الصين عام 2006 .. زراعة وحصاد   
الجمعة 1427/12/9 هـ - الموافق 29/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:47 (مكة المكرمة)، 10:47 (غرينتش)
 
العالم يسوده التوتر والاضطراب إذاَ الوضع جيد. هكذا قال حكيم صيني يوماً ما وهكذا بدأ عام 2006 أو عام الكلب وفق التقويم الصيني. فالحروب والأزمات التي تشهدها الكثير من بؤر التوتر في العالم وتورط العديد من القوى الكبرى في تلك المستنقعات منح الصين فرصا أفضل لترتيب أوضاعها الداخلية وتعزيز دورها الإقليمي والاستعداد لدخول الحلبة الدولية بعيدا عن المنافسة أو الصدام مع القوى الأخرى.
 
داخليا بدأت الصين عام 2006 بتشريع رفع الضرائب عن الفلاحين الذين يشكلون ثمانين بالمائة من عدد السكان وذلك لأول مرة منذ ثلاثة آلاف عام.
تلك الضرائب التي كانت سببا في هجرة أكثر من 150 مليون فلاح صيني من قراهم إلى المدن في أكبر عملية هجرة جماعية تشهدها الصين في تاريخها . كما أقرت الصين خطتها الخمسية الحادية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
 
وفي مايو/أيار أنجزت الصين مشروع سد المضائق الثلاثة الذي بدأ العمل به عام 1993 ويعتبر أكبر مشروع في العالم لتوليد الطاقة الكهرمائية وبلغت كلفته 23 مليار دولار. بينما اختارت الصين الأول من يوليو/تموز الذكرى الخامسة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني لافتتاح مشروع عملاق آخر وصف بأنه معجزة وهو أطول أعلى خط قطار في العالم يمتد لأكثر من ألفي


كيلومتر ويصل ارتفاعه في بعض المناطق إلى أكثر من خمسة آلاف متر فوق سطح البحر يربط بين مدينة شينين ومدينة لاسا في مقاطعة التبتت سقف العالم، وقدرت تكلفته بأربعة مليارات دولار.
 
لقاء العملاقين الصيني والهندي
أما على الصعيد الإقليمي فإن لقاء العملاقين الآسيويين الصيني والهندي خلال زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو إلى دلهي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أثار اهتماما دوليا بما يمكن أن يشكله هذا التقارب على المشهد الإقليمي وربما الدولي بعد أن قررت الصين -مصنع العالم والهند عقله الإلكتروني- وضع خلافاتهما التاريخية جانبا وتعزيز علاقاتهما للحفاظ على اقتصاديهما كأسرع اقتصادين نموا في العالم. لكن ذلك التقارب لم يأت على حساب باكستان الحليف التقليدي لبكين. حيث يبدو أن القيادة الصينية تتفهم الخطوات التكتيكية للرئيس مشرف في السير بعيدا نحو واشنطن. وهذا ما يفسر زيارة الرئيس الصيني إلى بكستان.
 
انتخاب رئيس الوزراء الياباني الجديد شينزو آبي أدى إلى انفراج في العلاقات الصينية اليابانية المتوترة بين البلدين منذ عدة سنوات، حيث كان اختياره بكين كأول محطة له في أول زيارة خارجية قرارا صائبا كسر الجليد المتراكم بين الجارين وأدى إلى تليين الموقف الصيني الصلب طوال خمس سنوات برفض استقبال سلفه كويزومي.
 
لكن ضجيج التجربة النووية لكوريا الشمالية أفسد الأجواء على الصين وفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها، فهول الصدمة أخرج الدبلوماسية الصينية عن طورها باستخدام كلمات لم يعهدها قاموسها من قبل خاصة مع من تعتبرهم أصدقاء كوصف التجربة بأنها عمل سافر ومستهتر واعتباطي.
 
أما على الصعيد الدولي فقد شكل سعي الصين لتنويع مصادر الطاقة التي تعتبر من أكثر القضايا المؤرقة للقيادة الصينية خاصة في ظل تنامي احتياجاتها للنفط والارتفاع الحاد لأسعاره في السوق الدولية فرض على الصين تعزيز علاقاتها مع الدول المنتجة فلم تنقض أشهر معدودة على استقبال بكين العاهل السعودي عبد الله في أول زيارة يقوم بها ملك سعودي إلى الصين -منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1990- حتى قام الرئيس الصيني بزيارة مماثلة إلى السعودية. كما استقبلت بكين لنفس السبب الرئيس الفنزويلي شافيز فيما اعتبر اختراقا صينيا لأميركا الجنوبية التي ظلت تشكل أكثر النقاط ضعفا أو أقلها


اهتماما لدى الدبلوماسية الصينية. كل هذا يشكل مؤشرا على أن السياسة الصينية التي يطغى عليها الاقتصاد أصبح النفط يشكل محركها الأساسي.
 
ديبلوماسية القوة الناعمة
لكن أهم ما ميز الدبلوماسية الصينية خلال العام الحالي بالإضافة إلى انتهاجها لما تسميه دبلوماسية "القوة الناعمة" فإن الدبلوماسية متعددة الأطراف شهدت حيوية وتبلورا بشكل أوضح وتحاول الصين من خلالها إيجاد آلية جديدة من العلاقات الدولية. 
المحادثات السداسية حول الأزمة النووية في شبه الجزيرة الكورية (الفرنسية-أرشيف)
فبالإضافة إلى المحادثات السداسية حول الأزمة النووية في شبه الجزيرة الكورية-التي تستضيفها وترعاها الصين منذ أكثر من أربع سنوات- استضافت الصين هذا العام أربعة أحداث كبيرة شملت ما يقارب سبعين بلدا. وهي القمة الصينية الأفريقية في بكين التي عقدت بمناسبة الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين والتي كانت مصر أولها وحضر القمة أكثر من سبعة وأربعين رئيس دولة وحكومة.
 
 كما استضافت مدينة نانين جنوبي الصين قمة دول منظمة آسيان التي تضم عشر دول. هذا وعادت منظمة تعاون شنغهاي إلى مسقط رأسها بعد خمس سنوات على تأسيسها وسط تنبؤات باحتمال أن يصبح هذا التجمع قوة إقليمية تعيد التوازن إلى المشهد الدولي. حيث يمتد هذا الحلف الذي يضم ست دول على مساحة ثلاثين مليون كيلومتر مربع ويضم ربع سكان العالم ومخزونا هائلا من الثروات ويمتلك قوة عسكرية ضاربة معززة بقوتين تمتلكان حق النقض الفيتو هما روسيا والصين هذا دون حساب الأعضاء الأربعة المراقبين الهند وباكستان ومنغوليا وإيران.

كما استضافت بكين أيضا قمة النفط التي تضم الدول الخمس الأكثر استهلاكا للنفط في العالم وهي الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والهند بالإضافة إلى الصين للبحث في أمن الطاقة.
 
وعلى صعيد العلاقة مع الشرق الأوسط حاولت الصين تفعيل دورها بشكل مباشر أحيانا وباستحياء أحيانا أخرى إذ قررت زيادة عديد قواتها العاملة في قوات حفظ السلام الدولية في لبنان إلى نحو ألف رجل، واستضافت ندوة حول السلام في الشرق الأوسط حضرها ما عرف بفريق "وثيقة جنيف" عن الجانب الإسرائيلي يوسي بيلين وقدورة فارس عن الجانب الفلسطيني. أما على صعيد الأزمة النووية الإيرانية فقد واصلت الصين لعب دور في مجلس الأمن لا يزعج واشنطن ولا يغضب طهران بينما هددت باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع فرض عقوبات على السودان. ولا يزال موقفها تجاه العراق كما هو.
 
الصين حافظت على نسبة التسعة في المائة كأسرع اقتصاد نموا في العالم وسجلت أكبر احتياطي إستراتيجي من العملات الصعبة وصل إلى أكثر من تريليون دولار. وختمت هذا العام بحصاد 165 ميدالية ذهبية في آسياد الدوحة. وتبدو أكثر ثقة في العام القادم خاصة مع انتخاب أمين عام آسيوي للأمم المتحدة لأول مرة منذ ثلاثين عاما وانتخاب الصينية مارغريت تشن كمدير عام لمنظمة الصحة العالمية وهي أول شخصية صينية تتبوأ منصبا دوليا. هذا بالإضافة إلى دخول الصين عضوية المجلس الدولي لحقوق الإنسان.

كل هذا قد يكون بداية إرهاصات لعصر قادم يجمع المراقبون أنه سيكون آسيويا بامتياز وذا نكهة صينية. 


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة