عبد الخالق الركابي: بالرواية أرمم خراب العراق   
الخميس 30/3/1435 هـ - الموافق 30/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)
عبد الخالق الركابي: الروائي قد يستثمر الوثائق في نصه لكن المخيلة هي التي تصنع الرواية أولا وأخيرا (الجزيرة)
حاوره/ إبراهيم الحجري
 
العراقي عبد الخالق الركابي مبدع متعدد المواهب، يكتب الشعر والقصة والمسرح والرواية، وله تكوين أكاديمي في الفنون، لكن قلبه ظل معلقا في السرد الروائي، لأنه وجد فيه القناة التي يمكن أن تحضن المشاعر والمواقف والرؤى دفعة واحدة، وتجسد تاريخا للذات خارج التاريخ الرسمي.
 
في متونه الروائية يضع الركابي تجربته الشعرية ومهارته المسرحية وبصمته الفنية ومعرفته العميقة بالتاريخ وإحساسه الدقيق بالحياة في لحظة التحولات العصيبة التي عرفتها أرض الحضارات.

وفي روايته "ليل بابا علي الحزين" -المرشحة ضمن القائمة الطويلة للبوكر- يطارد الروائي أشباح اللصوص الحقيقيين الملتبسين الذين يتقنعون وراء أكمات خفية، ويمارسون امتصاصهم لدماء الشعب، -كما يقول- موظفا التاريخ، ومشخصا الوضعيات الاجتماعية التي أوجدتها مرحلة ما بعد الحروب والحصار والدمار.

الجزيرة نت التقت الروائي العراقي وحاورته في تجربته الأدبية ورؤيته للأدب العراقي في ظل الأوضاع الجارية ببلاد الرافدين، وترشيح روايته الأخيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر).

بدأت تجربتك الأدبية شاعرا، ثم كتبت القصة والرواية، ولك تكوين عميق في الفنون، أين تجد ذاتك في هذا التعدد؟ ولماذا؟

- من المؤكد أن الرواية هي اختياري الذي أجد فيه ذاتي، بدليل أنها تشكل همي الرئيس على امتداد عقود من الزمن، قدمت خلالها رواياتي التي اعتز بها، وأبرزها "سابع أيام الخلق" و"ليل علي بابا الحزين" و"أطراس الكلام" و"مقامات إسماعيل الذبيح" وغيرها، بيد أن ذلك لم يمنعني من العودة -خلال العامين المنصرمين- إلى الشعر، فكتبت العديد من القصائد التي نالت الكثير من الإطراء، وأنا الآن بصدد إصدارها في مطبوع ورقي.

اخترت لروايتك عنوانا فيه تناص مع قصة "بابا علي والأربعين حراميا"، أي علاقة تربط روايتك بهذه القصة؟ وما سر هذا العنوان؟

- جاء العنوان من تلك العبارة التي أخذت تجري على الألسن منذ التاسع من أبريل/نيسان 2003، وهي عبارة "علي بابا"، فقد دأب الأميركيون على إطلاقها على صغار اللصوص والمستغلين الذين يظهرون عادة في كل زمان ومكان تشيع فيهما الفوضى التي سببها الاحتلال.

 لا أومن بالرواية الموعظة، فالمطلوب من الروائي أن يكون صادقا في طرح أفكاره وألا يؤدلج نصه لجهة ما على حساب أخرى، ولا سيما في وضع ملتبس مثل وضع العراق

في روايتي، هناك بحث عن اللصوص الحقيقيين لا أشباه اللصوص، هؤلاء الذين جاؤوا في أعقاب الدبابات الأميركية، ليحولوا بلادهم إلى سوق للنخاسة، منصرفين إلى مطامعهم الشخصية التافهة، متناسين لعنة التاريخ التي ستظل تطاردهم إلى الأبد، كأني بهم يتشبهون بأبي رغال حين أرشد أبرهة الحبشي إلى مكة، فبقي لبيت الله رب يحميه، في حين أمسى أبو رغال رمزا للخيانة.

أما التناص مع قصة "علي بابا والأربعين حراميا" فيبرز من خلال تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام، هي "الخروج من المغارة" و"افتح يا سمسم" و"كلمات كهرمانه الأخيرة"، وبذلك تجري الأحداث المعاصرة على خلفية الحكاية القديمة بشكل غير مباشر.

تسعى في روايتك هذه إلى كتابة تاريخ العراق من جديد بطريقة تعيد صياغة العوالم وفق المتخيل، فهل تستطيع الرواية من خلال تجربتك كتابة تاريخ العالم بطريقة تستحيل على المؤرخين؟ وما المصادر التي اعتمدتها في استلهام معطياتك؟

- تبقى الوثائق المادة الرئيسية للمؤرخ في كتابة التاريخ، في حين قد يعمد الروائي أيضا إلى استثمار الوثائق دون أن تشكل مادته الرئيسية، فالمخيلة هي التي تصنع روايته أولا وأخيرا، فالقارئ غير مهيأ لقراءة رواية لا توفر له عنصر التشويق، فهي تبقى أبدا ثمرة المخيلة.

وقد اعتمدت في عدد من رواياتي على مصادر حرصت على ذكرها في ختامها، ومن المعروف أن هذا الأمر شائع في تاريخ الرواية العالمية، وأبرز مثلين يخطران لي الآن يتمثلان بتولستوي في روايته العظيمة "الحرب والسلام" التي اعتمد فيها -للإلمام بغزو نابليون لروسيا- على مكتبة كاملة ساعدته على تجسيد الأحداث كما وقعت إبان تلك الفترة، والنموذج الآخر المعاصر يتمثل بماركيز في روايته "الجنرال في متاهته".

في الرواية تفكير في الكتابة وشكل صياغة الخطاب فيها، هل يدخل هذا في إطار التجريب الروائي الواعي في إطار ما يسمى "الميتاروائي"، أم أنه توتر لحظة الكتابة نفسها الذي يعبر عن ارتجاج الرؤى وعسر التجربة؟

- عُرف عني منذ إنجاز روايتي "سابع أيام الخلق" وطباعتها في عام 1994 استثمار المنحى الإبداعي المعروف بالميتاروائي أي المزاوجة بين أحداث الرواية وتأمل الروائي في كيفية صنع روايته وصولا إلى إشراك القارئ في النص الروائي، هذا الدور الذي كان مهملا من قبل، ليتصدر الآن المشهد الروائي العالمي، وقد تابعت هذا المنحى في رواياتي اللاحقة.

تدخل الرواية عموما في إطار ما يسمى بالتخييل الذاتي أو السير ذاتي، فمتى ينتهي السيري في الرواية ليبدأ فعل التخييل؟ أو متى تنفصل تجربة الذات في الرواية عن تجربة التخييل؟

- يبدو لي أن الحدود تداخلت في الرواية المعاصرة بين عنصري التخييل والسيرة الذاتية بطريقة بات من العسير معها الفصل بين الحالتين، وخير مثال على ما أقول يتمثل بالروائي البارز ميلان كونديرا ورواياته التي يستثمر بها معاناته في بلاده قبل هجرته النهائية إلى فرنسا.
 
غلاف رواية "ليل علي بابا الحزين" للعراقي
عبد الخالق الركابي
(الجزيرة)
في ما يخص تجربتي الروائية فقد توزعت شذرات من سيرتي على العديد منها حتى أنني قد أستعيض بها عن كتابة سيرتي الذاتية، بيد أن ذلك لم يمنعني من الحذر من الوقوف في مأزق استنساخ التجربة الشخصية، مما دفع بي إلى ابتكار مدينة "الأسلاف" المفترضة ليتسنى لي، بذلك، التحرك بحرية في مدينة هي نتاج مخيلتي جمعت فيها شذرات من المدن العراقية التي عشت فيها، فضلا عن مدن أخرى وهمية قد أكون حلمت بها.

تقوم الرواية بانتقاد فعل الإرهاب والتطرف اللذين لا هوية لهما، لكن تناولك للإرهاب يختلف عن الصورة التي ورد بها في نصوص روائية عربية أخرى مثل الليبية وفاء البوعيسى في روايتها "فرسان السعال" والجزائرية أحلام مستغانمي في روايتها "الأسود يليق بك"، فهل هذا التميز يعود للخصوصية العراقية أم لطبيعة فهم الروائي للموضوع نفسه؟

- من البديهي أن يكون تناولي للإرهاب في الرواية مختلفا عن تجارب الروائيتين المذكورتين اختلاف العراق وما وقع فيه عن ليبيا والجزائر، كما يفترض بنا ألا ننسى أن لكل روائي أسلوبه الخاص به الذي يميزه عن زملائه الآخرين.

هناك بطبيعة الحال خصوصية التجربة العراقية، فالإرهاب جاء عقب الاحتلال الذي توج بدوره عقودا من الزمن اجتاحت فيها الفوضى البلاد بدءا بالحرب العراقية الإيرانية الطويلة صعودا إلى احتلال الكويت وفترة الحصار الرهيبة، ومن ثم الاحتلال، فمن البديهي إذاً أن تختلف الرواية المعنية بهذه الأمور عن الروايات الأخرى.

تسلط الرواية الضوء على فضاءات الحرب، وتصورها بدقة عالية، بل تتمثل معجما غنيا في هذا الصدد، كيف تسنى لك التعرف على هذا المعجم؟ وما الأسلوب الذي أثثت به عالم العرب؟

- لقد عاصرنا حروبا متعاقبة فترة طويلة،  فالحرب العراقية الإيرانية استمرت ثماني سنوات قاسية تخللها قصف المدن، واحتلال الكويت لم ينتهِ بتحطيم الجيش العراقي فحسب، بل أعقبه حصار بربري استمر ثلاث عشرة سنة رهيبة حتم خلالها على المواطن البسيط أن ينتزع لقمة خبزه له ولأسرته انتزاعا من عالم ساد فيه الجشع وكل قيم الانحطاط.

وهناك أيضا عمليات القصف الأميركية التي كانت تطال مدنا ومرافق دون سابق إنذار، فضلا عن حملات فرق مجلس الأمن في بحثهم المزعوم عن أسلحة الدمار الشامل. من هنا، جاء تأثيثي للرواية من معايشتي الطويلة لتلك الأجواء وتشرّب روحي بكل آلامها وأحزانها ومآسيها.

تصف الرواية عالما مهددا بالتلاشي في فوضى حرب مسعورة يشنها لصوص شرسون ضد حضارة العراق، فهل تحققت -عبر هذا المتن الروائي- رغبتك في حفظ هذا العالم المهدد بالفناء؟

- نعم، أصف في الرواية عالما مهددا بالتلاشي، وهذا أمر بات يقلقني كثيرا،  ففي حمى هذه الفوضى الدموية التي لا نهاية لها تبدو البلاد على شفا التمزق والتشتت والاحتراب الطائفي، فبات هاجسي أن أرمم في كتاباتي الروائية ما أعجز عن الحفاظ عليه في الواقع دون أن يقلقني مدى نجاحي أو إخفاقي في ذلك، ففي بلاد تقع في العالم الثالث -حيث الجهل والتعصب وتسلط القمع- يندر أن يعوّل الكاتب على نصه لإحداث تغيير ما، والتغيير الوحيد الذي قد يحققه يتمثل بتعرضه للقمع بل التصفية الجسدية أحيانا!  

تؤطر الرواية مرحلة تاريخية أُفرزت خلالها وضعيات سوسيو-سياسية جديدة، أهمها التناحر الطائفي والديني والإثني والسياسي، من منظورك -كروائي وكاتب- كيف تسهم الكتابة في خلق عالم متعايش بدل الدمار والفناء؟

الحدود تداخلت في الرواية المعاصرة بين عنصري التخييل والسيرة الذاتية بطريقة بات من العسير معها الفصل بين الحالتين

- أنا لا أومن بالرواية الموعظة، فالمطلوب من الروائي أن يكون صادقا في طرح أفكاره وألا يؤدلج نصه لجهة ما على حساب أخرى، ولا سيما في وضع ملتبس مثل وضع العراق الذي بات نموذجا متفردا "للفوضى الخلاقة" التي تُوجت باحتراب داخلي، يكفيه أن يكون كذلك، ليكسب ثقة المتلقي الذي سيعود إليه الحكم، وبالنتيجة سيسهم النص في خلق عالم متعايش بشكل من الأشكال.

كيف استقبلت خبر ترشح روايتك لجائزة البوكر؟ وما الذي يمكن أن يقدمه هذا الاستحقاق لتجربتك في الكتابة الروائية؟

- سعدت كثيرا بخبر ترشيح روايتي "ليل علي بابا الحزين" لجائزة البوكر لما امتلكت هذه الجائزة من أهمية خلال دوراتها السابقة حتى باتت جائزة مرموقة بحق، تضع الفائز بها على طريق العالمية بسبب ترجمة نصه إلى الإنجليزية، كما أنها في الوقت نفسه تروج للروايات المرشحة ضمن قائمتيها الطويلة والقصيرة على المستوى العربي.

إن ترشيح روايتي ضمن هذا العدد الكبير من الروايات المقدمة يعني لي الكثير، وسيمنحني الدافع للمضي في درب الرواية المرهق، حيث يقصر الروائي نفسه على البقاء بين أربعة جدران مدة طويلة نسبيا ليمارس وحيدا -وبمعزل من المتعة في الغالب- عمله الحزين في الكتابة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة