أورهان باموق و"الروائي الساذج والحساس"   
السبت 1437/8/15 هـ - الموافق 21/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:03 (مكة المكرمة)، 12:03 (غرينتش)

كمال الرياحي-تونس

كثيرون هم الكتاب الذين يؤلفون كتبا يقيمون فيها تجاربهم ويقدمون فيها شهاداتهم بشأن منجزهم الأدبي وحول الكتابة الإبداعية، وآخر الملتحقين بهذا النادي العريق الروائي التركي أورهان باموق عبر كتابه "الروائي الساذج والحساس" الذي يدخل المكتبة العربية مؤخرا في ترجمة لميادة خليل.

ينطلق صاحب "اسمي أحمر" من فكرة الشاعر الفيلسوف الألماني فريدريك شيللر حول مفهوم الشعر وصنعته من خلال مقاله الشهير "عن الشعر الساذج والحساس" ليبني نظريته حول الرواية.

إن الفكرة المستعارة من محاولة وضع حد لنمطين من الشعر الطفولي الساذج والشعر العقلاني عند شيللر يرحلها باموق إلى جنس الرواية الذي يضع نفسه عدوا منذ نشأته للشعر.

فالسذاجة تهم ذلك النوع من الروائيين والقراء الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب الفنية، أما النوع الثاني الحساس "فهم المفتونون بتصنع النص وعجزه عن تحقيق الواقع والذين يولون اهتماما كبيرا للأساليب التي يستخدمونها في كتابة الروايات والطريقة التي تعمل بها عقولنا عندما نقرأ".

أورهان باموق فاز بجائزة نوبل للآداب عام 2006 (الأوروبية)

غير أن باموق يقرن في تعريفه للروائي الجيد بين الأمرين، قائلا "أن تكون روائيا هو الإبداع في أن تكون ساذجا وحساسا، أن تقدم المصنوع على أنه مخلوق، وأن تحقق ذلك الشرط البدئي للكتابة الروائية في مفهومها الكلاسيكي: الايهام بالواقعية، واقعية الحكاية فيتحقق ميثاق التلقي..".

وهذا الميثاق هو الذي يدفع القارئ الساذج الضروري إلى طرح السؤال الذي يطرح دائما على صاحب "متحف البراءة": "هل فعلا حصل معك كل هذا سيد باموق؟".

هذا السؤال الضروري لنجاح العمل الإبداعي مع التلقي الساذج يطرح من ورائه سؤالا عن حظ الواقع من التخييل أو بعبارة أدق حظ الكذب من الحقيقة، حقيقة ما عاشه الكاتب وما عاشه الراوي أو الشخصية الرئيسية في الرواية.

التخييل والقناع
ويحذر باموق من خطورة تلقي الأعمال الإبداعية وفق نتائج التجسس على حياة كاتبها والخلط بين بطل الرواية وكاتبها، ويستدعي ما حصل لجان جاك روسو بعد كتابه "جولي أو هيلواز الجديدة" الذي يعترف بأن "ما جعل النساء محبات لي كان اعتقادهن بأني كتبت تجربتي الخاصة، وبأني كنت بطلا رومانسيا"، فالبطل ليس بالضرورة دائما قناعا يتوارى وراءه الكاتب ليعترف.

يذهب باموق الى تفكيك مؤسستي الكتابة والقراءة في ظل الكتابة التخييلية والروائية تحديدا من خلال تقصي طرق بناء الشخصية ومداورة الزمن وألاعيب السرد ومحاور العمل الإبداعي ملتفتا في كل مرة إلى منجزه السردي أو إلى قراءاته من مدونة الآداب العالمية ليثبت رؤيته وفكرته.

كما يقف كل مرة مذكرا بسيرته وميولاته الفنية القديمة كحلمه بأن يكون رساما وفشله في ذلك، لأنه لم يستطع أن يكون رساما حساسا بل بقي مجرد رسام ساذج، وهذا الولع بالرسم تواصل معه وشكل جزءا من ثقافته في صناعة الرواية وتكوين رؤية لها، فيذكرنا كل مرة بلوحات عالمية لكبار الرسامين كلوحة "العشاء الأخير" لليوناردو دافنشي وما كتبه عنه الشاعر الألماني غوته، مشيرا إلى أن وعي الكاتب لا يقتصر على الوعي اللغوي بل على الثقافة البصرية التي يكتسبها من خلال معرفته بالفنون الأخرى كالرسم والسينما.

ولعل أطرف وأمتع ما في الكتاب خاتمته التي يتحدث فيها باموق عن ظروف كتابة هذه المحاضرات، ويكشف فيها قراره الخطير في احتراف الكتابة الروائية والتخلي عن الرسم وصدمة العائلة من هذه المغامرة

الكتابة والرسم
يكتشف القارئ بسهولة أن هذا كتاب هادئ لروائي هادئ ومحافظ يتحرك وفق مقاييس الجنس الأدبي كما ضبطته حلقات الدرس الأكاديمي، وأن كاتبه لا يغامر كثيرا في أفكاره ويبقى حريصا على الوقوف عند ضوابطه الفنية وأحيانا يسقط في تكرار المتعارف عنه ولم يذهب بمغامراته نحو تحطيم الأصنام والأجناس ولا ضبط علاقة أكثر عمقا بين الفنون والآداب كما فعل ذلك التشيكي ميلان كونديرا في "فن الرواية" أو في "الوصايا المغدورة" أو حتى كولن ولسن في "فن الرواية" وفي سيرته.

ولكن كل ذلك يفهم ولا يغفر عندما نعلم أن هذا الكتاب قدم كمجموعة من المحاضرات في جامعة هارفارد بطلب من المفكر الهندي الكبير هومي بابا.

ولعل أطرف وأمتع ما في الكتاب خاتمته التي يتحدث فيها باموق عن ظروف كتابة هذه المحاضرات ويكشف فيها قراره الخطير في احتراف الكتابة الروائية والتخلي عن الرسم وصدمة العائلة من هذه المغامرة في مجتمع تمر فيه القراءة بأحلك أيامها لينجح في أن يكون ذلك الساذج الحساس.

ويبقى هذا الكتاب مهما للمبتدئين ومدربي ورشات الإبداع في التعامل مع طلابهم القادمين إلى عالم الكتابة الغامض، ويبقى السؤال عالقا بأذهاننا: هل كانت جائزة نوبل ساذجة أم حساسة عام 2006 وهي تختار باموق وتترك كونديرا؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة