الشناشيل شاهد على زمن العراق الجميل   
الجمعة 1434/3/21 هـ - الموافق 1/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:05 (مكة المكرمة)، 12:05 (غرينتش)
الشناشيل  تعاني اليوم من قلة الاهتمام والتآكل وزحف الطرز المعمارية الحديثة (دويتشه فيلله)
 
طالما كانت "الشناشيل" حاضرة في المدونة الأدبية والفنية العراقية المعاصرة، بدءا من قصيدة بدر شاكر السياب "شناشيل ابنة الجلبي" إلى أشعار عبد الرزاق عبد الواحد، واللوحات التشكيلية والأعمال النحتية للفنانين العراقيين، هذا الطراز المعماري الذي طبع بيوت العراق -لاسيما في بغداد والبصرة- يعاني اليوم من عدم الاهتمام والتآكل والقِدم.
 
بين الأزقة الضيقة في سوق حنين بحي "التوراة" التابع لمنطقة "قنبر علي" في جانب الرصافة بالعاصمة بغداد، تقتادك رائحة خشب الساج الرطبة المنبعثة من واجهات تلك المنازل المبنية من الخشب والزجاج، أو "الشناشيل" كما تعرف في اللهجة العراقية.
 
في هذه المنازل -التي ترتبط في الذاكرة العراقية بسحر أنغام آلة المربع والمقام البغدادي، ورائحة الشاي العراقي، وعبق الماضي البغدادي الجميل- تبنى الشناشيل (مفردها شنشنول) -أو الشرفات الخشبية المزخرفة هندسيا بالرسم على الزجاج- لتعمل على إبراز واجهة الطابق الثاني بأكمله أو غرفة من غرفه على شكل شرفة معلقة بارزة إلى الأمام.
 
وتمتاز مناطق الشناشيل -وهي في أغلبها اليوم أحياء شعبية تهيمن عليها روح التقاليد المحافظة- بالبساطة التي تجدها متجسدة في النساء اللاتي يفترشن عتبات تلك البيوت، فيما تقوم الفتيات بالنظر إلى المارة في الشارع من خلف نوافذ الشناشيل الخشبية المرصعة بالزجاج الملون، والتي صممت كالشرفة للتقارب مع البيوت الأخرى.
 
الشناشيل ظهرت لأول مرة في البيوت العراقية بالبصرة خلال القرن السابع عشر (دويتشه فيلله)
روعة المعمار
وبحسب المتخصصين في فن العمارة، فإن الشناشيل ظهرت لأول مرة في العراق بمدينة البصرة في القرن السابع عشر الميلادي، متأثرة بمثيلاتها التركية والهندية. وانتقل هذا الطراز إلى بغداد وباقي مدن العراق.

واشتهر يهود العراق في التاريخ المعاصر ببنائهم لبيوت الشناشيل في أغلب مناطق سكناهم، التي كانت توصف بالمناطق الجميلة والغنية. لكن بعد خروجهم من العراق عانت هذه المناطق من الإهمال، ولم تشهد أي عملية إعمار منذ أربعينيات القرن الماضي.

ويروي عودة عباس خدام -وهو أحد ساكني محلة "التوراة"- تاريخ منطقته التي وصفها بـ"العراق المصغر"، وذلك لتنوعها العرقي والديني والطائفي، إضافة إلى أنها تمثل إحدى أهم المناطق الأثرية التي لا تزال تحتضن بيوت "الشناشيل" منذ أكثر من مائة عام، وهي آخر ما تبقى من المكون اليهودي في منطقتهم.

ويتذكر خدام (73 عاما) طفولته عندما كان حرفيا في ورشة أحد النجارين اليهود بسوق "حنين"، وكان حينها لم يتجاوز الثامنة من عمره. ويستحضر خدام أدق التفاصيل، وكيف كانت "الشناشيل" آنذاك براقة تحت شمس النهار، لتبهر المارة بألوانها وزخرفتها، وكيف كان الضوء ينعكس إلى داخل البيوت ملوناً.

ويضيف الشيخ -الذي عاصر حقبة مهمة من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي- أن "بيوت الشناشيل كان يسكنها أغلب اليهود في المنطقة، الذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة من سكان هذه المنطقة قبل هجرتهم من العراق خلال أربعينيات القرن الماضي".

الأسلوب المعماري الذي امتازت به الشناشيل عن غيرها من بيوت المحلة أضفى عليها نكهة خاصة في تاريخ التراث البغدادي المعماري

قطع فنية
أما ضياء كاطع (53 عاما) -وهو أحد ساكني بيوت الشناشيل- فيرى أن "الأسلوب المعماري الذي امتازت به الشناشيل عن غيرها من بيوت المحلة أضفى عليها نكهة خاصة في تاريخ التراث البغدادي المعماري". ويضيف  أن "هذه البيوت تعتبر قطعاً فنية نادرة لما لها من جمالية في طرازها وهندستها المعمارية".

ويحرص كاطع -الذي عاصر هدم العديد من بيوت الشناشيل- على الإبقاء على بيته بهذا الأسلوب لكونه "تحفة فنية"، رغم هدم العديد من هذه البيوت واستبدالها بمنازل عصرية، أو تحويلها إلى مخازن أو ورش عمل.

ويشير كاطع إلى "ضرورة أن تولي الدولة اهتماما كبيرا لهذه المناطق الأثرية، التي تعتبر جزءا مهماً من تاريخ العراق، وألهمت بسحرها الأدب العراقي والإبداع الفكري والمعرفي".

بقايا إرث معماري
أما المهندس المعماري موفق الخياط فيرى أن "الشناشيل تمثل مزيجا من الفن والعمارة والحضارة، وقد خلدت إرثاً معماريا جميلا"، مبيناً أن "هذا الإرث قد أصابه الخراب على مر الأيام، وهو في انتظار من يعيده إلى الحياة".

زحف العمارة الحديثة مؤخرا بدأ يشكل تهديدا متنامياً للشناشيل، وقد يفضي في نهاية الأمر إلى اندثارها

وعن الأهمية المعمارية للشناشيل، يقول الخياط (45 عاما) إن "الشناشيل -على اختلاف تصاميمها- تمنع دخول أشعة الشمس بصورة مباشرة إلى المنزل، ويتم ذلك بواسطة النوافذ ذات المشبكات الخشبية المثلثة (...)، فضلاً عن توفيرها (الشناشيل) الظل للزقاق أو الشارع"، وبذلك كانت طريقة مناسبة للتخفيف من حرارة البيوت في المناخ العراقي الملتهب صيفاً.

وأضاف أن "الخشب الذي تشيّد منه الشناشيل أسهم في التخفيف من وزن الأبنية آنذاك"، مشيرا إلى أن "سهولة التعامل مع الخشب في مجال العمارة والنقوش أدى إلى تنوع أشكال الشناشيل ومحتواها".

ويختتم الخياط حديثه بقوله إن "وضع الشناشيل في الطابق العلوي من المنزل أدى إلى تقارب سكان بيوت الشناشيل، بحيث يسمح للعائلات بتبادل التحيات والأخبار وشتى الأحاديث من خلالها، مما أثر على تقارب العلاقات الاجتماعية فيما بينهم".

ويوضح المهندس المعماري العراقي أن "الشناشيل تمتاز أيضا بنوع من الخصوصية، إذ تمكن أهل الدار من النظر إلى الخارج وليس العكس"، إلا أنه يحذر أيضاً من أن "زحف العمارة الحديثة مؤخرا بدأ يشكل تهديدا متنامياً للشناشيل، وقد يفضي في نهاية الأمر إلى اندثارها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة