غسان زقطان شاعر يحلّق نحو العالمية   
الجمعة 18/7/1435 هـ - الموافق 16/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:26 (مكة المكرمة)، 17:26 (غرينتش)

حاورته/فاتنة الغرة-فلسطين

يعتبرغسان زقطان أحد أهم الشعراء الفلسطينيين الذين وضعوا بصمة خاصة بالمشهد الشعري بلغته التي تتكئ على تراث كبير من الموروث المعرفي والشعبي من جهة والعالمي والحداثي من جهة أخرى.

وصدرت للشاعر مختارات باللغة التركية ومجموعة شعرية بعنوان "لا شامة تدل أمي علي" وكان للجزيرة نت معه هذه الحوار.

 بين "كطائر من القش يتبعني" و"لا شامة تدل أمي علي"، ما الذي قاله غسان زقطان؟

ليس الكثير حقيقة رغم أن بين الإصدارين ست سنوات تقريبا، وهي فترة طويلة. في العادة أفضل فترة صمت بعد الإصدار وقد تطول، أذهب إلى مناطق أخرى في الكتابة، نوع من التمارين، السرد يبدو مناسبا. ولكن الأساس في فترات ما بعد الانتهاء من الكتابة تكون عادة القراءة، قراءة غير مخطط لها ولكنها تراكم منهجها فيما بعد.

 هل كانت فترة صمت أم أصدرت فيها أشكالا إبداعية أخرى؟

بين الإصدارين، انهيت عملا سرديا كانت مسوداته على المكتب، عربة قديمة بستائر، وعملا مسرحيا (فلسطيني وألماني)، كذلك دخلت تجربة إعادة صياغة "ريتشارد الثاني" لشكسبير والعمل مع فريق من المسرحيين المحترفين عبر مسرح عشتار والمخرج الإيرلندي كونول موريسون. كانت تلك تجربة غنية وممتعة ومفيدة فعلا وقد أسعدني إلى حد كبير الاستقبال الرائع للعمل في احتفاليات "أولمبياد شكسبير" في لندن، كانت مجموعة "لا شامة تدل أمي علي" تتجمع في تلك الأثناء.

 منذ "عرض حال للوطن" مجموعتك المشتركة مع محمد الظاهر وحتى "لا شامة تدل أمي علي" هل تستطيع القول إن مشروعك الشعري أعطى ثماره التي رجوتها؟

يصعب أن أطلق على ما أكتبه مشروعا، المشروع موضوع أكثر تعقيدا من مجرد الكتابة، هو بحاجة إلى مستوى من التخطيط، تخطيط يشمل نزعة الكتابة نفسها ويقودها ويقترح لها مسارات وأهدافا ونتائج، حركة تخضع للقياس وتعتمد مؤشرات، هذا يجعل الأمر أكثر تعقيدا مما ينبغي، هذا لا يعني في نفس الوقت وبنفس القوة، الاسترخاء داخل التلقي والاستسلام للعفوية، الأمر في مكان ما بين المكانين، الحفاظ على العفوية وتعميق العلاقة مع مصادر النص.

 حصلت على عدد من الجوائز كان أهمها ربما جائزة غريفن للشعر المترجم للإنجليزية، ماذا تعني لك هذه الجوائز؟

لعل أهم ما يميز الجائزة الحقيقية هو ألا تضطر لتقديم نفسك والإشارة إلى أعمالك، الجوائز جيدة، ثمة من يحاول أن يقول لك "شكرا"، وهذا ضروري في أحيان كثيرة، المهم ألا تتحول إلى هاجس وغاية. علينا أن نتمرد قليلا على الجوائز الكسولة المتعالية التي تطالبك بطرق أبوابها.

 كرّمك الرئيس محمود عباس بتقليدك وسام الاستحقاق والتميز، ما قيمة هذا التكريم الفلسطيني في هذه المرحلة من حياتك خاصة مع تعودنا على تكريم الشاعر متأخرا هذا لو جاءه وهو على قيد الحياة؟

كانت لفتة كريمة فعلا من الرئيس، مفاجئة ومؤئرة، وللحقيقة أن الرئيس أبو مازن يغلق عبر تكريمه للمبدعين ثغرة كبيرة تسبب بها ضعف المؤسسة الرسمية الثقافية لدينا وتهافتها، أظن أن جزءا من اهتمامه يعود إلى كونه كاتبا في الأصل، وهي سمة نفتقدها في الكثير من القادة السياسيين العرب.

 هل تستطيع القول إن النجاح الذي حققه شعرك قد حققته رواياتك؟ أم أنها تجربة نحو مساحة بوح أكبر مما يحتملها الشعر؟

لم أفكر بالمقارنة، أنا أكتب، ولكنني اتفق معك في أنها تجربة مختلفة.

 لغتك الشعرية جاءت مختلفة عن لغة أغلب الشعراء الفلسطينيين المعاصرين لك، هل كان وعيك مبكرا بالقصيدة أم إن هناك قصدية بأن تحلق بعيدا عن السائد؟

لعل الأمر بدأ من البيت، لا أجزم، ولكنه يبدو مفهوما لديّ الآن، كنت معنيا على نحو خاص بأن أخرج عن مصير والدي ولغته، والدي الشاعر خليل زقطان، وهي لغة سهلة ذكية يومية وتكاد تمس العامية في مناطق كثيرة، كان هناك محمد القيسي الصديق المقرّب للعائلة وهو شاعر خاص ومؤثر، كان ذلك مبكرا جدا، ذهبت بعيدا عن الشعر، لم أكتف بالابتعاد عن اللغة كنت معنيا بالذهاب إلى غير الشعر، فيما بعد ستتقاطع الاختيارات وسأعود إلى الشعر من مداخل جديدة، الكتابة بالعامية على وجه الخصوص، هكذا بدأت قبل أن يختار القيسي نفسه نصا من أوراقي ويحرره ويمنحه عنوانا وينشره في ملحق ثقافي معروف مستغلا نفوذه كشاعر كبير.

فيما بعد سيتواصل هذا البحث، العامية التي لجأت إليها في البدايات بقيت مصدرا أساسيا في شغلي، هل أقول تعويم المصادر، الناقدة ديمة الشكر قالت مرة إنني "... أجيد إخفاء مصادري". الحقيقة هذه فرصة لأقول متأخرا ربما، تعويم هذه المصادر ونقلها من سكونيتها المرجعية وإعادة بنائها في سياق مختلف أكثر ألفة وقادر على التواصل والتنوع، بحيث تتداخل نصوص عظيمة مثل مرثية مالك ابن الريب و"الإله يخذل أنطونيو" لكفافيس ضمن سياق متصل، رفقة الصعاليك العرب وتتبع مسالكهم دون السقوط في مصائد المعلقات المنجزة واليقين الذي تلاها، كأن تختار دربا ضيقا بعيدا عن طرق القوافل يؤدي بك إلى قلق أبي فراس الحمداني وحضوره التراجيدي في بلاط الآلهة ويوصلك في انعطافة زمنية إلى الجواهري الذي عبر عشرة قرون متخفيا ليظهر في زمننا، الأمر هو أن تختار إشاراتك وتتبعها، وأن تحوّل كل هذا إلى تكوين معرفي متجانس. 

 لعنة درويش أصابت عددا كبيرا من الشعراء من مختلف البلدان العربية، بماذا حميت نفسك منها؟

محمود درويش موجود فينا جميعا، لم يعد منذ وقت طويل مجرد شاعر مجاور، هو جزء من الإرث الجمالي والمعرفي العربي المعاصر، ثمة من ذهب إلى الطريق المختصر وقام بنسخ وإعادة إنتاج نصوص محمود درويش وإيقاعاته، ما يذكر بشعراء مرحلة الإحياء في مطالع القرن الماضي وهم الأغلبية، وهناك من استطاع تعميق قراءته لشعرية درويش ومفاتيحه وإشاراته ومصادره وهذا تأثر معرفي يغني التجربة ويؤصلها، وبما أننا في النهاية "محصلة آخرين"، فإن تأثير محمود درويش لم ينحصر في شعراء قصيدة التفعيلة كما قد يتبادر إلى الذهن مباشرة، بل تجاوزه إلى قصيدة النثر، بقليل من التأمل ستجد آثارا واضحة للغته في قصيدة النثر العربية.

قلة هم الشعراء الذين يمكن لشعريتهم دمج زمنهم بحمولاته وتعددية مكوناته وإعادة بناء مصادرهم معرفيا برؤية معاصرة، هذا ينطبق على أدونيس وسعيد عقل وأحمد شوقي والسياب أيضا.

لعل ضربة الحظ التي جعلتني قريبا من محمود في السنوات الأخيرة، الصداقة العميقة التي جمعتنا في رام الله، منحتني ممرا لمعرفة الجانب الشخصي منه والذي يحمل ثقافة استثنائية وشمولية ورغبة فضولية متجددة في المعرفة. استفدت من هذه الثقافة التي لم يبخل درويش في تقديمها. ومن هذه المعرفة ومن التكوين الذي وضعها محمود فيه، كان تأثري بثقافة محمود ونصائحه أحيانا كثيرة. واطلاعي على الكيمياء التي يعيد عبرها بناء الأشياء حصانتي الحقيقية من سطوته الشعرية.

 عشت حياتك في أكثر من منفى وأكثر من وطن. أي الأوطان تسكنها الآن وأيها تسكنك شعريا؟

المكان لا ينتهي عندما تغادره، يبدأ دورة جديدة في الحياة، المنافي، التي كانت طوعية على نحو ما، التي حدثت بعد المنفى الأول الموروث، قامت بدورها المزدوج كمكان للعيش والحنين وكممر للأماكن التي تليه، يصعب أن اعتبر مكانا مثل تونس منفى، هذا ينطبق على دمشق أيضا.

 ترجمة شعرك إلى لغات أخرى يفتح آفاقا للعالمية، هل تطمح لها؟

بالتأكيد، ولكن دون السعي المتسرع الذي قد يؤدي إلى نقيض الغاية من الترجمة، نحن نكتب ليرونا، أقصد الآخرين، الكتابة ليست ترفا فرديا، لعل هذا ينطلق من مفهومي للترجمة نفسها، مترجم النص الأدبي، الشعر على وجه الخصوص، شريك كامل في الكتابة، المؤلف الذي وصل متأخرا قليلا ولكنه في المشهد الآن، لم أحب يوما تعبير "الترجمة خيانة"، فهو ينم عن شعور متطرف بالملكية لا يليق بشاعر، الترجمة هي كتابة النص باللغة الأخرى تستحضر قارئا آخر وتفكر بمرجعياته وذاكرة رموزه، وعليها أن تفعل ذلك بمهنية وإبداع، "الخيانة" إذا كان لا بد من استخدام التعبير، تكمن في مخاطبة الآخر كما لو أنه شبح، في تجاهل لذاكرته وحضوره، شبح بدون ذاكرة وبدون مرجعيات. 

صدر لك مختارات باللغة الإنجليزية عن جامعة ييل الأميركية ونعلم أن هناك اتفاقا جديدا بينكما. حدثنا عن هذا الاتفاق مع جامعة ييل.

المختارات الأولى، التي حملت اسم مجموعة "كطير من القش يتبعني" صدرت عن منشورات جامعة ييل في العام 2012 بترجمة استثنائية من الشاعر الفلسطيني/الأميركي فادي جودة وغلاف من أعمال الفنان الفلسطيني سليمان منصور. الآن هناك اتفاق مبدئي مع الدار على إصدار كتابين خلال العام 2015، الأول يضم مختارات من القصائد المبكرة (1982-1999) ويضم اختيارات من المجموعات الخمس الأولى. وسيقوم الشاعر فادي جودة بترجمتها، والثاني هو رواية "وصف الماضي" التي صدرت في طبعتين عربيتين 1975/ 2013 إضافة إلى طبعة إيطالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة