هل سيقضي "روزيتا" على مخاوفنا من النيازك والمذنبات؟   
الأحد 21/11/1435 هـ - الموافق 14/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:23 (مكة المكرمة)، 14:23 (غرينتش)

د. وحيد محمد مفضل*

رغم الإنجازات والاكتشافات العلمية المتلاحقة المتحققة في مجال علم الفلك واستكشاف الفضاء الخارجي لا تزال هناك أسئلة كثيرة حائرة بشأن الكواكب والأجرام السماوية الخارجية وغيرها من عناصر المجموعة الشمسية، ولا تزال هناك العديد والعديد من الأسرار التي لم يتم كشفها أو إماطة اللثام عنها حتى الآن.

من ذلك مثلا طبيعة التركيب الكيميائي للمذنبات ودورها المحتمل في نشأة الحياة، ومدى الخطر الذي يمكن أن تسببه للأرض، لذا فإن الجهود والمهام الفضائية تتتابع بجدية وإصرار من أجل محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة.

ومن أبرز هذه الجهود على سبيل المثال الرحلة التاريخية التي تهدف إلى تعقب المذنبات في الفضاء واستكشافها وسبر أغوارها، ويقوم بها المسبار الفضائي "روزيتا" الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) منذ أكثر من عشر سنوات.

صورة المذنب 67 بي التقطت بواسطة المسبار "روزيتا" (رويترز)

ما هي النيازك والمذنبات؟
المذنبات (Comets) هي أجسام جليدية غير منتظمة الشكل وهائلة الحجم توجد وتسبح بأعداد كبيرة حول الشمس في مدار إهليلجي (Elliptic) شديد الاستطالة، وهي تتكون من كرات متجمدة من الجليد وبعض الغازات المتأينة والممتزجة بالغبار والقطع الصخرية التي يمكن أن يتراوح حجمها بين بضعة أمتار وعشرات الكيلومترات.

ولعل هذا هو سبب ظهور ذيلين أو ذيل واحد أحيانا خلف المذنب عند اقترابه من الشمس، حيث تتسبب الرياح الشمسية في تبخير الغازات وانطلاقها خارج الكرة المتجمدة بسرعة كبيرة، مكونة ذنبا أو ذيلا غازي عادة ما يكون مستقيم الشكل، كما تتسبب في تحرير الغبار المتجمد وخروجه هو الآخر بسرعة مكونا ذنبا غباريا عادة ما يكون منحني الشكل.

ومن أشهر المذنبات المعروفة لنا المذنب "هالي" الذي يدور حول الشمس مرة كل 76 سنة تقريبا، والذي أمكن رصده ورؤيته لأول مرة بواسطة عالم الفلك الإنجليزي إدموند هالي عام 1682، وتم رصده بعد ذلك في أعوام 1758 و1835 و1910 و1986.

وهناك نوعان من المذنبات، مذنبات طويلة الأمد تتراوح فترات دورانها حول الشمس بين مائتي سنة وثلاثين مليون سنة، ومذنبات قصيرة الأمد تقل فترات دورانها حول الشمس عن مائتي سنة.

وتعتبر سحابة "أورت" -وهي سحابة من الصخور والغبار يعتقد أنها تحيط بالمجموعة الشمسية- مصدر المذنبات طويلة الأمد.

كما يعتقد أن المذنبات القصيرة الأمد تأتي من نطاق من المذنبات يسمى حزام "كويبر" يقع وراء مدار بلوتو، وهناك كثير من العلماء يعتقدون أن النيازك والشهب ربما تكون من مخلفات المذنبات وبقايا عملية هدم أو بناء للأجرام السماوية.

وتختلف المذنبات عن النيازك والشهب في الحجم والتركيب ومدى الخطر الذي يمكن أن تسببه للأرض.

فالنيازك (Meteorites) عبارة عن أجسام صخرية متفاوتة الحجم تسبح في الفضاء الخارجي، وأحيانا تخترق الغلاف الجوي لكوكب الأرض بسبب اقترابها من الأرض ووقوعها في مجال الجاذبية الأرضية، حيث تحترق في هذه الحالة بسبب الاحتكاك الناتج عن عملية الاختراق، الأمر الذي يجعل النيزك يتوهج وينشأ عنه ذيل مضيء من الغازات والجسيمات المنصهرة لتتساقط أجزاؤه في النهاية كنجوم مضيئة أو لامعة ويطلق عليها في هذه الحالة اسم "شهب" (Meteors) من دون أن تتسبب في أي أذى أو ضرر.

وتتساقط النيازك والشهب على عكس المذنبات بأعداد كبيرة كل يوم على الأرض من دون أن نشعر بذلك أو نحس بالخطر، وذلك إما بسبب احتراقها بالكامل عند اختراق الغلاف الجوي وسقوطها كشهاب، أو بسبب تفتت الأحجار النيزكية إلى أجزاء صغيرة جدا، لا يمثل حجمها ولا سرعتها أي خطر عند سقوطها أو اصطدامها بالأرض إلا في حالات نادرة وقليلة جدا.

علماء أوروبيون يتابعون تحرك "روزيتا" ويستقبلون الصور التي يرسلها (غيتي/الألمانية)

المخاطر المحتملة للنيازك والمذنبات
يقدر العلماء أن ما يصل إلى الأرض يوميا من الأحجار النيزكية يتراوح بين ألف وأكثر من عشرة آلاف طن، تسقط أغلبيتها الساحقة على شكل شهب محترقة أو فتات صخري صغير جدا وغبار دقيق الحجم من دون أن تلاحظ أو تتسبب في أي أذى، كما سبق وذكر.

ومع ذلك قد يحدث أحيانا أن يخترق أحد النيازك الكبيرة الحجم الغلاف الجوي للأرض من دون أن يحترق بالكامل، لتسقط في النهاية بقاياه الصخرية مرتطمة بقوة شديدة بسطح الأرض، محدثة انفجارا كبيرا وخسائر غير محمودة.

ولعل أقرب الأمثلة على هذا اختراق نيزك قطره 17 مترا ووزنه عشرة آلاف طن الغلاف الجوي للأرض في فبراير 2013، وسقوطه على منطقة غير مكتظة بالسكان في مقاطعة تشيليابينسك بجنوب غرب سيبيريا، مما تسبب في حدوث دمار محدود في دائرة نصف قطرها نحو مائة كيلومتر، وإصابة زهاء 1500 شخص جراء تحطم النوافذ وقوة الصدمة.

وقد شهدت سيبيريا قبل ذلك حادثتين مماثلتين، الأولى في يونيو عام 1908، وتسببت في تدمير عشرين كيلومترا مربعا من الغابات، والثانية وقعت عام 1947 وأدت هي الأخرى إلى حدوث دمار هائل. وقد أمكن حتى الآن اكتشاف حوالي 175 حفرة أو فوهة تكونت ونتجت عن سقوط واصطدام النيازك بسطح الأرض.

والواقع أن الديناصورات قد اختفت عن وجه البسيطة منذ 65 مليون سنة بهذه الطريقة نفسها، وإن كان بسيناريو أكثر مأساوية، حيث ترجح أكثر من نظرية علمية اصطدام أحد النيازك الضخمة بسطح الأرض في نهاية العصر الجوراسي بسرعة تسعين ألف كيلومتر، مما نتج عنه حدوث شتاء نووي أعقبه عصر جليدي تسبب في النهاية في تدمير 70% من النباتات والأحياء الموجودة والقضاء من ثم على تلك المخلوقات الضخمة.

والمذنبات يمكن أيضا أن تشكل هي الأخرى تهديدا حقيقيا وكبيرا للأرض، بل إن هذا الخطر قد يفوق كثيرا وبمراحل مقدار الخطر الناتج عن سقوط النيازك، وهذا على الرغم من أن احتمال اصطدام نيزك بالأرض يزيد على احتمال اصطدام المذنب بأكثر من مائة مرة، وهذا يرجع إلى صعوبة التنبؤ بمسار المذنب بسبب انطلاقه بسرعة كبيرة للغاية تفوق سرعة النيازك بثلاث مرات، وهو ما يصعب من إمكانية رصد سقوطه في وقت مناسب، ويزيد في الوقت نفسه من قوة الاصطدام بمقدار تسعة أضعاف.

ونظرا لدوران معظم المذنبات حول الشمس في مدار إهليلجي مستطيل فإن احتمال تداخلها واختراقها المدارات الدائرية للكواكب -ومنها الأرض- واصطدامه بأحدها في النهاية أو بأحد توابعها يبدو واردا للغاية.

وقد حدث سيناريو مشابه لهذا تماما في يوليو 1994 حينما اصطدم المذنب المعروف باسم شوماخر ليفي-9 بسطح كوكب المشتري، ونتج عن ذلك تحرير كمية هائلة من الطاقة وتكونت سحابة غبارية ضخمة استمرت عدة أسابيع بسبب قوة الاصطدام، لذا فإن الأمر نفسه غير مستبعد الحدوث بدرجة أو أخرى لا قدر الله مع كوكب الأرض.

نيزك يتقاطع مع درب التبانة في مشهد مصور من جزر المالديف (الأوروبية)

إنجازات "روزيتا" والآفاق المنظورة
وعلى الرغم مما تمثله النيازك والمذنبات من خطر فإنها يمكن أن تكون أيضا مصدر نفع وفائدة، وهذا من واقع غناها وغنى الفوهات المحيطة بها بالمعادن الثمينة والخامات الاقتصادية النفيسة.

وفضلا عن هذا، يعتقد علماء الفلك أن المذنبات على وجه الخصوص قد لعبت دورا في إمداد كوكب الأرض بالمياه، وهذا من واقع الجليد المتجمد الذي تحويه.

لذا ومن هذا المنطلق فقد أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) -ومن قبلها وكالة "ناسا"- أكثر من مهمة فضائية لدراسة المذنبات وبقية الأجرام السماوية السيارة، لعل هذا يسهم في درء المخاطر المحتملة والكامنة فيها أو يسهم في الاستفادة من نفائسها وعطاياها.

وتعتبر مهمة المركبة "روزيتا" التابعة لوكالة إيسا -التي أطلقت في مارس 2004 بغرض اللحاق بالمذنب "67 بي/تشوريوموف جيراسيمنكو" ودراسته عن قرب- من أبرز هذه المهمات، بل يمكن القول إنها المهمة الأبرز والأنجح حتى الآن على مستوى دراسة المذنبات، ذلك أنها المرة الأولى التي تدور فيها مركبة فضائية حول مذنب عوضا عن التحليق بالقرب منه لالتقاط صور كما فعلت المركبة الأميركية "ديب إمباكت" من قبل، وهي أيضا المرة الأولى التي يجري التخطيط فيها لإنزال مسبار على سطح المذنب، وهو ما ينتظر تحقيقه بالفعل في 11 نوفمبر القادم حسب الجدول الزمني المحدد للمهمة وخطة العمل التي تسير بنجاح منقطع النظير حتى الآن.

وتبلغ أبعاد المذنب 67 بي -الذي تم اكتشافه عام 1969- ثلاثة كيلومترات ونصف كيلومتر عرضا في أربعة كيلومترات ونصف كيلومتر طولا، ويزن عشرة بلايين طن، وهذا يعطي فكرة عن حجم الدمار والضرر الحادث إذا ما قدر الله واصطدم مثل هذا المذنب بسطح الأرض.

وقد أطلقت "إيسا" اسم "روزيتا" (Rosetta) على المركبة الرحالة تيمنا بحل لغز "حجر رشيد"، كما أطلقت على مسبارها المقرر إنزاله على سطح المذنب 67 بي اسم "فيله" نسبة إلى معبد فيله في جنوب مصر.

وقد استقطب "روزيتا" بالفعل اهتمام العالم أجمع في أواخر الشهر الماضي حينما نجح في الاقتراب لمسافة ثلاثين كيلومترا من ذلك المذنب، ومن التقاط صور ثلاثية الأبعاد غير مسبوقة لسطح المذنب.

وقد اتضح من هذه الصور أن المذنب شكله مستطيل ويشابه إلى حد ما شكل البطة، وليس مثل كرة الروغبي كما كان يعتقد سابقا، كما أسهمت الصور الملتقطة في توضيح السمات الطبوغرافية والتضاريس المميزة للمذنب.

وفضلا عن هذا، ينتظر أن تسهم تجربة اقتراب "روزيتا" من المذنب بهذا الشكل في درء المخاطر المحتملة على الأرض من المذنبات، حيث يقترح بعض العلماء إطلاق "روبوت آلي" وقت الخطر يستطيع التحليق بالقرب من المذنبات وغيرها من الأجرام الفضائية المنفلتة، محاولا تحييدها وجرها بعيدا عن مسارها المدمر.

وعلى هذا، فإن النتائج التي أرسلتها المركبة "روزيتا" حتى الآن توضح أنه لا يزال هناك الكثير والكثير لنتعلمه من المذنبات وعنها، وهذا على عكس ما كان يعتقده عالم الفلك الأمريكي "فريد ويبل" من أن المذنبات ليست إلا "كرات ثلج قذرة"!

_______

* باحث حاصل على الدكتوراه في الدراسات البيئية والاستشعار عن بعد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة