل محاولاته لإنجاز نموذج مختلف من النصوص التي يجب أن تجاري تلك الرغبة في التغيير واقتحام المجهول.

وأضاف "تركت المحاولة لسنوات، ليتجدد العهد معه بعد النضج، وبالضبط بعد تعرفي على التجربة المغربية في كتابة الزجل الحديث، والذي كسر الشكل الحجري للأشعار القديمة".

ويتفق الشاعران على "محدودية" القصيدة الشعبية في الجزائر و"عجزها" عن التخلص من البداوة التي تحكمها، وفي هذا الصدد يقول قسط للجزيرة نت إن الشعر الشعبي لم يتغير منذ قصيدة "حيزية" للشاعر بن قيطون (من القرن الـ19 الميلادي)، فحكم على النص الملحن أن يظل رهينة النماذج البالية.

ويقول بوكبة إن ما يكتب في الجزائر من شعر شعبي هو محاكاة للمدونة المنجزة والموروثة، إذ لم يخرج الشاعر الشعبي الجزائري من الأغراض المعروفة، فهو إما مداح أو هجاء أو رثاء أو متغزل بامرأة أغلب صفاتها مستمدة من الطبيعة لا من ذاتها.

بوطاجين: ليس من السهل الاعتماد في تسويغ الخيار على جانب واحد (الجزيرة)

منطلقات مختلفة
وفي معرض حديثه عن الظاهرة الزجلية الجديدة في الجزائر يتجنب أستاذ الأدب بجامعة مستغانم الدكتور السعيد بوطاجين "تبسيط" الأمر في ثنائية الثورة-الردة لأن "اختيار القصيدة الزجلية يرتبط بالمقاصد بالدرجة الأولى".

ويرى أن هناك عوامل مركبة، وأنه ليس من السهل الاعتماد في تسويغ الخيار على جانب واحد، وأنه يمكن أن يكون ذلك نتاج بنى نفسية وثقافية واجتماعية متداخلة، إضافة إلى العامل المعرفي في حد ذاته أو عامل الوعي الإبداعي.  

ويؤكد بوطاجين للجزيرة نت أن المبدعين ليست لهم منطلقات واحدة، أما في حالة الزجل فيمكن أن تكون لكل منهم قناعات بصرف النظر عن طبيعتها ومستواها الأدبي الصرف.

ويضيف "نحن أمام ظاهرة تحتاج إلى دراسات متخصصة يشترك فيها الباحث والشاعر وعالم الاجتماع واللساني، مع أننا يمكن أن نقرن هذا المتغير بمتغيرات أدبية أخرى، مثل القصة القصيرة جدا، وقصيدة الهايكو، والنص البصري". ويتابع "ربما احتجنا إلى منطق وموضوعية لتناول ذلك".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة