بايدار تؤرخ لأحلام اليسار التركي في رواية   
الأربعاء 1437/1/29 هـ - الموافق 11/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)

أنطوان جوكي-باريس

باكرا انخرطت الكاتبة التركية أويا بايدار في النضال السياسي تحت شعار الماركسية، قبل أن تزج في السجن لمدة عامين بسبب معارضتها للانقلاب العسكري عام 1971. ومن هذه التجربة المريرة استقت مادة رواياتها الخمس التي جعلت منها إحدى أبرز الأصوات الأدبية في بلدها.

في روايتها "ولا يبقى سوى الرماد" التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا عن دار "فيبوس"، تسلط بايدار الضوء -عبر قصة حب جميلة- على نضال جيل من الشباب التركي، آمن بقدرته على تغيير الوضع القائم في بلده، ووضع حد للامساواة ولتسلط العسكر وتعسفه، قبل أن يعرف مرارة الخيبة والفشل.

وفعلا، تعبُر الكاتبة في هذا العمل الضخم (550 صفحة) السنوات الـ45 الأخيرة من تاريخ تركيا، محاولة -عبر باقة من الشخصيات الغنية بالألوان- الإجابة على أسئلة جوهرية، لعل أبرزها هو: أيّ معنى نمنح حياتنا حين نفقد طوباوياتنا؟

نضال اليسار
بطلة الرواية مناضلة يسارية تدعى أولكو أوزتورك، ويشكل حبها المجنون لأرين مراد وسعيها من أجل تشييد عالم أكثر عدالة، الخيط الموجه للسرد.

تبدأ الرواية من النهاية، أي مطلع الألفية الثالثة في باريس، حيث نرى أولكو في مشرحة بعد استدعائها للتعرف على جثة أرين، لكونها الشخص الأخير الذي التقى به قبل اغتياله. لماذا التقت به بعد سنوات طويلة من الفراق؟ ومن هي الجهة التي تقف خلف اغتياله؟

تبدأ الرواية من النهاية، أي مطلع الألفية الثالثة بالعاصمة باريس، حيث نرى أولكو في مشرحة بعد استدعائها للتعرف على جثة أرين، لكونها الشخص الأخير الذي التقى به قبل اغتياله

للإجابة على هذين السؤالين، تخط بايدار بلمسات صغيرة جدارية ضخمة ينير مسار أولكو فيها تاريخ اليسار التركي منذ انتصاراته الأولى حتى القمع الدموي الذي تعرض له، مرورا بسنوات المنفى وانهيار المُثل اليسارية مع سقوط جدار برلين.

خلال دراستها الجامعية، ستعطي أولكو دروسا خاصة لأبناء العائلات الثرية من أجل سد حاجاتها، وفي أحد هذه المنازل تتعرف إلى أرين. ورغم مشاعر الحب التي ستربطهما، يدركان فورا أن لا أفق لعلاقتهما، فمستقبل أرين محدد سلفا داخل دوائر السلطة نظرا إلى نفوذ عائلته، بينما تتقرب أولكو تدريجيا من الحركات الثورية الناشطة في جامعتها.

ولن تلبث الاضطرابات السياسية أن توسع الهوة التي تفصل بين عالميهما، فإثر مشاركتها في نشاطات رفاقها الثوار، تكتشف أولكو عنف السلطات في بلدها، خصوصا بعد توقيفها ورميها في السجن وتعذيبها. أما أرين فيتسلق بسرعة سلم السلطة، قبل أن يدرك متأخرا أن لا مجال لبلوغ المناصب العليا في الدولة دون توسيخ يديه.

حول أولكو نتعرف إلى شخصيات أخرى كثيرة، أبرزها أومير أولاش أحد وجوه التيار الماركسي في تركيا والذي ستتزوج أولكو به قبل أن تنتقل للعيش معه في موسكو، ومحمد إيليتش الناشط النقابي، وإريم شقيق أرين، وفالين المفكر الشيوعي الروسي.

شخصيات مناضلة من آفاق مختلفة نتابع مسار كل منها ونراها غالبا ممزقة بين قيمها وأهدافها وظرف سياسي وأمني لا يرحم، وتستعين بايدار بها لمقاربة مواضيع مختلفة، كالالتزام والنضال والسلطة ومعنى الحياة والوفاء للقيم.

تاريخ مخفي
في النهاية، وحدها أولكو تبدو في حالة تناغم مع نفسها وماضيها، مقارنة بالشخصيات المذكورة. فإلى أومير الذي ينتهي مدمنا على الكحول ومشككا في محركات نضاله السابق، ستقول "رغم هذا الكم من الخراب، رغم خيباتنا، لم تكن طوباويتنا فارغة وعديمة المعنى".

أهمية هذه الرواية تكمن في كشفها أحداثا غير معروفة كفاية في تاريخ تركيا الحديث، مثل عمليات التعذيب والاغتيال التي كانت تنفذ ضد الناشطين الشيوعيين والوجوه النقابية من دون رادع

ولعل السبب يعود إلى افتتان جميع الرجال في هذه الرواية بالسلطة، فسواء كانت سياسية أو اقتصادية أو جنسية، تبدو هذه السلطة ذكورية قبل أي شيء، تتعذر مقاومتها، رغم أنها هي التي تدمر المثل والحب وأحلام الشعوب.

أهمية هذه الرواية تكمن أولا في كشفها أحداثا غير معروفة كفاية في تاريخ تركيا الحديث، مثل عمليات التعذيب والاغتيال التي كانت تنفذ ضد الناشطين الشيوعيين والوجوه النقابية من دون رادع، وإضرابات الطلاب والعمال وحركات الاحتجاج على السياسات القمعية لسلطة العسكر.

وفي هذا السياق، تعود الكاتبة مرارا إلى تواريخ مفصلية من أجل تصوير الأحداث الكبرى التي حصلت فيها، كتاريخ 12 مارس/آذار 1968 الذي أخذ التحرك الطلابي فيه أبعادا سياسية وأيدولوجية قبل أن ينزلق في العنف، أو تاريخ 12 سبتمبر/أيلول 1980 الذي شهد انقلابا عسكريا تبعه تنكيل بالحركات اليسارية.

كما تكمن قيمة الرواية في حبكتها المنسوجة بإحكام، رغم التشابك المعقد للأزمنة والأقدار داخلها، وفي أسلوب كتابتها الأنيق الذي ينجح في إثارة اهتمامنا بالحقبة التاريخية المعالجة.

لكن أكثر ما يشدنا فيها هو تحويل الكاتبة المغامرة الإنسانية والسياسية التي تسردها إلى غرفة أصداء لتساؤلات وجودية شاملة تتجاوز الوضع التركي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة