نحو وعي جديد للثقافة والتنمية في المغرب   
السبت 19/11/1435 هـ - الموافق 13/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

حينما أعلن المجتمع الدولي النفير من أجل تحقيق التنمية في البلدان الفقيرة التي تعرف عجزا في مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ظلت الثقافة الركن الغائب أو المغيب في قائمة ما سميت بأهداف الألفية للتنمية التي سطرت منذ العام ٢٠٠٠ وإلى غاية ٢٠١٥.

لقد نظر إلى التنمية بوصفها مسلسلا لإشباع حاجيات مادية صرفة عبر مكافحة الفقر وضمان الحق في التعليم وتوفير بنيات الصحة والرعاية الاجتماعية وإقامة البنيات الأساسية.. إلخ.

والحال أن أهمية البعد الثقافي في إحداث التغيير المجتمعي المطلوب نحو الرقي والرفاه ليست مقولة جديدة، بل شددت عليها أدبيات المفكرين والاقتصاديين المعنيين بالفكرة التنموية منذ عقود طويلة، من منطلق تجاوز النظرة الآلية للإنسان كمجموعة رغبات مادية مباشرة.

المجموعة الدولية بالكاد في بداية الطريق لتدارك هذا الخلل، بعد أن اتضح أن إغفال البعد الثقافي ليس خسارة اعتبارية معنوية فقط، بل خسارة اقتصادية مؤكدة قابلة للتقدير المادي. ومع نهاية أجندة أهداف الألفية، شرعت مجموعة الأمم المتحدة للتنمية في التفكير في جدول أعمال جديد لمرحلة ما بعد ٢٠١٥.

وتبلور هذا المشروع من خلال عينة شملت خمسين دولة، كان عليها أن تساهم في تقديم عناصر إجابة عن سؤال "المستقبل الذي نريد".

"مكتبة شاطئية".. ابتكار مغربي لدعم القراءة (الجزيرة)

تنمية ثقافية
على الصعيد العربي حيث يقبع قطاع الثقافة في ذيل الأولويات القومية أمام ضغط حاجيات الفرد الحيوية من شغل وسكن وتعليم وتطبيب، تم اختيار المغرب ضمن مجموعة من خمسة بلدان نامية لتقديم خلاصاتها واختياراتها في مجال ربط الثقافة بالتنمية، إلى جانب البوسنة والهرسك والإكوادور ومالي وصربيا.

وفي مسعى للقطع مع السياسات العمودية الأحادية، شدد المنتظم الأممي على ضرورة أن تتبلور هذه الخيارات الجديدة في إطار تشاركي يدمج المجتمعات المدنية والقطاع الخاص، فضلا عن الشركاء الدوليين.

وبالفعل أطلقت الحكومة المغربية بالتعاون مع مكتب اليونيسكو للمغرب العربي ووكالات الأمم المتحدة استشارة قومية واسعة ينتظر أن تسمح بتجميع تصورات مختلف الفاعلين المعنيين بالشأن الثقافي، مباشرة أو بشكل غير مباشر، في أفق تسطير أهداف ومحاور عمل يتم تقاسمها في مرحلة لاحقة على الصعيد الدولي، وتبنيها بالقرار السياسي والاستثمار المالي الضروري.

ولا يحتاج المرء إلى التسلح بعدة علمية متخصصة لتوطيد القناعة بالمقدرات التي يختزنها القطاع الثقافي بشعبه المختلفة في صنع النهضة المجتمعية وخلق الثروة.

ذلك أن بلدانا عديدة لا تستطيع الاستغناء عن حيوية صناعتها التقليدية وحرفها اليدوية البسيطة المتوارثة عبر الحقب والأجيال في تنشيط اقتصادها الاجتماعي وتحقيق موارد هامة للخزينة العامة، وكذلك الشأن بالنسبة للسياحة الثقافية التي تمر عبر تثمين الكنوز العمرانية الجاذبة لملايين السياح عبر العالم، وحماية الألوان الفنية العتيقة ذات الدلالات الأنثروبولوجية والحضارية، وصيانة المهارات وأنماط الاستغلال التقليدية للمجال والموارد الطبيعية وغيرها.

الحرف التقليدية إرث غني ينعش السياحة الثقافية (الجزيرة)

صناعات إبداعية
والواقع أن البعد الثقافي لا يرتبط حصرا بالإرث الماضوي، بل ينفتح على الصناعات الإبداعية الجديدة التي تشهد نموا عالميا هائلا في الدول المتقدمة، وتعد بإنتاج قيم مادية مضافة عالية. فملايين الدولارات تدور في أسواق صناعة السينما والموسيقى ومختلف أشكال الفرجة في عواصم الفن العالمي، بينما -باستثناءات قليلة ومحدودة- لا يزال الإنتاج الفني والثقافي رهين اجتهادات واستثمارات فردية ومعزولة، ولا يحظى بالأولية في دائرة السياسات العمومية.

وحسب المنهج الذي تبنته اليونيسكو، فإن الثقافة تتخذ في هذا السياق دلالة أنثروبولوجية باعتبارها مصدرا للهوية والقيم والتمثلات، وبصفتها قطاعا للأنشطة يشير إلى مظاهر متنوعة كالتراث الثقافي، المادي واللامادي، والممارسات الثقافية من فنون تشكيلية وموسيقى ومسرح وصناعات إبداعية للكتاب والأفلام، فضلا عن التظاهرات الثقافية من مهرجانات وملتقيات فنية.

وينتظر أن يكون المغرب في غمرة هذا الوعي الدولي الجديد مختبرا للممارسات المجددة في مجال الثقافة والتنمية، علما أنه استبق هذا التوجه الجديد بإعداد إستراتيجية قومية للمحافظة على التراث الثقافي وتثمينه وتأهيله، وأعد قانونا حول الكنوز البشرية الحية، واستفاد من تمويل إسباني لبرنامج دولي بشأن التراث الثقافي والصناعات الإبداعية باعتبارها موجهات للتنمية. 

وتشمل الاستشارة القومية ستة محاور تغطي علاقة الثقافة بمحاربة الفقر، والتعليم، والمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، والمدن المستدامة، والبيئة، والإدماج والمصالحة. وسيكون المغرب مدعوا إلى تقديم نتائج هذه الاستشارة أمام مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ينعقد في فلورنسا الإيطالية ابتداء من الثاني من أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة