الغنوشي: مستقبل تونس مرتبط بالحوار   
الخميس 1435/1/4 هـ - الموافق 7/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 21:15 (مكة المكرمة)، 18:15 (غرينتش)
الغنوشي قال إن هناك قوى خارجية استهدفت الربيع العربي وتعمل على طي صفحته (الجزيرة)

حاورته-رانيا الزعبي

قال زعيم حزب حركة النهضة وأكبر أحزاب الترويكا الحاكمة في تونس راشد الغنوشي إنه لا مجال للخروج من الأزمة السياسية في تونس إلا بالحوار للوصول لتوافق بشأن شخصية رئيس الحكومة المقبلة.

وانتقد الغنوشي في حوار مع الجزيرة نت رفض قوى المعارضة لشخص أحمد المستيري لرئاسة حكومة الكفاءات، وأكد أن النهضة لن تتنازل عن الحكم إلا "ليد مؤتمنة قادرة على تنظيم انتخابات نزيهة وديمقراطية".


 إلى أين تتجه الأمو في تونس بعد التعثر الذي شهده مسار الحوار الوطني بشأن الاتفاق على شخصية رئيس حكومة كفاءات تتولى إدارة البلاد ريثما تجري الانتخابات؟

تونس متجهة إلى وفاق، ليس هناك طريق غير الحوار، ولا بديل عن الحوار إلا الصراع. وتونس حاليا تمر بمرحلة انتقالية جديدة هي مرحلة التزاوج بين الشرعية الانتخابية والشرعية الوفاقية، وذلك بعد أن قبلت النهضة بجزء مما طالبت به المعارضة، التي كان معظمها يطالب بإنهاء شرعية انتخابات 23/10/2011، باعتبارها قد استنفذت، وبالتالي كانت المعارضة تطالب بحل الحكومة وحل المجلس التأسيسي.

الأمر الغريب وغير المفهوم أن معظم أحزاب المعارضة لم تؤيد مقترح تولي المستيري للحكومة، وتصدت له بشراسة، دون أن تفلح بالإدلاء بحجة مقنعة لهذا الرفض، غير عامل السن، بينما يتزعم المعارضة شيخ في مثل سن السيد المستيري، هو السيد باجي قايد السبسي

وللخروج من هذا الخلاف الذي زادت حدته بحصول اغتيالات سياسية وأعمال إرهابية، قام المجتمع المدني ممثلا في الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد رجال الأعمال ونقابه المحامين، ورابطة حقوق الإنسان بتقديم مبادرة للخروج من الأزمة، عبر حل وفاقي يتمثل في حل الحكومة القائمة، واستبدالها بحكومة كفاءات (تكنوقراط) يقع اختيارها بالتوافق عبر حوار وطني.

أما جزؤها الثاني فيتمثل بالإبقاء على المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) ودعوته لاستكمال سن الدستور. وهناك الهيئة الانتخابية التي ستحدد موعد الانتخابات القادمة، على أن تتم هذه الأعمال خلال شهر، وتكون البلاد عندئذ قد تهيأت لدخول مرحلة الإعداد للانتخابات، بقيادة حكومة كفاءات.

قبلنا خريطة الطريق هذه، وقبلتها معظم الأحزاب المعارضة، وعلى أساس ذلك انعقد مؤتمر الحوار الوطني، منذ أسبوعين تقريبا، وبدأ العمل على المسارين، الحكومي بالبحث عن رئيس توافقي للحكومة، وعلى المسار التأسيسي بعودة نواب المعارضة المنسحبين، واستئناف العمل التأسيسي والدستوري.

ولم يتم حتى الآن التوافق حول رئيس الحكومة، قدمت عدة مقترحات، الترويكا الحاكمة أيدت تشيح السيد أحمد المستيري، ليكون رئيسا للحكومة، بسبب ما تتمتع به شخصيته من استقلال واستقامة، وهو يعتبر سابقة في مناصرة الديمقراطية، باعتباره أهم رائد للديمقراطية بتونس، فهو أول من أسس حزبا للمعارضة، وأول من أنشأ جريدة للمعارضة، وظل معارضا للعهدين، عهد الحبيب بورقيبة وعهد زين العابدين بن علي.

إلا أن الأمر الغريب وغير المفهوم أن معظم أحزاب المعارضة لم تؤيد هذا المقترح، بل تصدت له بشراسة، دون أن تفلح بالإدلاء بحجة مقنعة لهذا الرفض، غير عامل السن، بينما يتزعم المعارضة شيخ في مثل سن السيد المستيري، هو السيد باجي قايد السبسي، الذي قاد المرحلة الأولى الانتقالية بالبلاد بعد الثورة بنجاح، أي قاد البلاد لإجراء أول انتخابات حرة نزيهة في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وهي نفس المهمة المطلوبة اليوم من المستيري. ونأمل أن يراجع زملاؤنا بالمعارضة موقفهم غير المفهوم الرافض لزعامة السيد المستيري.

والسؤال المطروح هنا هو هل جاء رفض المعارضة فقط بسبب أن النهضة أيدت المستيري، أي هل الأمر مجرد مناكفة للنهضة، أم لأن شخصية الرجل واستقامته وتاريخه الديمقراطي يجعله عصيا على التطويع، والضغط عليه لينقلب على النهضة.


هل للنهضة علاقة مميزة مع السيد المستيري، لذلك تمسكت به؟

علاقتنا جيدة معه، ولا أحد يطعن بشخصية الرجل، وبتاريخه وبقوة شخصيته، فهو رجل دولة من طراز رفيع، ومن رجال الحركة الوطنية، وشغل وظائف كبرى بالدولة، فهو كان وزيرا للداخلية والدفاع وسفيرا، كما كان رئيسا للمعارضة.


 
إذن نفهم منكم أن النهضة لا زالت متمسكة بالمستيري، رغم التعثر الذي شهده الحوار الوطني وإعلان الوسيط الرباعي تعليق الحوار؟

النهضة لا زالت متمسكة، وترفض رفضا مطلقا المقترحات الأخرى. وكان الجميع قد اتفقوا على ترشيح أربعة أشخاص، أحدهم هو المستيري، ثم اتفقوا بعد ذلك على اثنين كان المستيري أحدهما، ولكنهم بعد ذلك رفضوا أن يكون المستيري رئيسا للحكومة.

وأمام هذا المأزق تقدم السيد أحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري بمقترح، أطلق عليه مقترح إدماجي، بمقتضاه يمثل المرشحون الأربعة فريقا قويا في الحكومة، بحيث يكون المستيري رئيسا، وقد قبل الرجل أن يكون المرشح الثاني محمد الناصر نائبا له، ولكن ظل نفس الرفض.


 ومع هذا الواقع إلى أين تتجه الأمور من وجهة نظركم؟

الآن هناك محاولات لإقناع الرافضين بالقبول بالمستيري أو البحث عن بدائل أخرى.


 ولماذا لا تكون المحاولات لإقناع النهضة بقبول مرشح المعارضة محمد الناصر؟

النهضة لن تقبل.


 بعض أطراف المعارضة تقول إن النهضة تريد أن تخرج من باب الحكم، وتعود من الشباك، وأنها وجدت ضالتها بشخص المستيري الذي تستطيع أن تسيطر عليه، وأن تبقى هي الحاكم الفعلي.

لا يوجد أحد في جلسات الحوار الوطني، تحدث بهذا، واتهم المستيري بأنه نهضاوي، أو أن شخصيته من الهشاشة بحيث يكون قابلا لأن يكون ألعوبة بيد الآخرين، لا أحد تجرأ خلال جلسات الحوار على قول مثل هذا الرأي، فالرجل معروف باستقلاليته التي تبلغ حد العناد، لم نسمع بمثل هذا النقد في جلسات الحوار الوطني.


 ما الذي تخشاه النهضة إذا جاء رئيس للحكومة غير المستيري؟ المعارضة تقول إن النهضة تخشى أن تأتي حكومة تحاسبها على التجاوزات التي ارتكبتها خلال عامين من الحكم.

نحن أول حزب بالتاريخ يسلم الحكم الذي اكتسبه بالشرعية، ونسلم الحكم عبر الوفاق والحوار، من أجل وضع البلاد على خريطتها الانتخابية، وأن يكون لها دستور وأن نضعها على مسارها الديمقراطي

نحن نختار المستيري لأنه ذو استقامة ورجل دولة، وهو ضمانة للنهضة وغيرها، وعليه إجماع، ولم يتورط بما ارتكبته الأنظمة السابقة، ولم يتهمه أحد بأنه تابع لأي حزب.

وما نخشاه هو أن يأتي رئيس حكومة لا يتمتع بهذه الصفات، نحن نريد العدل ومن حقنا أن نخشى الظلم، نخشى أن يتولى الحكم مسؤولون غير نزيهين. نحن نتولى الحكم حاليا، ومؤتمنون، ومسؤولياتنا أن نسلم الحكم بالبلاد، ليد أمينة.

نحن أول حزب بالتاريخ يسلم الحكم الذي اكتسبه بالشرعية، ونسلم الحكم عبر الوفاق والحوار، من أجل وضع البلاد على خريطتها الانتخابية، وأن يكون لها دستور وأن نضعها على مسارها الديمقراطي.

وهذه الانتخابات إذا جرت تحت حكم النهضة ستكون محل تشكيك، ولذلك وحرصا منا على تنظيم انتخابات لا يشكك بها أحد، قبلنا بالعديد من التنازلات، لكن لمن نتنازل، يجب أن نتنازل لجهة مؤتمنة، والسيد المستيري لم يطعن أحد بأمانته.

والحكم بيدنا نحن، والمستيري شخصية توافقية كان من ضمن المرشحين الأربعة، ومن ثم بين مرشحين اثنين، فلماذا يرفضونه؟


 كيف استفادت النهضة مما حدث في ثورة مصر بعد فوز الإخوان المسلمين؟

منذ البداية نحن سرنا بطريق الوفاق، فشكلنا حكومة بين حزب إسلامي وحزبين علمانيين، مع أنه كان بإمكاننا تشكيل حكومة نهضوية بالكامل. ونحن الآن بصدد توسيع الوفاق بحيث لا يقتصر على حزبين اثنين بل يتسع للجميع، إما عن طريق حكومة وطنية موسعة، أو حكومية غير حزبية.

ونحن في النهضة وقبل أن يحصل ما حصل في مصر، تنازلنا عن عدد من الوزارات السيادية. ونحن لدينا مرونة، ونأخذ بعين الاعتبار التوازنات القائمة بالبلاد، وكلما شعرنا بضرورة أن نتفاعل مع التوازنات بحثنا عن وفاق جديد، يوسع الوفاق القديم، وذلك كله نابع من المصلحة الوطنية.


 لماذا كل هذه التنازلات وتخليكم عن الحكم؟

بالنسبة لنا ليس المهم أن تكون النهضة بالحكم، بل ما نتطلع إليه هو تأسيس الحياة الدستورية والتحضير للانتخابات التي تقود للديمقراطية، نحن بصدر التأسيس الدستوري للحقوق والحريات، من أجل ذلك تخلينا أولا عن وزارات سيادية ونتخلى الآن عن الحكومة.

 
 المرونة التي تحدثتم عنها، هي التي جعلت المعارضة تتهم حكومتكم بالرخاوة، والتسبب بتغذية وتسلل ما تسميه بالإرهاب لتونس

الإرهاب ليس ظاهرة في تونس فقط، بل هو ظاهرة عالمية، عابرة للحدود، وحدودنا مفتوحة، والآن يتم تهريب الأسلحة عبرها، خاصة من ليبيا، ونحن لسنا في جزيرة معزولة، والإرهاب ضرب تونس في عهد زين العابدين بن علي، وقد وقعت العديد من المصادمات والاغتيالات، وكان نظامه استبداديا وعدائيا، وبعد أن جاءت الثورة أطلقت سراح قرابة ثلاثة آلاف من السلفيين الجهاديين الذين اعتقلهم بن علي، هم تمتعوا بالحرية مثلهم مثل جميع المعتقلين الذين أطلق سراحهم بعد الثورة.


 إذن ليست حركة النهضة التي أطلقت سراحهم كما تقول المعارضة

لقد أطلق سراحهم بعد الثورة وقبل مجيء النهضة للحكم.


 ثم كيف تصرفت النهضة؟

ليس المهم أن تكون النهضة بالحكم، بل ما نتطلع إليه هو تأسيس الحياة الدستورية والتحضير للانتخابات التي تقود للديمقراطية، نحن بصدر التأسيس الدستوري للحقوق والحريات، من أجل ذلك تخلينا أولا عن وزارات سيادية ونتخلى الآن عن الحكومة.

بعد أن أطلق سراحهم، لجأ بعضهم لتهريب الأسلحة، والقيام بعمليات إرهابية، واصطدمت معهم القوات الأمنية واعتقلت عددا منهم وقتلت آخرين، والمعركة متواصلة مع العنف.


 وأين النهضة من كل هذا؟

النهضة هي الحكومة وبالتالي هي التي تدير العمليات الأمنية ضد الإرهاب.


 ولكن المعارضة تقول إن النهضة هي المسؤولة عن انفلات السلفيين الجهاديين لأنها اختارت منذ البداية طريق الحوار معهم، وليس القبضة الشديدة

هذا كان بالبداية، نحن تحاورنا معهم، لإقناعهم بأن تصورهم للإسلام غير صحيح، وأن الإسلام ليس دين قتل وإرهاب وإقصاء، بل عدل ورحمة، وسعينا لإقناعهم بالعمل في إطار قانوني من خلال تأسيس جمعيات وأحزاب بعيدا عن وسائل العنف، وقد استجاب عدد منهم ونبذ العنف، وانخرط بالعمل الحزبي.


 ما موقف النهضة من انخراط شباب تونسيين في ما يسمى "الجهاد" في سوريا؟

نحن لم نشجع على ذلك أبدا ولم نؤيده.


 وما حقيقة تورط تونسيات بما يسمى جهاد النكاح؟

كلام عار عن الصحة، ولم يثبت وجود أية حالة في تونس.

 
 بعد عامين من الحكم، كيف تقيم النهضة التجربة، هل أعادت حساباتها، هل اكتشفت ارتكابها أخطاء؟

نحن لسنا ملائكة، بل بشر لنا إنجازاتنا ولنا "تقصيراتنا".


 هل تتوقعون أن تتمكنوا من العودة للحكم مرة أخرى؟

الشعب هو الذي سيحكم من خلال الانتخابات. 

 
 قياسا على ما حدث بالثورة في مصر، هل تعتقدون أنكم  مستهدفون من قبل قوى داخلية أو خارجية؟

لا شك أن قوى خارجية استهدفت الربيع العربي، وتعمل على طي صفحته، ويتصدر هذه القوى جماعات صهيونية وحلفاؤها من العرب وغيرهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة