سحر طه: المقامات العراقية هوية أمة   
الأربعاء 1424/11/16 هـ - الموافق 7/1/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

سحر طه تغني في أمسيتها ضمن معرض الدوحة الدولي السادس عشر للكتاب (الجزيرة نت)

سحر طه صوت عراقي قوي متميز نشأ ونما ونضج في حضن التراث بعيدا عن الشهرة، وتقول سحر إنها لا تهتم بالأضواء بقدر ما تريد أن تحافظ على هوية أمة. وعندما كنا في حضورها وهي تشدو بالمقام العراقي أمس الأول في أمسية ثقافية ضمن فعاليات معرض الدوحة للكتاب أخذتنا إلى بعيد حيث عمق المعنى وعبق التراث ورحابة عالم الأسرار في جمال الموسيقى العربية وإلى بغداد قلعة المجد العربي. وكان لنا معها هذا الحوار.

أجرى الحوار: عبد الرافع محمد

لماذا هذه الفجوة بين المقام العراقي والجمهور العربي هناك من يقول إن المقام لا يطور نفسه ولا يضيف إلى أدواته؟

مشكلة المقام العراقي هي مشكلة الموسيقى العربية فموسيقانا العربية نحن لا نطورها، في الغرب طوروا العود والقانون والغيتار والربابة وآلات الكمان لكننا نرفض التطوير، هذا مثلا سيد درويش استطاع أن يستخدم كلمة السيما في أغنية له وكانت جديدة ونجحت، ونحن لا نستطيع أن نستخدم كلمة كمبيوتر وإنترنت.

المقام العراقي بسبب تشدد رموزه الكبار إزاء التطور آلت حالته لأن ينعزل في مساحة مجهولة عن الناس، فالمقام العراقي أقدم من زمن العباسيين، وقد جاء ذكره في مؤلفات ابن خلدون والفارابي، وتصور أنه منذ ذلك الوقت ما زال كما هو لم يتطور ما عدا إضافة الألفاظ الفارسية والتركية على النص بسبب الاحتلالات.

وأي مبدع جديد يريد التطور يقابل بقسوة، مثل ناظم الغزالي عندما جاء غير كثيرا من أداء المقام فجعله شبيها بالموال الحلبي والمصري إلى حد ما عندما أدخل بعض الآلات الموسيقية الجديدة إلى التخت، كان التخت مؤلفا من سنطور وجوزة وهي آلات تقليدية عراقية فأدخل العود والناي والشالوه وأشياء كثيرة فانتقدوه وقالوا إن ناظم الغزالي ليس مطرب مقالات فهو -حسب قولهم- يشوهها ولا يطورها.

لكن عندما جاء بعد ناظم الغزالي يوسف عمر وحسين الأعظمي وفريدة محمد علي -وهي أستاذتي- طوروا المقام فأخرجوا الألفاظ غير العربية وأصبحت السلالم الموسيقية شرقية تماما لها شخصيتها العراقية، خاصة الأداء الصوتي الذي أصبح خارج إطار الترانيم والأداء الفارسي والتركي، أما فريدة فهي التي أعتبرها سيدة المقام الآن، وهي التي أثبتت أن المقام ليس للرجال فقط، وكذلك محمد القبنجي الذي طور كثيرا في المقام وأضاف مقام اللامي وهو شبيه بمقام النهاوند.

وعندما دخل العراق في أزمة الحروب ثم الحصار توقف كل شيء وتوقف جيل الموسيقيين الذين درسوا بالمعهد الموسيقي، وجاء الشباب ليهتموا بالأسهل والأسرع للشهرة والمال.

لكن ليس جمهور المقام العراقي هو وحده الذي يتضاءل أيضا مطربو المقام العراقي يتناقصون..

المقام العراقي نوع من الغناء الصعب ولا بد لمن يريد أن يدخل مجاله من إمكانات كثيرة منها أولا مساحة الصوت أو السلالم الموسيقية فلا بد أن تكون لدى المؤدي مساحة كبيرة من القرار إلى الجوابات وأكثر من قرارات وجوابات.
وثانيا معرفة المقامات الموسيقية العربية وهي كثيرة والدخول للمقام والخروج منه والانتقال من مقام إلى مقام.
وثالثا ثقافة أدبية كبيرة واطلاع على الشعر وتذوقه حتى يعرف لكل قصيدة ما يناسبها من أنماط المقام لأنه ليست أي قصيدة يناسبها أي مقام، حتى الموال الزهيري وهو باللهجة الدارجة العراقية لا يتناسب مع كل المقامات.
ثم الخبرة العملية لأن الدراسة النظرية لا تكفي وحدها.

وهناك لبس في فهم معنى وماهية المقام العراقي فهو مختلف عن المقام أو السلم المتبع في الغناء العربي عموما، المقام العراقي يقع بين الموال المصري والحلبي هو عبارة عن سلم موسيقي فيه عدة مقامات فمقام الرست تدخل فيه قطع وأوصال والكثير من الدرجات أثناء الغناء.

أنت تقدمين الأغاني القديمة ومثلك كثيرون كإيمان البحر درويش لكن ما رأيك في هذه الموجة الجديدة التي تقدم الأغاني القديمة لكن بأسلوب مختلف تماما مثل أغنية سيد درويش "الحلوة دي" وأغاني الفنانة ليلى نظمي.

الأغاني القديمة أنا أعتبرها تراثا لا أحب أن أغير فيه أحب أن تؤدى كما هي، هناك من يغيرون في الآلات بل وأكثر من ذلك يفبركون الكلمات القديمة، هذا ما أرفضه، لكن مع ذلك أرى أنه عندما تسمع الأجيال الجديدة أغنية سيد درويش "الحلوة دي" ولو بتلحين جديد فهذا أفضل من ألا يسمعوها، فعندما يسمعونها ربما يبحثون عن الأصل فندلهم عليه، أتمنى أن تتعرف الأجيال الجديدة على التراث بأي شكل لأن هذا أفضل من الإسفاف الذي يغرقون فيه لا نستطيع أن أفرض على الأجيال شيئا فلنفعل فقط ما نستطيع.
قلت من قبل إنك لا تهتمين بالشهرة لكن ألا ترين أن ثمة علاقة حتمية عند المبدع بين الشهرة وأداء دوره؟

لديَّ طموح كبير بأن يتسع جمهوري فأنا أعمل للحفاظ على هوية هذه الأمة، وهي مقصودة لأن تكون مستباحة، وهناك من يريد هدمها هناك مؤامرة، أنا حزينة لأن موسيقانا لا علاقة لها بلغتنا ولا بهويتنا.

أنا مهتمة بأن أؤدي التخت الشرقي بآلاته القانون والناي، لست مهتمة بعدد من يسمعني مثلما أنا مهتمة بأن هذا يجب أن يبقى، هذه هويتنا وليس ما يطفو على السطح من موضة الفيديو كليب، فالأوروبي الذي نقلده لا يريد أن يسمع منا ما يرسله إلينا لأن هذا لا يفيده في التعرف علينا.

سقطت بغداد وسكت المبدعون ألم يكن المفترض أن يستثير هذا الحدث الكبير المبدعين ألا نذكر "عدى النهار" وشدي حيلك يا بلد بعد هزيمة 1967؟

سقوط بغداد كان صدمة كبيرة أسكتت المبدع كانت الصدمة أكبر من كل شيء شلت الحركة وأصابتنا جميعا بالذهول، لكن لا بد أن نعترف بأن حال الأغنية الوطنية اختلف تماما عما كانت عليه وقت هزيمة 1967 عندما ظهرت "عدا النهار" و"شدي حيلك يا بلد"، الآن الأمر اختلف ما عادت تجدي لنا شيئا الشعارات الطنانة المليئة بمعاني التجييش فعلينا الآن أن نذكر بلادنا ونثير المشاعر بحبها عندما أغني "يا طير رايح لبلادي" أشعر أنها تهيج مشاعر الحزن والحنين والأسف لاحتلال البلاد.
ماذا عن مستقبل سحر طه مع المقام العراقي؟
أتمنى أن أغني مقامات أكثر هناك 30 مقاما غنيت منها القليل وسأزيد من القصائد لكن مع انتقائها.

_________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة