الثورة الثقافية بالصين.. عقود من الصمت المر   
الأحد 1/9/1437 هـ - الموافق 5/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:54 (مكة المكرمة)، 14:54 (غرينتش)

علي أبو مريحيل- بكين


يبدو أن الحديث في السياسة ليس شأنا عاما في الصين، في ظل رقابة صارمة تمارسها السلطات الحاكمة، لذلك يتجنب الصينيون الخوض في المسائل السياسية والأحداث التاريخية، حتى وإن ارتقى ذلك الحدث إلى مستوى الثورة الثقافية التي مرت ذكراها الخمسون هذا العام دون أي احتفالات أو ضجيج في العاصمة بكين.

ويتجلى ذلك الخوف في رفض معظم من التقينا بهم الإدلاء بآرائهم حول هذه المناسبة التي لا تزال حتى اليوم في نظر كثير من الصينيين تمثل الفترة المظلمة من تاريخ بلادهم الحديث.

فما خلفته الثورة الثقافية من رماد، لا يزال متقدًا في الذاكرة الوطنية، إلا أنه لم يجرؤ أحد خلال العقود الخمسة الماضية، على إجراء مراجعة نقدية لتلك الحقبة، وينسحب ذلك على المستويين الرسمي والشعبي، وإن كانت السلطات الصينية قد اعترفت عام 1981 بالأخطاء التي ارتُكبت خلال الثورة، دون أن تحدد أو تشير إلى المسؤولين عنها.

وكان الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ قد أشعل فتيل الثورة لاجتثاث الطبقة البرجوازية في الحزب الشيوعي، التي كانت تمثل شريحة الرجعيين من وجهة نظره، وتقف عائقا أمام بناء فكره الاشتراكي.

وانغ جي يو وسط عنصرين من الحرس الأحمر أمام صورة ماو تسي تونغ في ساحة تيان آن مين (الجزيرة)

حيث دعا في ستينيات القرن الماضي إلى محاربة من قال إنهم رأسماليون تسللوا إلى الحزب، واستجاب لدعوته آلاف الشبان ممن عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر، لتدخل الصين فوضى عارمة استمرت عشرة أعوام، راح ضحيتها مئات الآلاف من الصينيين، جلهم من المتعلمين والمثقفين.

كما شهدت البلاد في تلك الحقبة فصولاً طويلة من عمليات التخريب والتدمير طالت معالم دينية وثقافية، وأعمالا تاريخية، وكتبا قيّمة تم إتلافها وإحراقها باعتبارها رمزًا للإقطاع والرجعية.

صمت رسمي
"شياو خوان" طالبة صينية، في كلية الاقتصاد والعلوم السياسة بجامعة صن يات صن لم تجد في جعبتها ما تفيض به من معلومات حول الثورة الثقافية، وعزت ذلك في حديثها للجزيرة نت إلى خلو المواد التاريخية والسياسية في المقررات الدراسية من أي إشارة إلى الأحداث التي شهدتها الصين عام 1966.

واكتفت بالقول إنه ينبغي ألا نعرف أكثر مما يتاح لنا أن نعرف عن تاريخ بلادنا، لأن القائمين على الدولة بحسب قولها هم الأجدر بتقييم أي مرحلة تاريخية، وبالتالي هم المخولون إبداء رأيهم في هذا الشأن.

في خضم الثورة الثقافية في الصين تم إتلاف وإحراق آلاف الكتب باعتبارها رمزا للإقطاع والرجعية (الجزيرة)

شهادة حية
"وانغ جي يو" عنصر سابق في الحرس الأحمر التقت به الجزيرة نت في بكين لسؤاله عما حدث في تلك الفترة فقال "عند اندلاع الثورة الثقافية، كنت شابا فتيا في الحرس الأحمر. صدرت لنا الأوامر بمهاجمة كل من يقف في وجه الثورة، وحين تمكنا من السيطرة على مجموعة من المعارضين، لم أكن أرغب إلا في ضربهم وإهانتهم، لكن أحدهم فارق الحياة تحت ضرباتنا المكثفة.

وتابع "بالرغم من مرور خمسين عاما على تلك الثورة، حيث لم أكن أتجاوز السادسة عشرة من عمري، فإني لم أستطع نسيان تلك اللحظات المؤلمة، صورة الشاب المثقف الذي قضى تحت أيدنا لا تزال عالقة في مخيلتي، أشعر الآن بالندم، وعليّ أن أعترف اليوم أمام الجميع بأني قاتل".

آثار سلبية
ولا تزال تطرح التساؤلات بشأن تأثيرات تلك الثورة على حياة الصينيين، وانعكاساتها الإيجابية والسلبية. حول هذه التساؤلات يقول الباحث والمؤرخ الصيني "جان لي فان" في حديثه للجزيرة نت "كان للثورة الثقافية تأثيراتها السلبية الواسعة على الصين من الناحية الثقافية والأخلاقية وحتى السياسية، فقد شهدت البلاد خلالها تراجعا كبيرا، ولحق الأذى بأكثر من مئة مليون شخص"، ويخلص إلى أنها "كانت حقبة من التاريخ ضد الإنسانية" بحسب تعبيره.

ويبقى السؤال مطروحا: هل ستجد حقيقة الثورة الثقافية طريقها إلى النور في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح التي انتهجتها الصين خلال السنوات الأخيرة، أم أنها ستظل بفصولها الدموية حبيسة الذاكرة الموصدة أبوابها بأقفال من الصمت؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة