خبير فرنسي: الأميركيون يرتكبون حماقة بالشرق الأوسط   
الثلاثاء 1427/12/19 هـ - الموافق 9/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 1:02 (مكة المكرمة)، 22:02 (غرينتش)

دونيسي للجزيرة نت: الأميركيون ارتكبوا خطأ واضحا في العراق (الجزيرة نت)

حاوره من باريس/سيد حمدي

قال مدير مركز دراسات الاستخبارات بفرنسا إريك دونيسي إن الأميركيين يرتكبون حماقة بسبب السذاجة المفرطة التي تعتري طريقتهم في التعامل في الشرق الأوسط.

وأوضح دونيسي وهو أحد أهم خبراء الشؤون الاستخباراتية والإرهاب في فرنسا إن الحال في العراق أصبح أكثر سوءا وأن الأميركيين ارتكبوا خطأ واضحا في تعاملهم مع العراق الذي يشهد اندلاعا للإرهاب.

وعن فلسطين قال دونيسي إنه إذا أرادت الحكومات العربية دعم السلطة الفلسطينية فإن بمقدورها أن تفعل ذلك، لكن واقع الأمر مختلف تماما، فالاتحاد الأوروبي هو أول من يدعم الفلسطينيين اقتصاديا.

وحول مفهومه عن الإرهاب اعتبر أن اللجوء للإرهاب يتم على أساس أنه الطريق لتحقيق أهداف مرتكبيه ضد خصومهم مثل حالات القاعدة والجيش الجمهوري الإيرلندي وإيتا الباسكية أو حالة الدولة الذي تتهم به دول مثل إيران وسوريا.

ورأى أن "الأمر مختلف بالنسبة لإسرائيل لأن هناك جيش يقوم باغتيالات معلنة تتجاوز حدود القانون يمكن أن تصنف على أنها نوع من الرعب من حيث المصطلح المستخدم لأن الأمور هنا تتم بشكل معلن أما إذا لجأت مثلا إلى اغتيال شخصيات من حماس بطرق سرية وغير معلنة فهذا يصنف ضمن إرهاب الدولة". 

وعلى الصعيد الداخلي رأى دونيسي أنه من الواجب اقتحام مشاكل الضواحي، مشيرا إلى أنها تنقسم إلى نوعين الأول منهما من نوعية اضطرابات الضواحي التي عاشتها فرنسا في خريف 2005 وهي ذات طابع اجتماعي وقانوني، والآخر متعلق بالإسلام ووضعيته في فرنسا.  

 وفيما يلي نص الحوار. 

من هم الإرهابيون؟

الإرهابيون هم مجموعة يتم تنظيمها من قبل عدد من الأشخاص أو مجموعة تحركها دولة ما لأن هناك ما يعرف باسم إرهاب الدولة وهي في مجموعها ترمي إلى إحداث أثر نفسي عبر القتل الجماعي ويمكن أن نستثني من ذلك منظمة الجيش الشيوعي في كولومبيا التي تقوم باغتيالات ولكنها لا تصنف ضمن المفهوم التقليدي للإرهاب حيث يخوضون حربا ضد النظام.

الإرهاب تعبير عن قوة أم عن ضعف؟

أنا لا أقوم بتقييم هذه الممارسات وما إذا كانت صوابا أم خطأ إنما أحاول تحديد المفهوم والمصطلح فهناك طرف ضعيف يلجأ إلى الإرهاب باعتباره إستراتيجية الضعفاء.

اللجوء إلى الإرهاب يتم على أساس أنه الطريق لتحقيق أهداف مرتكبيه ضد خصومهم مثل حالات القاعدة والجيش الجمهوري الإيرلندي وإيتا الباسكية أو حالة الدولة الذي تتهم به دول مثل إيران وسوريا وإيران.

بالنسبة لإسرائيل الأمر يختلف لأن هناك جيش يقوم باغتيالات معلنة تتجاوز حدود القانون يمكن أن تصنف على أنها نوع من الرعب من حيث المصطلح المستخدم لأن الأمور هنا تتم بشكل معلن أما إذا لجأت مثلا إلى اغتيال شخصيات من حماس بطرق سرية وغير معلنة فهذا يصنف ضمن إرهاب الدولة.

وأحب أن أشير إلى أن الإرهاب يرتكب بواسطة جماعات صغيرة تعمل أحيانا لصالح دولة ما وهذا عادة لا يحدث من قبل إسرائيل التي تضرب بشكل مباشر وواضح على نحو يقتل حتى المدنيين وهم في طريقهم لقتل شخص مستهدف بعينه مع اعتبار أن هذا لا يعني تبريرا إنما هو توصيف تقني للفعل.

"
الأمر أكثر سوءا في العراق وقد ارتكب الأميركيون خطأ واضحا هناك
"
بعض النماذج الأخرى؟

ما حدث في البوسنة والهرسك يسمى تطهيرا عرقيا جرى على يد قوات مسلحة تعمل في وضح النهار.

وما كانت تقوم به القوات الفرنسية من اقتحام القرى في الجزائر وترويع أهلها وقتل الأشخاص يعد وحشية أو مذبحة دون أن تصنف كسابقتها ضمن تعريف الإرهاب.

الإرهاب يضرب بشكل أعمى وخفي لتحقيق أهداف نفسية. وإذا ما شاهدت مروحية لعدوك تطلق قذائفها نحو معسكرك فهذا عمل عسكري وليس إرهابا لافتقاده عنصر السرية.

ولتوضيح الأمر أضرب مثلا على تفجير السفينة التابعة لجماعة السلام الأخضر في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران فقد كان ذلك عملا من أعمال إرهاب لأن الدولة دبرته ونفذته عبر عملية استخباراتية سرية.

وللتذكير فإن مصطلح الإرهابي هو مصطلح صناعة فرنسية منذ أيام الثورة وممارسات بعض قادتها مثل روبسبير.

ألا ترى أن العرب محقون فيما يذهبون إليه من أن حل القضايا الكبرى مثل فلسطين والعراق وأفغانستان بطريقة عادلة كفيل بتبديد أسباب ذيوع الإرهاب؟

لا أوافق إطلاقا على هذا الطرح فالظلم الواقع يعد عاملا ثانويا وليس العامل الرئيسي في انتشار الإرهاب.

هناك ظلم فعلا وتوجد مشاكل فعلية قائمة بحاجة إلى الحل إنها عنصر حقيقي ولكنه ليس بالعامل الرئيسي.

فهناك في العالم العربي والإسلامي الكثير من المشاكل العميقة ومشاعر عدم الرضا التي تعتري واقع المواطن العربي المسلم وليس الحكام ولننظر إلى سوريا حيث يعود الحكم إلى العلويين الذين يمثلون بالكاد نسبة 10 % من إجمالي الشعب السوري، كذلك احتكرت الأقلية السنية العربية الحكم في العراق لعقود طويلة.

أما السعودية فهناك نظام يحكم لكنه لا يمثل الجميع وفي مختلف هذه الحالات لا تستفيد الشعوب من ثروات البلاد كما أنها لا تحظى بالمعاملة المناسبة من قبل الحكام.

دعنا نركز قليلا على الواقع الفلسطيني.

إذا أرادت الحكومات العربية دعم السلطة الفلسطينية فإن بمقدورها أن تفعل ذلك لكن واقع الأمر مختلف تماما، فالاتحاد الأوروبي هو أول من يدعم الفلسطينيين اقتصاديا وعلينا أن نضع هذا الأمر في الاعتبار عندما نحاول تحليل مشاعر الغضب لدى المسلمين والعرب واضعين في الاعتبار أن الواقع الفلسطيني أحد أهم مكونات انتشار ظاهرة الإرهاب اليوم فيما الأوروبيين وليس العرب هم أول من يقف إلى جانب الفلسطينيين اقتصاديا وبالتالي فلا معنى لاتخاذ موقف معاد للغرب عند التعامل مع الملف الفلسطيني.

والعراق؟

بالانتقال إلى الوضع في العراق نرى أن الأمر أكثر سوءا وقد ارتكب الأميركيون خطأ واضحا في تعاملهم مع العراق الذي يشهد اندلاعا للإرهاب رغم أنني لا أنفي الاستبداد الذي كان قائما في هذا البلد.

إنني في غاية القلق فيما يتعلق بالاستقرار في المنطقة وحتى الولايات المتحدة التي أبدت عزما على تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات شيعية وعربية وكردية تعاني من الطريقة الحالية التي يتم بها تنفيذ هذا السيناريو.

فقد اعتمدت خطة الشرق الأوسط الكبير التي تقوم على أساس تفتيت المنطقة فلبنان مثلا على ذلك الذي يرجى تقسيمه ربما إلى دولة مارونية وأخرى شيعية وثالثة درزية وسوريا يراد لها كيانا للعلويين يتمحور حول دمشق.

لقد أراد الأميركيون تقسيم العراق ولكن توافر هذه الإرادة لا يعني بالضرورة أنهم نجحوا فيما أعدوا له.

"
الأميركيون محكومون في الشرق الأوسط بثلاثة عوامل مهمة هي تأمين مصادر الطاقة وإقرار السلام وحماية أمن إسرائيل
"
خلفية هذا التفكير الأميركي؟

أدرك الأميركيون الحدود المصطنعة في الشرق الأوسط التي أصبحت واقعا منذ العام 1920 وهم متأثرون جدا بالطريقة التي اتبعوها في البوسنة والهرسك واتفاق دايتون الذي تم التوصل إليه في هذا الشأن لوضع حد للقتال بين الصرب والمسلمين والكروات وبالتالي هم يريدون تجميع كل مجموعة عرقية أو طائفية مع بعضها البعض ووضع خريطة جديدة لوضع حد للنزاعات في المنطقة.

إن الأميركيين مولعون بتحقيق السلام، لكن الفكرة سيئة جدا. فالأميركيون يرتكبون حماقة بسبب السذاجة المفرطة التي تعتري طريقتهم في التعامل في الشرق الأوسط.

وأود أن أنوه إلى أن الاستخبارات الأميركية لديها وفرة في المعلومات رغم ما لدي من تحفظات على مستوى أدائها.

والأميركيون محكومون في الشرق الأوسط بثلاثة عوامل مهمة هي تأمين مصادر الطاقة وإقرار السلام وحماية أمن إسرائيل.

ووفقا لاعتبارات معقدة وللطريقة النفعية التي تتحلى بها السياسة الخارجية الأميركية أعتقد أن الأميركيين يرون في الإيرانيين شريكا مهما.

وبالانتقال إلى أفريقيا وما لدى فرنسا من خبرة استعمارية بالقارة، لا نرى فرنسا مثلا تتحرك من أجل إعادة تشكيل حدود القارة المليئة بالحدود المصطنعة وهناك دولتان مثل غانا وتوغو تعدان في الأصل دولة واحدة وشعبا واحدا تحولا إلى شعبين ودولتين مختلفتين اليوم فكيف يمكن إعادتهما إلى أصلهما الأول والشعبان لا يريدان ذلك والأمر هكذا أصبح من المتأخر جدا محاولة تحقيقه أو ربما العمل على مدى خمسين عاما لتحقيق هذا الهدف.

منذ انتهاء الحرب الباردة لم تقع أية حرب نظامية مع اعتبار أن ما حدث في البوسنة والهرسك أو العراق لم يكن حربا بالمعنى الحقيقي للحرب إذ لم تحدث مواجهة بين جيشين.

في هذه الأجواء تعزز دور الإرهاب كوكيل لأطراف معينة لتحقيق مصالحها في سياق إقليمي أو ديني مثلا، فضلا عن أشخاص يشعرون أنهم خارج الواقع الجديد، واقع ما بعد الحرب الباردة ويريدون تحقيق أهدافهم وهو في حقيقته صورة أخرى للتعبير عن العنف الذي لا يدور هذه المرة بين دول وجيوش نظامية.

المسلمون في الغرب يمرون بمرحلة صعبة جراء الأجواء المشحونة التي أفرزتها الأحداث الإرهابية؟

لعلنا نتذكر كيف زجت السلطات الأميركية بالمواطنين ذوي الأصول اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية. واليوم لا يستبعد مثلا إعادة النظر في جنسية بعض المواطنين الأوروبيين ذوي الأصول المهاجرة نظرا لأن الإرهاب بات خطرا كامنا داخل المجتمع الغربي وبات من الواجب محاربة الإرهاب في الداخل قبل محاربته في الخارج.

لكن الديمقراطية الغربية -رغم ذلك- تظل وفية لتقاليدها فعندما يتم توقيف مواطن فرنسي من أصل مغاربي أو بريطاني من أصل باكستاني، لا يتم توقيفه استنادا إلى دينه أو جنسيته الأصلية وإنما استنادا إلى اتهامات معينة.

وماذا عن أبناء الضواحي الفرنسية؟

إنني مهتم للغاية بأوضاع الفرنسيين ذوي الأصول المهاجرة ممن يعيشون في الضواحي، وقد قمت بدراسة ميدانية عن الإسلام الأصولي في فرنسا تم نشرها مؤخرا وسمعت خلالها من أبناء هذه الضواحي خاصة من ذوي الأصول المغاربية المنخرطين في بنى تنظيمية يقولون إنهم يشكلون أغلبية في ضواحيهم وسوف يفوزون بالانتخابات البلدية القادمة ليقوموا عندئذ بتطبيق الشريعة لقد استمعت لهذا الطرح في أماكن مختلفة في مدن مثل ليل وستراسبورغ وليون.

نحن هنا أمام مشكلة تتعلق بموائمة الإسلام الراديكالي مع الواقع الفرنسي، والسياسيون الفرنسيون لا يتعاملون بشجاعة ووضوح لمواجهة هذا الوضع خشية اتهامهم بنفس التهم التي توجه للجبهة الوطنية وأطروحاتها العنصرية.

الواجب اقتحام مشاكل الضواحي التي تنقسم إلى نوعين الأول منهما من نوعية اضطرابات الضواحي التي عاشتها فرنسا في خريف 2005 وهي ذات طابع اجتماعي وقانوني، والآخر متعلق بالإسلام ووضعيته في فرنسا علما بأن الضواحي تعرف وجودا له طابع الغيتو الذي يضم ذوي الأصول المهاجرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة