مدفيدف.. ظل بوتين الوفي   
السبت 1433/6/14 هـ - الموافق 5/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:23 (مكة المكرمة)، 14:23 (غرينتش)
لم يستطع مدفيدف (يمين) الخروج من عباءة بوتين رغم محاولاته الحثيثة والمتعددة (الفرنسية)

عشية تسلم الرئيس الروسي المنتخب فلاديمير بوتين مفاتيح الكرملين من سلفه ورئيس وزرائه القادم والسابق دميتري مدفيدف وصف بعض المراقبين ولاية الأخير التي امتدت أربع سنوات بأنها جاءت مخيبة لآمال الشعب الروسي على مجمل الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية.

فذهب البعض إلى القول إن لسان حال جدران الكريملين ستقول غدا الاثنين حين تغلق أبواب هذا القصر الأثري على ولاية مدفيدف إنها "واحدة من أفشل فترات الحكم  التي مرت علي".

فلطالما أكد رئيس الدولة أنه الرجل الذي سينشر الديمقراطية في هذا البلد لكنه يترك بدلا عن ذلك صورة رجل حفظ المكان ساخنا لبوتين العميل السابق في أجهزة الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي) على رأس روسيا منذ العام ألفين والذي منعه الدستور من الترشح في 2008 لولاية رئاسية ثالثة على التوالي.

ورغم محاولاته الحثيثة والعديدة لم يتمكن مدفيدف (46 عاما) مطلقا من الخروج من عباءة بوتين.

وجاء قبوله بعدم الترشح لولاية رئاسية ثانية وبتبادل الأدوار مع الرجل القوي في البلاد الذي أُعلن عنه في سبتمبر/ أيلول أثناء مؤتمر لحزب روسيا الموحدة الحاكم، الدليل الأخير على أن مدفيدف في علاقته مع بوتين مسير وليس مخيرا، مما أثار وما زال يثير السخرية ومشاعر الضغينة من معارضيه ومؤيديه السابقين على السواء.

مشاعر الضغينة هذه تفجرت بنزول عشرات آلاف الروس الغاضبين من هذا الإعلان وما تسميه المعارضة عمليات تزوير الانتخابات التشريعية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي إلى الشارع في حراك احتجاجي غير مسبوق على السلطة منذ عام 1990.

وكان مدفيدف قد حرص خلال ولايته على إعطاء صورة قائد معاصر مختلفة عن صورة سلفه، لكن تحرر خطابه لم يترجم إلى أفعال في العديد من المواضيع.

فهو لم يُخف ميله إلى موسيقى الروك الغربية والتكنولوجيا الحديثة، وجعل من تحديث روسيا شعاره داعيا إلى تحسين ظروف الاستثمار ومكافحة الفساد الذي ينخر البلاد. لكنه أقر في 2011 بعدم تحقيق نجاح كبير في هذا المجال.

آلاف الروس احتجوا على اتفاق المبادلة بين بوتين ومدفيدف وعلى نتائج الانتخابات (الفرنسية)

أقوال لا أفعال
كما قام بعزل عدد من كبار المسؤولين بينهم رئيس بلدية موسكو السابق يوري لوجكوف، وأمر وزراء مقربين من بوتين بترك الهيئات القيادية للشركات العامة الكبرى ووعد بإصلاحات سياسية كبيرة.

بل حاول في بعض الأحيان تخطي الخطوط الحمراء في سجال إعلامي مع بوتين حول مواضيع تتعلق بالسياسة الخارجية، ناهيك عن إعلانه في أبريل/نيسان العام الماضي أنه سيكشف عن قراره بخصوص ترشحه لولاية ثانية.

وفي موضوع حقوق الإنسان وحرية الرأي لنشطاء المعارضة، يشير المراقبون إلى وفاة المحامي المعارض سيرغي ماغنيتسكي (37 عاما) في السجن بسبب عدم تقديم علاج مناسب له وبقاء قطب النفط المعارض ميخائيل خودوركوفسكي في السجن.

وفي موضوع الإعلام ظل التلفزيون هو الناطق باسم السلطة عموما وفي زمن الأزمات مثلما حصل في حرب أغسطس/آب 2008 ضد جورجيا، استعاد مدفيدف أسلوب سلفه الحاد لكن بنجاح متفاوت.

وسألت الصحيفة الروسية المعارضة نوفايا غازيتا، إيغور يورغينز أحد مستشاري مدفيدف "هل كان ذلك فشلا 100%؟".

وأقر قائلا "بالتأكيد إذا كان المرء صاحب رؤية معينة ومستعدة للقتال حتى الموت من أجل أفكاره.. أكيد ستحقق أفكاره مزيدا من النجاح".

وأوضح يورغينز الذي حث مدفيدف مرارا وتكرارا على الترشح لولاية ثانية "إن كنا ليبراليين معتدلين مراعين لرفاقنا وممتنين للذي رفعنا إلى الأعلى كل شيء يخرج باهتا".

وعند الحديث عن حصيلة أدائه، أكد مدفيدف سماحه بتقدم الديمقراطية في روسيا ووعد بالعمل من أجل الحريات عندما يصبح رئيسا للوزراء.

محللة سياسية: بوتين يريد جعل مدفيدف كبش فداء وشماعة يعلق عليها أخطاءه (الفرنسية)

كبش فداء
وقال مدفيدف الأسبوع الماضي إن المجتمع قد نضج، والتسارع الحالي نحو الديمقراطية لن يقود إلى الفوضى لأن المجتمع تغير في التسعينيات "كان مختلفا تماما".

وكان مدفيدف -عندما كان محاميا تحت التدريب- قد تعرف على بوتين عام 1990 عندما كانا يعملان في مكتب عمدة مسقط رأسهما سانت بطرسبورغ.

واصطحب بوتين معه مدفيدف إلى موسكو عام 1999 عندما عين رئيسا للوزراء ولمع نجم الشاب بسرعة حتى أصبح رئيس مجلس إدارة عملاق الغاز الروسي شركة "غازبروم" ثم كبير موظفي الكرملين ثم نائبا لرئيس الوزراء.

ورغم أنه من المتوقع أن يصبح مدفيدف رئيسا للوزراء فإن الكثيرين يتوقعون عدم استمراره طويلا في هذا المنصب.

وعن هذا تقول ليليا شيفتسوفا من مركز كارنغي في موسكو إن مدفيدف لن يكون فعالا في منصب رئيس الوزراء أكثر مما كان عليه في موقع الرئيس. ووصفته بأنه "بوتوكس سياسي" أو مادة تجميلية لبوتين كي يصبح مقبولا من الغرب.

وأضافت أن مساهمته الوحيدة في تاريخ روسيا بعد الحقبة السوفياتية هي "خذل المجتمع بشكل عميق والقضاء على أي أمل بإصلاحات هادئة وسلمية تأتي من الأعلى".

وخلصت إلى أن روسيا تواجه ركودا واضحا، وهناك أزمات اجتماعية واقتصادية من الصعب الخروج منها، وبوتين يريد جعل مدفيدف كبش فداء وشماعة يعلق عليها كل أخطائه وفق قولها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة