تحديد النسل يربك سياسات التقاعد بتونس   
السبت 20/9/1429 هـ - الموافق 20/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:11 (مكة المكرمة)، 21:11 (غرينتش)

يعاني المجتمع التونسي من شيخوخة مبكرة وعجز أنظمة المعاشات (الجزيرة نت)

خميس بن بريّك-تونس

بعدما كانت الحكومة التونسية تتباهى بالنجاحات التي حققتها سياسة تحديد النسل والتي انتهجتها في الستينات، يبدو أن الأمور قد انقلبت رأسا على عقب مع تراجع الولادات وتزايد نسبة الشيوخ.

فسياسة الرئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة، التي شجبتها الأوساط الإسلامية، ويستمرّ اعتمادها إلى الآن في تحديد النسل ومنع تعدد الزوجات وترخيص الإجهاض، قد أخفقت في تحقيق توازن ديمغرافي، حسب البعض.

ورغم تطوّر الرّعاية الصحية التي نزلت بالوفيات إلى أدنى مستوياتها، إلا أن المجتمع التونسي يعاني من شيخوخة مبكرة وأمراض مزمنة وعجز في موازنات أنظمة المعاشات التقاعدية.

"
سميرة كربول: هذه الأرقام تكشف عن نسق سريع في التشيخ السكاني ستكون له تداعيات خطيرة على المجتمع
"
مؤشرات سلبية

ويبيّن المعهد التونسي للإحصاء (الحكومي) أن نسبة المسنين (60 عاما فما فوق) تضاعفت من 5% سنة 1960 إلى 9.5% سنة 2007، بينما يتوقع أن تصل إلى حدود 17% بحلول 2029.

وتقول المندوبة الجهوية للأسرة والعمران البشري سميرة كربول للجزيرة نت إنّ هذه الأرقام تكشف عن نسق سريع في التشيخ السكاني، ستكون له تداعيات خطيرة على المجتمع.

في المقابل، يشير آخر تعداد للسكان أنّ نسق النموّ السكاني تراجع من 2.35% سنة 1994 إلى 1.2% سنة 2007، وهو مؤشر ضعيف جدا قياسا ببقية الدول العربية.

وتوضح كربول أنّ تراجع معدل الإنجاب تسبب في تباطؤ النموّ الطبيعي للسكان نتيجة سياسة تحديد النسل وعوامل أخرى منها تأخر سنّ الزواج وارتفاع حالات الإجهاض، التي تسجل بالآلاف سنويا.

ولاحظت أنّ ارتفاع أمل الحياة في تونس (74 عاما) جعلها في مراتب متقدمة عربيا بفضل تحسن ظروف الصحة والعيش، لكن ذلك أفرز تهرمّا سكانيا مبكرا ألقى بظلاله على التغطية الاجتماعية.

البدوي: سياسة تحديد النسل في تونس فاشلة لتراجع القوة العاملة (الجزيرة نت)
ضغوط مالية

ويقول مدير مركز البحوث في مجال التغطية الاجتماعية محمد شعبان في تصريح خاص إنّ تزايد نسبة الشيوخ والمتقاعدين أدّت إلى عجز في موازنات الصناديق الاجتماعية، دون أن يكشف عن قيمة هذا العجز.

لكنه أكد أنّ عدد المتقاعدين سيتطوّر من حوالي أربعمائة ألف متقاعد سنة 2007 إلى ما يقدر بنحو مليون ونصف متقاعد في غضون 2030، وهو رقم كبير.

وحذّر من أنّ ارتفاع المسنين المقبلين على خدمات العلاج، إلى جانب المنتفعين بمنح التقاعد سيتضاعف في الثلاثين سنة المقبلة ثلاث مرات، داعيا إلى إصلاح منظومة التغطية الاجتماعية.

وكان تقرير صادر عن البنك الدولي قد حذّر من أنّ أنظمة المعاشات التقاعدية في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (ومنها تونس) ستعاني من ضغوط مالية متزايدة وطالب بإصلاحات.

وتشرف السلطة في تونس على التغطية الاجتماعية بواسطة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يخصّ أجراء القطاع الخاص، والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية الذي يهمّ أجراء القطاع العام.

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي إن سياسة تحديد النسل في تونس يمكن اعتبارها فاشلة بالنظر إلى تراجع القوة العاملة النشيطة في تونس بسبب تراجع كثافة الأجيال الشابة.

وأظهرت دراسة قامت بها نقابة الاتحاد التونسي للشغل أن عدد الناشطين انخفض سنة 1990 من 5.3 عمال مقابل متقاعد واحد، ليصبح عددهم 3.7 عمال مقابل متقاعد واحد في 2002.

ويوضح البدوي أنه بتراجع القوة العاملة ستتقلص قيمة الحصص المقتطعة من دخل الأجراء لصالح الصناديق التي تقوم بصرف منح المتقاعدين وتغطي نفقات الصحة.

أمراض مزمنة
وفي سياق آخر، يقول مدير مركز الصحة الإنجابية بتونس فاروق بن منصور في تصريح للجزيرة نت إن الذين تتجاوز أعمارهم ستين سنة يواجهون مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة.

وذكر أنّ أمراض القلب والشرايين تصيب 40% ممن تخطت أعمارهم ستين عاما، وأنّ عدد مرضى السكري من هذه الفئة العمرية تصل نسبتهم إلى 32%.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة