جنوب السودان تاريخ من الأزمات   
الجمعة 1431/11/15 هـ - الموافق 22/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 7:07 (مكة المكرمة)، 4:07 (غرينتش)

مسيرة بمدينة جوبا تطالب بانفصال جنوب السودان (الفرنسية-أرشيف)

أزمة جنوب السودان، الذي ينتظر استفتاء لتقرير مصيره بالانفصال أو الوحدة، ليست وليدة أحداث اليوم بل تضرب بجذورها في القدم وهي سابقة على قيام كيان السودان وإعلان استقلاله عام 1956، وقد لعب الاستعمار البريطاني دورا بارزا في نشوء الأزمة بإنشائه ما عرفت بالمناطق المقفولة التي منعت التواصل الثقافي والاجتماعي بين الشمال والجنوب.

كانت البداية بتمرد حامية عسكرية من الجنوبيين في مدينة توريت الجنوبية عام 1955، ليصبح نواة لتمرد بقيادة حركة "أنانيا 1" استمر لأكثر من 17 عاما.

إذ بدأ الجنوبيون بمطالب بسيطة مقتصرة على رفع نسبة المشاركة في الخدمة المدنية خلال الحقبة الاستعمارية، وفي خمسينيات القرن العشرين تم ربط هذه المطالب ببعض المطالب السياسية، مثل اقتسام السلطة والمطالبة بتطبيق الفدرالية.

اتفاقية أديس أبابا
توّجت هذه المطالب بتوقيع اتفاقية أديس أبابا بين الشمال والجنوب في عهد الرئيس السوداني السابق جعفر محمد النميري في مارس/آذار 1972. وبموجب هذه الاتفاقية دمجت قوات حركة الأنانيا الجنوبية في صفوف الجيش السوداني، وتمتع الجنوبيون بالحكم الذاتي لإقليمهم، غير أن الانفصال لم يكن وقتها مطلبا في المفاوضات.

وفي 1983 قام النميري بتقسيم الجنوب إلى ثلاث ولايات، وهي أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية، وهو ما عدّ إلغاء لاتقافية أديس أبابا التي كانت تنص على إقليم واحد، كما أعلن في العام ذاته تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

نشوء الحركة الشعبية
في العام نفسه شهد أيضا تمرد إحدى الكتائب العسكرية في جنوب السودان فأوفد النميري ضابطا في الجيش هو العقيد جون قرنق للتفاوض مع الكتيبة المتمردة، لكن قرنق انقلب على رئيسه وتحالف مع المتمردين، وأنشأ الحركة الشعبية لتحرير السودان وذراعها المسلح (الجيش الشعبي).

وبذلك اندلعت الحرب الأهلية من جديد تحت دعاوى التهميش والمطالبة بنصيب أكبر في السلطة والثروة وفصل الدين عن الدولة، وشهدت الحرب فصولا دامية قتل وشرد فيها مئات الآلاف.

تقرير المصير
توالت الأحداث ليظهر أول اتفاق لتقرير المصير بين الحركة الشعبية لتحرير السودان- جناح الناصر برئاسة لام أكول وبين حكومة الإنقاذ الوطني بزعامة الرئيس السوداني عمر البشير في يناير/كانون الثاني 1992، وضمن هذا الحق عام 1995 في إعلان أسمرا للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض الذي كان يضم قوى المعارضة الشمالية إضافة للحركة الشعبية لتحرير السودان.

وفي العام 2001 تم توقيع مذكرة تفاهم بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الشعبي المعارض بزعامة حسن الترابي (الحليف السابق الرئيس البشير).

وفي 2002 خطا السودان خطوات مهمة على طريق السلام، وكان أبرز ما شهده هذا العام توقيع الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في نيروبي اتفاقا لوقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر في جبال النوبة التي تعتبر أحد المعاقل الأساسية للمتمردين.
 
علي عثمان وجون قرنق وقعا اتفاقية أنهت أكثر من عقدين من الحرب (الفرنسية-أرشيف)
بروتوكول مشاكوس
وبعد فترة قصيرة من محادثات كينيا، وقعت الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان بروتوكول مشاكوس لإنهاء الحرب الأهلية، وبموجب هذا الاتفاق وافقت الحكومة على منح الجنوب الحق في تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات.

وفي عام 2003 وقع طرفا المحادثات في نيفاشا بكينيا بزعامة علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني وزعيم الحركة الشعبية جون قرنق اتفاقا أمنيا يسمح بدمج القوات في مناطق معينة متنازع عليها ويحتفظ الطرفان بقوات مسلحة منفصلة في المناطق الأخرى.

اتفاقية السلام
وفي يناير/كانون الثاني 2005 وقع الطرفان اتفاق السلام الذي تضمن وقفا دائما لإطلاق النار وبروتوكولات تقاسم السلطة والثروة وحل النزاع في جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق وبروتوكول حلّ النزاع في أبيي، وتضمن الاتفاق آليات مراقبة دولية وفترة انتقالية مدتها ست سنوات تنتهي باستفتاء على تقرير مصير الجنوب.

وجرت المفاوضات برعاية الهيئة الحكومية لدعم التنمية لدول شرق ووسط أفريقيا (إيغاد) وشركائها الأوروبيين، وشهدت دعما دوليا كبيرا، وحضر وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول إحدى جلساتها.

مقتل قرنق
في التاسع من يوليو/تموز 2005 أدى زعيم المتمردين السابق جون قرنق اليمين الدستورية نائبا أول للرئيس السوداني ورئيسا لحكومة الجنوب. كما جرى توقيع الدستور الانتقالي الذي أعطى حكما ذاتيا واسعا للجنوب.

لكن سرعان ما شهدت الخرطوم اضطرابات بين الشماليين والجنوبيين في أجواء الحزن على مقتل جون قرنق في تحطم طائرة في أول أغسطس/آب 2005، والذي خلفه سلفاكير ميارديت في جميع مناصبه.

المشاركة بالحكم
وفي سبتمبر/أيلول 2005 تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي تسمح للجنوبيين باقتسام السلطة.

في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه شُكلت حكومة الحكم الذاتي في الجنوب وذلك تماشيا مع بنود اتفاقية السلام الشامل، وقد أدار المتمردون السابقون الحكومة الجنوبية.

وفي مارس/آذار 2008 حدثت اضطرابات دامية في منطقة أبيي الغنية بالنفط، أجرى الشريكان بعدها مفاوضات اتفقوا فيها على إحالة الأمر لهيئة تحكيم دولية.

في 22 يوليو/تموز 2009 أصدرت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي قرارها بشأن أبيي بتقليص حدود المنطقة من 18500 كلم2 إلى 10 آلاف كلم2.

حكم لاهاي
في 22 يوليو/تموز 2009 أصدرت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي قرارها بشأن أبيي الذي قضى بتقليص حدود المنطقة من 18500 كلم2 إلى 10 آلاف كلم2، وبناء عليه أصبحت الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10.10.
 
ومنح القرار الشمال السيطرة على حقلين كبيرين للنقط وأعطى حقلا واحدا صغيرا للجنوبيين، وقضى بحق قبيلة دينكا نقوك الجنوبية في تملك غالبية الأرض، الأمر الذي اعترضت عليه قبيلة المسيرية الرعوية التابعة للشمال قائلة إنه حرمها من مناطقها التاريخية.

"
في 22 يوليو/تموز 2009 أصدرت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي قرارها بشأن أبيي بتقليص حدود المنطقة من 18500 كلم2 إلى 10 آلاف كلم2

"
قانون الاستفتاء
في 29 ديسمبر/كانون الأول 2009 صدر قانون الاستفتاء الذي حدد آليات الاستفتاء لتقرير مصير الجنوب بعد خلافات بين الشريكين في البرلمان بشأن من يحق له التصويت من الجنوبيين وتشكيل مفوضية الاستفتاء. وإلى جانب قانون الاستفتاء، شهد تحالف الشريكين شدا وجذبا بشأن ما عرفت بقوانين التحول الديمقراطي.

وخلال حملة الدعائية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في العام 2010 قررت الحركة الشعبية لتحرير السودان سحب مرشحها لانتخابات الرئاسة السودانية ياسر عرمان، لكنها قررت الاستمرار في المشاركة في الانتخابات البرلمانية. وقد حقق شريكا الحكم فوزا كاسحا في الانتخابات (حزب المؤتمر الوطني بالشمال والحركة الشعبية بالجنوب).

مفوضية الاستفتاء
في نهاية يونيو/حزيران 2010 أعلن عن تشكيل المفوضية التي ستشرف على عملية الاستفتاء من تسعة أعضاء، خمسة من الجنوب وأربعة من الشمال. ويرأس المفوضية محمد إبراهيم خليل ولها مكتب بجوبا يرأسه نائب رئيس المفوضية، وتتبع للمفوضية لجان عليا وأخرى فرعية إضافة لرؤساء مراكز التصويت.

في ذات الشهر دخل الطرفان في مفاوضات بالخرطوم بشأن ترتيبات ما بعد الاستفتاء وسط خلافات بشأن ما تعرف بالقضايا العالقة في اتفاق السلام ومنها الحدود وتقاسم العائدات النفطية، كما أجرى الجانبان مفاوضات في أديس أبابا بشأن منطقة أبيي والاستفتاء المقرر بشأنها.

في 24 سبتمبر/أيلول 2010 انعقد مؤتمر بشأن مستقبل السودان في واشنطن شارك فيه قادة أربعين دولة بينهم الرئيس الأميركي باراك أوباما بحضور سلفاكير ميارديت وعلي عثمان محمد طه نائبي الرئيس السوداني، وقال بيان أصدره الاجتماع إن شريكي الحكم بالسودان تعهدا "ببذل كل الجهود" لضمان إجراء الاستفتاء على مصير جنوب السودان في موعده في يناير/كانون الثاني المقبل.

ترسيم الحدود
وفي أغسطس/آب 2010 أكد رئيس اللجنة الفنية لترسيم الحدود بين شمال وجنوب السودان البروفيسور عبد الله الصادق اكتمال ترسيم الحدود بنسبة 80%، لينحصر الخلاف في خمس مناطق فقط.

ومع تصاعد الخلافات بين الطرفين بشأن أبيي، طلب رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت من مجلس الأمن الدولي إقامة منطقة عازلة بعرض 32 كلم على طول الحدود بين الشمال والجنوب بعد ذلك أعلنت الأمم المتحدة أنها أعادت نشر قواتها في منطقة أبيي.

بموازاة ذلك ازدادت وتيرة الحملات الدعائية، وأعلنت الحركة الشعبية تفضيلها خيار الانفصال في الاستفتاء، في حين أعلن حزب المؤتمر الوطني تبنيه حملة تغليب خيار الوحدة.

وفي 5 أكتوبر/تشرين الثاني 2010 حددت مفوضية الاستفتاء يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني القادم موعدا لبدء عملية تسجيل الناخبين الذين يحق لهم المشاركة في الاستفتاء، مشيرة إلى أن تسجيل الناخبين سيستمر ثلاثة أسابيع وسينتهي في الرابع من ديسمبر/كانون الأول القادم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة