اشتراك إف/16 خطأ سياسي واستراتيجي   
الأحد 1422/2/26 هـ - الموافق 20/5/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

القدس – إلياس زنانيري
طغت أحداث نهاية الأسبوع على الصحف العبرية فيما خصصت صحيفتا يديعوت أحرونوت ومعاريف واسعتي الانتشار غالبية عدديهما الصادرين صباح اليوم لتناول عملية نتانيا والغارات الحربية التي قامت بها المقاتلات القاذفة الإسرائيلية إف/16 على مواقع فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية.

كما أفردت الصحيفتان صورا على مساحات واسعة من صفحاتهما بالإضافة إلى نشر نبذ عن حياة كل واحد من الإسرائيليين الذين قتلوا في العملية الانتحارية بمجمع نتانيا التجاري يوم الجمعة.

وخصصت الصحف كذلك تحليلات طويلة ومعمقة لأبعاد الغارات الإسرائيلية على المواقع الفلسطينية، في حين أجمعت غالبية هذه التحليلات على انتقاد الغارات حيث اتفق مثلا كل من حيمي شاليف من معاريف
وأليكس فيشمان من يديعوت أحرونوت على أن الغارات جاءت بدافع الانتقام ولم تنم عن أي تفكير استراتيجي هادئ وعميق.



إن اللجوء إلى استخدام المقاتلات القاذفة من طراز إف/16 يعكس تغيرا ذهنيا ونفسيا وأسلوبا يبدو أن إسرائيل ستقود المنطقة عبره إلى المزيد من التدهور إذا ما لجأت إليه باستمرار

حيمي شاليف - معاريف

ورأى شاليف أن الغارات جاءت لتعبر عن حقيقة واضحة هي أن القادة فقدوا السيطرة، مستخدما تعبيرا يقول إن القيادة أغارت على ذاتها! أما فيشمان فقال إن اللجوء إلى استخدام المقاتلات القاذفة من طراز إف/16 يعكس تغيرا ذهنيا ونفسيا وأسلوبا يبدو أن إسرائيل ستقود المنطقة عبره إلى المزيد من التدهور إذا ما لجأت إليه باستمرار.

بيد أن الانتقادات لم تصدر فقط عن المحللين الصحفيين بل عن محافل سياسية كبيرة. ونقلت الصحف عن مصدر سياسي رفيع قوله إن الغارات الإسرائيلية على المواقع الفلسطينية جاءت استجابة لضغط الرأي العام الإسرائيلي وإنها جاءت في المحصلة النهائية لتخدم الخط الذي يتبناه الرئيس عرفات.
وعزز هذا المصدر تصريحاته بالاستشهاد بما ورد من قرارات صدرت عن مجلس الجامعة العربية التي دعت إلى دعم الانتفاضة وتعليق كل أشكال الاتصال السياسي مع إسرائيل.

أما العناوين الرئيسية في الصحف العبرية فكانت على النحو التالي:

صحيفة هآرتس:
* للمرة الأولى مقاتلات إف/16 تغير على الضفة الغربية وقطاع غزة ردا على عملية نتانيا.
* وزارة المالية تقترح زيادة موازنة الدفاع بملياري شيكل (نصف مليار دولار).
* مقتل ضابط في الجيش بحادث إطلاق نار عليه قرب مستوطنة نفيه تسوف.

صحيفة معاريف من جهتها قالت:
* قلق من تدهور العلاقات مع مصر والأردن في ضوء الغارات على الضفة الغربية.
* علت الدماء إلى رأسه (تحليل سياسي عن شارون).
* عرفات يلقى دعما عربيا.

أما صحيفة يديعوت أحرونوت فقالت:
* هذه أصعب الظروف التي عشناها منذ حرب الاستقلال.
* شارون يقول: سنلجأ إلى كل ما لدينا من وسائل لحماية المواطنين الإسرائيليين.
* ضعف الانتقام.

وقالت صحيفة هتسوفيه:
* للمرة الأولى المقاتلات الإسرائيلية تضرب مبان للقوات الفلسطينية.
* مقتل خمسة وجرح 60 في هجوم انتحاري بمجمع نتانيا التجاري.
* الدول العربية تدعو إلى تجميد العلاقات مع إسرائيل.

وتعليقا على الغارات الإسرائيلية كتب حيمي شاليف في معاريف تحت عنوان "علت الدماء إلى رأسه" يقول: إن عملية نتانيا مقيتة ووحشية وإن المرء يفهم بكل تأكيد أولئك الذين كان رد فعلهم الأولي ينم عن رغبة جامحة في الانتقام في وضح النهار، وبتغيير معالم وجوه منفذي العملية أو حتى بقصفهم بطائرات إف/16. ولكن المرء لا بد وأن يتوقع من رئيس الوزراء ومن وزير خارجيته ومن رئيس الأركان ومن جنرالاته أن يتحلوا بسكينة التفكير. مسموح لرجل الشارع أن يفقد صوابه غضبا وإنما ليس لدولة بأكملها.

ولكن القرار بإرسال المقاتلات الحربية لضرب مدن فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كان خطأ سياسيا واستراتيجيا من الدرجة الأولى ولا يمكن تفسيره. والقول بأن الغارات جاءت لتلبية رغبة الرأي العام هو قول مجاف للحقيقة ومثير للسخرية، كذلك الأمر بالنسبة للاعتقاد بأن هناك من أراد عبر التصعيد الأخير جر المنطقة إلى الحرب.

وعليه فإن التفسير الوحيد المتبقي هو أن القيادة فقدت السيطرة، ونأمل أن يكون ذلك آنيا ومؤقتا، وسيتعين علينا نحن أن نتحمل عبء ذلك مستقبلا.

وينوه الكاتب بأنه خلال ثمانية شهور انتقلت الانتفاضة الفلسطينية من إم/16 (البندقية الآلية شائعة الاستخدام لدى الجيش الإسرائيلي) إلى إف/16 (المقاتلة). ويخلص إلى القول بأن الغارات من وجهة نظر عسكرية حققت نتائج سهل تجاهلها ولكنها بالمقابل كانت كمن يغير على نفسه في الركبة أو القدم.

وفي نفس الموضوع كتب فيشمان في يديعوت أحرونوت يقول: يبدو الأمر للوهلة الأولى بسيطا ويقوم على مبدأ العين بالعين والسن بالسن، ولكن الانتقام كسياسة هو دليل ضعف وإحباط.


إن الذريعة القائلة بأن الطائرات توجهت لقتل إرهابي محتجز في سجن نابلس هي حجة واهية لا معنى لها ولكنها تؤكد أن أحدا من طرفنا قد فقد صوابه وبدأ يفقد أعصابه وصبره كذلك

يديعوت أحرونوت

إن الذريعة القائلة بأن الطائرات توجهت لقتل إرهابي محتجز في سجن نابلس هي حجة واهية لا معنى لها، ولكنها تؤكد أن أحدا من طرفنا قد فقد صوابه وبدأ يفقد أعصابه وصبره كذلك.

إن الفارق بين استخدام المروحيات العسكرية والمقاتلات هو تماما مثل الفرق في استخدام عشرة كيلو غرامات من المتفجرات أو نصف طن من المواد المتفجرة. وحين يتولى الطيران الإغارة على أحياء مأهولة فإن خطأ واحدا يكفي ليسبب مأساة وليقودنا نحو أزمة سياسية سيتذكرها العالم لعقود قادمة. ومنذ اللحظة التي أدخلت فيها المقاتلات الحربية إلى الميدان فإن أخطاء من هذا القبيل تقف لنا بالمرصاد مختصرة بذلك الطريق إلى المزيد من التدهور والمواجهة.

وتحت عنوان "شارون رجل الصيانة" كتب عوزي بنزيمان في هآرتس يقول: لقد حذر شارون مرارا من مغبة أن يتحول المرء أسيرا لمعتقداته. في الخمسينيات تمرد شارون على الفلسفة التقليدية التي كانت متبعة في الجيش وأقام الوحدة 101. وفي السبعينيات عارض بناء خط بارليف الدفاعي على امتداد قناة السويس حين كان حاييم بارليف رئيسا للأركان. وقبل عام اتهم حكومة رئيس الوزراء السابق إيهود باراك بالوقوع ضحية خطأ افتراضي كبير. واليوم وعلى خلفية التصعيد الواضح للصراع مع الفلسطينيين في نهاية الأسبوع يعود السؤال ليطرح نفسه ما إذا كان شارون ذاته أسير تقييم خاطئ للوضع العام.

ويمضي الكاتب الذي يخوض بالمناسبة معركة قضائية ضد شارون بسبب اتهامه للأخير بخداع رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغن أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، فيقول: إن هناك آراء متعددة بشأن الأسباب التي قادت إلى تلك النهاية المحزنة لاتفاقات أوسلو، الأول خطأ المفاوض الإسرائيلي يوسي بيلين في قراءة حقيقة النوايا التي تعتمل في عقل الرئيس عرفات، والثاني هو الآلية الضعيفة التي أديرت بها المفاوضات والتي كان من الممكن أن تقود إلى اتفاق لو أديرت بشكل مغاير.


إسرائيل تواجه منذ اندلاع الانتفاضة قبل تسعة أشهر ما وصفه وزير الخارجية شمعون بيريز يوم الجمعة بالخطر الوجودي الذي لم تواجه مثيلا له منذ أن خاضت حرب الاستقلال عام 1948”

عوزي بنزيمان-هآرتس

وحسب عضو الكنيست السابق بيني بيغن فإن عرفات قام بكافة خطواته وهو يعرف مسبقا تماما ماذا يريد ولهذا فقد كان محكوما على مسار أوسلو بالفشل منذ بدايته. أما رون بونداك مهندس اتفاق أوسلو فيرى أن النتيجة المخيبة للآمال التي وصل إليها اتفاق أوسلو جاءت إلى حد كبير نتيجة لعدم تمكن إسرائيل من المناورة بالشكل الصحيح في مفاوضاتها مع مساعدي عرفات.

وبصرف النظر عن هذا السبب أو ذاك فإن إسرائيل تواجه منذ اندلاع الانتفاضة قبل تسعة أشهر ما وصفه وزير الخارجية شمعون بيريز يوم الجمعة بالخطر الوجودي الذي لم تواجه مثيلا له منذ أن خاضت حرب الاستقلال عام 1948.

ويواصل الكاتب فيقول: منذ بداية الانتفاضة الحالية ازداد التطرف لدى كلا الطرفين الأمر الذي جعل من شبه المستحيل التوصل إلى تفاهم مع الفلسطينيين، فهم لم يعودوا على استعداد للقبول بتجمعات استيطانية أو بنزع سلاح دولتهم العتيدة، كما أنهم زادوا إصرارا على جعل حق العودة شرطا ضروريا للتوصل إلى اتفاق نهائي. أما إسرائيل فقد زادت من مطالبها الأمنية كما رفعت من وتيرة تقييمها لطبيعة العلاقة القائمة بين الأقلية العربية داخل حدودها والدولة الفلسطينية.

ويتابع بنزيمان مقاله بالقول: إن شارون تحت هذه الظروف يرى في مهمته رجل صيانة وليس مبادرا ذا شجاعة، فهو يتصرف كمن يدير أزمة ولكنه لا يحاول إيجاد حل لها،
وهو يدرك أن طريق الرد العسكري لن يغير الوضع برمته ولكنه بالمقابل يرفض تغيير سياسته ردا على العنف الفلسطيني. إن شارون وللوهلة الأولى يرى في اللجوء إلى القوة العسكرية المطلقة آلية سبق أن اختبرها في احتواء العنف الفلسطيني وخلق ظروف جديدة للتفاوض، ولكن الانطباع السائد هو أن ماضي شارون يرفرف من فوقه بشكل كثيف ويجعل منه حذرا في خطواته لئلا يتحول ثانية إلى شخص منبوذ على الساحة الدولية.

ويختتم بنزيمان المقال بقوله: إن أمام شارون اليوم فرصة القبول بالمبادرة المصرية الأردنية المشتركة وبتقرير لجنة ميتشيل حتى ولو أدى ذلك إلى تجميد النشاطات الاستيطانية لفترة محددة من الزمن ومحاولة استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين حتى ولو كان هناك شعور بأنه لم يعد لنا شريك في المفاوضات, ولكن حقيقة الأمر أن كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يلعقان جراحهما وقد يفضل كل منهما التفاوض حقنا للدماء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة