الشاعر عدنان يستعيد أمجاد الأندلس العربية   
الاثنين 1433/12/7 هـ - الموافق 22/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:55 (مكة المكرمة)، 12:55 (غرينتش)
غلاف ديوان "دفتر العابر" للشاعر المغربي ياسين عدنان (الجزيرة)

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يسعى ياسين عدنان من خلال تجربته الإبداعية شعرا ونثرا أن يلملم شظايا اللحظة الموزعة بين نكسة الذات ونكسة المجتمع، معتبرا أن الكتابة تشكل نوعا من إعادة الاعتبار للوعي الشقي بالمسافة بين الكينونة واللاكينونة عبر تاريخ طويل من التحول الذي عرفته حضارة العرب، ومراهنا على "انفتاح النص" كقالب تعبيري يستوعب كافة الأسئلة المتشابكة التي تثقل كاهل المبدع العربي.

وينطلق عدنان من تصور للعالم الشعري يقوم على منح الأولوية للرؤية مقابل إرجاء التفكير في الجنس الأدبي، وتحيين الذاكرة الإنسانية من خلال لعبة الذهاب والإياب في التاريخ الذاتي والجمعي. وفي كلا المنطلقين، يجعل الشاعر الهوية محورا أساسيا يدور عليه فلك التجربة الإبداعية، سواء هوية الفرد الآتي من الهامش أو هوية أمة تراجع بريقها، وهذه هي الفلسفة الإبداعية التي انبثق عنها ديوان "دفتر العابر".

عدنان يوقع ديوانه "دفتر العابر" (الجزيرة)

رحلة شعرية
يتميز عالم "دفتر العابر" بكونه ينهض على سفريات شعرية قام بها الشاعر لمجموعة من الآفاق والبلدان في أزمنة مختلفة، تفرق بينها المسافة واللحظة والغاية، لكنها تتفق في معظمها على الرؤية للعالم التي تصدر عن الشاعر.

وتحكم هاته الرؤية نزعة "الأنوية" التي تنتصر للذات الحائرة المغبونة في رصيدها الحضاري الذي ساهمت في ترصيصه أمام إصرار الآخر على الإنكار، مستمدة قوة حجاجها من استحضار آثار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وأوروبا عامة، مدعومة بما يصادفه الشاعر هناك من آثار شاهدة على الإسهام العربي الإسلامي في تشييد صرح الحضارة الإنسانية.

يتنقل عدنان من الجنوب المغربي المهمش الذي تكتسحه الخيبات وتطوقه الصحراء إلى عالم أوروبا المدهش بحضارته وعلومه وانفتاحه وتحرره ونسائه الجميلات، فيجوب حانات مدريد وشوارع باريس ومقاهي فرانكفورت ومعارض لندن، وغيرها من الفضاءات التي ما كان لها إلا أن تحرك دهشة شاعر قادم من عطش الأيام في منطقة اسمها "زاكورة" مشبعا برغبات وأحلام لا حدود لها.

وفي كل تلك الجولات الممتعة والمؤلمة في آن، يسير معه التاريخ والجغرافيا، وتسير معه مكتبته المرجعية، وكذا تناصاته ومادته المصوغ منها المتن الشعري. وبذلك، لم يكن العبور في المكان الآخر سلسا، بل كان عبورا صعبا تخلل الذاكرة والطفولة والأحلام والهوية، إذ يقول "همس الجار الجنب⁄ إنها قرطبة الآن⁄ ساعة أخرى من الركض⁄ أيها الفرس الهارب من ثيران مدريد⁄ ساعة أخرى ونترجل⁄ خفافا⁄ بباب القصر⁄ مساء الخير إشبيلية⁄ مساء الخرير أيها الوادي الكبير⁄ أهلا Sevilla..." ص: 112.

تمتلئ رحلة عدنان الشعرية بالتأمل في تحولات الزمان والمكان، وكأنه آخر شاعر أندلسي يمر من هناك آسفا على الذي جرى

الفردوس المفقود
ويزخر الديوان الشعري بالمشاهد التي يتلقاها الشاعر في رحلته العابرة للقارات، وبالكثير من المؤشرات التي تبدي أسفه على تفريط العرب والمسلمين في الفردوس المفقود، خاصة أنه يصادف في شوارع أوروبا وكثير من فضاءاتها آثار الفترة الزاهرة للحضارة العربية الإسلامية، فيكون ذلك مدعاة لاستعادة التاريخ بقاماته الشعرية، فيسترجع السياسيين والشعراء والفلاسفة ولحظاتهم المشعة والقاتمة، مبينا أثر التراجع العربي الإسلامي على نفسيته بوصفه زائرا لبلاد الغرب، ويقارن بين وضعه ووضع كثير من الرحالة العرب مثل ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان وابن خلدون.

ويقول عدنان "في مطارات العبور⁄ نعلق شخيرنا⁄ على أول بوابة⁄ لكيلا يصدأ بين جفوننا⁄ النعاس ﴿...﴾ اخرج من غيبك⁄ أيها الفارس الجوال⁄ وترجل إلى حين ﴿...﴾ فهدنتك الصغيرة هنا⁄ في صالة الترانزيت⁄ أشبه⁄ بأغنية حزينة⁄ أشبه بعزف على ناي أعمى⁄ وسط قبيلة طرشان ﴿...﴾ كنت غريبا كحكاية غريبة، وحيدا كبطل خارج من الحبكة⁄ متعبا⁄ كما يليق برحالة قروسطي⁄ وكنت أقرأ ابن خلدون..." ص: 56-61.

وتمتلئ رحلة عدنان الشعرية بالتأمل في تحولات الزمان والمكان، وكأنه آخر شاعر أندلسي يمر من هناك آسفا على الذي جرى، لذا يُصعدُ حينا من إيقاع الصورة الشعرية ليصل بها درجة رفيعة من الامتلاء، ويهبط بها حينا آخر لتصل مستوى التقرير، فيقول منفعلا "كم كانت الأندلس بعيدة؟⁄ أما أنا فقد قصدت الفندق عاريا⁄ بلا أجنحة⁄ فارغا من الحكايا⁄ وكانت⁄ الصور القديمة قد خثرت⁄ بين عيني⁄ ثم⁄ رحلنا إلى جنة النار⁄ كنا نفلح دالية الموشح⁄ فنتعثر بالدنان⁄ نتفقد طوق الحمامة فيغلبنا⁄ الهديل⁄ نبكي غرناطة فنشتهي⁄ الرمان⁄ نرثي رندة⁄ ونترحم على أبي البقاء⁄ كأنا لم نغادر قط⁄ كأننا⁄ ما زلنا هناك" ص: 37-38.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة