التحليق على ارتفاع منخفض   
الجمعة 1437/12/14 هـ - الموافق 16/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:31 (مكة المكرمة)، 15:31 (غرينتش)

إبراهيم صموئيل

لطالما سئل الكاتب العربي: حين تنشئ نصك، هل تمد سلطة الرقيب الخارجي أو الداخلي ظلها على كتابتك؟ على الأغلب يكون جواب الكتاب: لا! وعلى الأغلب يضيفون إلى نفيهم القاطع تأكيدا يفيد بأنهم حين يدخلون مكاتبهم، فإنهم يتحررون من كل وصاية ورقابة وسلطة داخلية أو خارجية.

ويبدو أن في محتوى هذا الجواب ما يغري الكاتب بتبنيه درءا لأي ظن أو اشتباه لدى القراء بأن نصه مشوب بالخوف والقلق والمحاذرات، الأمر الذي يضعف من انتساب النص إلى صاحبه انتسابا كاملا، أو الأمر الذي يضع الكاتب -الذي يفترض أنه صاحب قلب شجاع لا يتهيب- موضع المداري أو المجامل أو.. الممتثل!

بعض الكتاب -على العكس- يرون أن الرقيب الخارجي في عالمنا العربي موجود وحاضر دوما، سواء من مؤسسات السلطة والأنظمة السياسية، أو من المؤسسات الدينية، أو الأخرى الاجتماعية والتربوية وغيرها؛ بحيث لا يمكن للكاتب بحال من الأحوال إغفال ضغط الرقيب، أو تجاهل ممنوعاته وخطوطه الحمراء أثناء الكتابة.

أكثر من ذلك -والكل يجمع على أنه الأخطر- الأثر الخفي، وغير المباشر للرقابة، والذي يتغلغل في لا شعور الكاتب، في ذهنه وبنيته النفسية، في وهمه من أنه حر وطليق وغير آبه بالرقابة والرقباء. وهذا الكامن المخادع لا يظهر للكاتب حتى حين يتساءل في نفسه، ويكاشف ذاته.

وأعتقد أن نفي وجود وتأثيرات الرقيب الخارجي أو الداخلي قول مبالغ به -ولا أقول غير صادق- سببه الرئيس رغبة الكاتب في التأكيد لذاته أن أفكاره ونصوصه خارج الرقابة وسطوتها وتأثيراتها السلبية على إبداعه. أما واقع الحال، فالحياة العربية -وحقل الثقافة من جملتها- ما زالت ترزح تحت هيمنة رقابات متعددة.

بعض الكتاب يرون أن الرقيب الخارجي في عالمنا العربي موجود وحاضر دوما، بحيث لا يمكن للكاتب بحال من الأحوال إغفال ضغط الرقيب، أو تجاهل ممنوعاته وخطوطه الحمراء أثناء الكتابة

محظورات
وبالطبع، فإن ما سبق لا يعني بحال انعدام وجود أي إمكانية لدى الكاتب العربي في ضرب كل الرقابات بعرض الحائط. ولا يعني استحالة تجاوزه لمختلف المحظورات، والإطاحة بها كلها، وإنشاء نص متحرر من كل محظور.

حتما، خارج عالمنا العربي، بإمكانه ذلك. وقد قرأنا لعديد من الكتاب العرب المقيمين في أوروبا والدول الغربية، أعمالا روائية عدة اتسمت بالتخلص من الرقابات على اختلافها، وانتشرت ولاقت إقبالا، بصرف النظر عن الأسباب وراء شهرة هذه الأعمال والإقبال على قراءتها، إذ هذا ليس موضوعنا هنا.

أما داخل بلداننا العربية، فلا بد لكاتبنا من التحليق على ارتفاع منخفض، إذ لكي يمكن له القيام بضرب كل المحظورات الرقابية والمحرمات الاجتماعية بعرض الحائط، فإن عليه أن يكون -قبلا- قد قام بضرب كل العواقب والنتائج والتبعات، من أي نوع كانت، بعرض الحائط.

ومن دون ذلك، فلا بد للذاكرة أنْ تستحضر من القريب الحديث لماضينا، أسماء مثل طه حسين وعلي عبد الرازق ونصر حامد أبو زيد وحيدر حيدر.. كعينة فحسب على موضوعنا.

وأود هنا أن أشير إلى أن منظومة الرقابات والمحظورات ليست رداء نخلعه حين نشاء. هي في الصميم من التربية والتنشئة: في البيت والمدرسة والشارع والعمل والحارة والقرية والمدينة والبلد. فنحن ولدنا تحت وطأة مختلف الرقابات والمحرمات -بالمعنى العريض العميق للكلمة- منذ مئات السنين، توارثنا الهلع والخوف والخشية والتواري والتحسب والتداري والمحاذرة والتنبه والتيقظ والتقية والتحوط.

ولنكون أحرارا -من الداخل أولا- لا بد من تغيير شامل. تغيير لا يتعلق بالكاتب أو بالقارئ أو بالرقيب أو بأي فرد بعينه أو جهة بعينها، وإنما بكل ما يمت إلى حياتنا ويتعلق بها ويؤثر فيها ويثقل عليها ويرسم مسارها وآفاقها.

بعد ذلك، لن يسأل أي كاتب أو فنان هل تنيخ الرقابة الخارجية أو الداخلية عليك وأنت تنجز إبداعك؟ ذلك لأن الحياة التي فرضت السؤال تكون قد تغيرت أساسا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة