المهاجرون الروس يقتربون من السيطرة على الحكم بإسرائيل   
الخميس 1427/9/5 هـ - الموافق 28/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:15 (مكة المكرمة)، 21:15 (غرينتش)
ماجد الحاج: حرب لبنان عمقت الشرخ بين العرب واليهود (الجزيرة نت)
 

خلفت الحرب على لبنان آثارا كبيرة في إسرائيل وعلى وعي الإسرائيليين في ميادين عدة إلى حد اعتبارها نقطة مفصلية. كما ألقت بظلالها على الصراعات الداخلية بين المجموعات السكانية.
 
وفي حوار مع الجزيرة نت يتحدث البروفيسور ماجد الحاج -عميد البحث العلمي وأستاذ علم الاجتماع في جامعة حيفا، وهو باحث عالمي معروف في مجال الدراسات الإسرائيلية والتعددية والأقليات- عن طبيعة الحكم السائد ومستقبله واحتمالات سيطرة المهاجرين الروس على المؤسسة الحاكمة. كما تطرق الحديث إلى حالة فلسطينيي 48 وعلاقاتهم مع العالم العربي وفلسطيني الضفة وقطاع غزة، فإلى مضابط الحوار:
 

نحن على أعتاب الذكرى السادسة لهبة القدس والأقصى فهل تنذر العلاقات المتأزمة بين فلسطينيي 48 وبين إسرائيل بتجدد الصدامات؟

-لا شك أن الشرخ بين اليهود والعرب يزداد وقد عمقته الحرب على لبنان من جهة إضافة إلى إنتاج متواصل لنخبة عربية أكثر ثقافة وإحباطا نتيجة الإقصاء والتمييز في العمل والميزانيات. وهناك تزايد كبير في عدد الخريجين الأكاديميين فنسبة الطلاب العرب في الجامعات تضاعفت (اليوم 9.3% مقابل 4.5% في الثمانينيات)، لكن لم يطرأ أي تغيير على فرص العمل القليلة. فكلما زادت ثقافة العربي قلت إمكانيات استيعابه في الاقتصاد الذي تسيطر عليه الأغلبية اليهودية. كل ذلك سيجعل الوضع الراهن مصدرا للانفجار.
 

صدر مؤخرا كتاب إسرائيلي بعنوان "العرب الجيدون" يروي كيف عملت إسرائيل على خلق وعي جديد لدى فلسطينيي 48 بواسطة جهازي التعليم والمخابرات فهل نجحت بذلك؟
 
-استخدمت إسرائيل المدرسة العربية أداة تحكم وضبط للمواطنين العرب فيها ونجحت في خلق "ثقافة الصمت" لاسيما بعد تحكمها بالمربين والمضامين، في المقابل شهد فلسطينيو 48 مسيرة تسييس عميقة من خلال البيت والمجتمع الواسع والأحزاب الداخلية السياسية والحركات الاجتماعية ووسائل الإعلام.
 
وفي ضوء الهوة الكبيرة بين المضامين المدرسية الرامية إلى تفريغ هويتهم الثقافية وبين المضامين المتلقاة من خارج المدرسة، نتجت حالة من الاغتراب تجاه جهاز التعليم وهو برأيي أحد أسباب فشل التعليم العربي الرسمي وهنالك هوة كبيرة بين البيت والمدرسة.
 
كما نتجت هوة لافتة بين التمكين اللغوي والتمكين الثقافي ففيما انحصرت نسبة الأمية اللغوية (بمعنى معرفة القراءة والكتابة) لدى فلسطينيي 48 في 7% فقد زادت الأمية الثقافية التي تعني معرفة الإنسان لثقافته وهويته وهي تنسحب بالطبع على مجمل السلوك السياسي.
 

هناك أبحاث آخرها للدكتورة خولة أبو بكر( جيل منتصب القامة) تقول إن الجيل الراهن اليوم فلسطيني الهوية أكثر من الأجيال التي أعقبت النكبة هل توافق على ذلك؟
 
-المسألة معقدة أكثر، ونشهد تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة على مستوى الوعي السياسي والنضالي الجماهيري وبروزا أكثر للهويات الفردية والفئوية والعائلية والطائفية. لقد انتقل فلسطينيو 48 من نفسية المقهور إلى نفسية المهزوم. في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كنا نعرف مصدر الظلم ونمتلك الشعور بضرورة التغيير والحفاظ على الهوية والصمود، ولكن اليوم ونتيجة العولمة وتجذير ثقافة الصمت والهوية الفردانية والنزعات المادية وتراجع الحياة الثقافية، نتج إنسان مهزوم يتأثر أيضا بما يجري في العالم العربي الذي تعمق فيه هذا الشعور والذي اتسعت فيه الهوة بين النخب السياسية والشعوب.
 

هل ترى أن فلسطينيي 48 هم فعلا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني أم أن الأمر غير ذلك؟
 
-حضاريا وتاريخيا وقوميا نحن جزء عضوي من الشعب الفلسطيني ولكن ثقافيا وسياسيا لنا خصوصياتنا التي أنتجتها مجمل الظروف التي تحيط بنا والتي تأثرت بقضية المواطنة في إسرائيل. العرب في إسرائيل يكابدون الإقصاء وهم اليوم على هامش مزدوج فهم على هامش المجتمع الإسرائيلي من جهة وعلى هامش الحركة الوطنية الفلسطينية والعالم العربي من جهة أخرى. ومع ذلك هناك تفاوت في مضمون الوعي الفلسطيني بين الفئات المختلفة لدى فلسطينيي 48 وهنالك فئات معينة تنازلت عن الهوية الجماعية الوطنية لصالح الهويات الفردية والقبلية.
 

ما هي مسؤولية فلسطينيي 48 أنفسهم عن هذه النتيجة؟
 
-لقد بلورنا هويتنا في ظروف صعبة ومعركة الحفاظ على الهوية القومية ترافقت مع معركة المساواة المدنية والبقاء، فدعوات الترحيل لدى الإسرائيليين في تصاعد منذ التسعينيات وبالذات بعد اتفاقات أوسلو حفاظا على إسرائيل كدولة يهودية. وخلال الانتفاضتين ساند المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل شعبهم في الضفة والقطاع بالسبل القانونية مما جعلهم بمنظور الأغلبية في إسرائيل أقلية معادية إلى حد الطابور الخامس، لكنهم لم يكسبوا المركزية لدى الطرف الفلسطيني أو العالم العربي، وهذه إشكالية لن تحل مع إنجاز السلام.
 
أخشى ما أخشاه أن يدفع فلسطينيو 48 ثمن التسوية كما دفعوا ثمن الصراع وذلك جراء الرغبة الإسرائيلية المتزايدة في التشديد على الهوية الصهيونية واليهودية، فهنالك قناعة متزايدة لدى الأغلبية اليهودية في إسرائيل بأنه لا يمكن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالقوة وأنه يجب الدخول في تسوية مع الفلسطينيين من خلال مبدأ الدولتين. ففي حين تدل استطلاعات الرأي على أن اقل من 5% من اليهود أيدوا إقامة دولة فلسطينية في نهاية الثمانينيات (مع بداية الانتفاضة الأولى)، فاليوم أكثر من ثلثي الإسرائيليين يؤيدون إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل أو يعتقدون أنها قائمة لا محالة.
 
ولكن هذه القناعة لا ترتكز إلى ثقافة سلام حقيقية، بل تنبع من القناعة الإسرائيلية بأن السبيل الوحيد للحفاظ على الطابع اليهودي-الصهيوني لدولة إسرائيل هو من خلال "الفصل" بين إسرائيل والفلسطينيين لمنع ما يسمى "الخطر الديمغرافي"، أي الخطر من أن يصبح الفلسطينيون في الداخل وفي الضفة والقطاع هم الأغلبية السكانية إذا ما استمرت إسرائيل في الاحتفاظ بالضفة وقطاع غزة.
 

ماهي أهم أسباب تعثر نشوء هوية ثقافية قومية متماسكة؟
 
-المواطنون العرب في إسرائيل يشكلون أقلية كبيرة اليوم تناهز 18%(1.2 مليون نسمة) ولكنهم مجتمع ضعيف فقير تنقصه البنى الاقتصادية-الاجتماعية. وما زاد من محنته بدلا من حلها وجود الكثير من الزعامات لا القيادات في طبقات النخب، ولا تنس التمييز الرسمي.
 

هل باتت مخاطر العنصرية والترحيل أكثر حدة؟
 
-لا شك أن انفتاح المجتمع اليهودي في إسرائيل نحو حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من جهة والإسرائيلي العربي من جهة أخرى، قد تزايد مع الوقت ولكن نتيجة لغياب ثقافة سلام كما ذكرنا، ونتيجة لضعف الثقافة المدنية في إسرائيل فقد ترافق ذلك مع انغلاق نحو حل الصراعات الداخلية، وخاصة العلاقات اليهودية العربية. فالإسرائيليون يتطلعون إلى قبض ثمن التنازل عن غزة والضفة نحو جعل إسرائيل دولة يهودية بشكل تام مما يعني إقصاء فلسطينيي 48، وهذه هي الخلفية لتنامي دعوات الترحيل بكل أنواعه بما في ذلك الترانسفير السياسي الذي يعني شل ونزع المواطنة عن المواطنين العرب من خلال قوانين عنصرية مختلفة أو إجراءات لتحجيم الدور السياسي للعرب كما اقترح في مؤتمر هرتسليا 2000.
 

العدوان على لبنان ونتائجه كيف أثرا على فلسطينيي 48 من ناحية الهوية وأنماط التفكير؟
 
-من السابق لأوانه أن نسبر غور هذه المسألة. بالطبع الحرب أنتجت شعورا بالفخر لدى قطاعات واسعة منهم بشكل يشبه ما جرى عقب حرب 1973، ولكن خلافا لتلك الحرب سدد فلسطينيو 48 ثمنا باهظا فنحو 40% من الضحايا المدنيين نتيجة للصواريخ هم من العرب.
 

وماذا بشأن آثار الحرب على وعي الإسرائيليين؟
-تركت الحرب آثارا مهمة أبرزها أنها وضعت حدا لمقولة الحلول الأحادية ونلاحظ اليوم هجمة كبيرة على الانسحاب من جانب واحد في مايو/أيار 2000 وإخلاء غزة في سبتمبر/أيلول 2005، ورغم أن أولمرت أكد في مستهل الحرب أن هذه ستسرع خطة الانطواء فإنه عاد وأعلن تعليقها. كما زعزعت هذه الحرب هوية الإسرائيليين "كأمة بالبزة العسكرية"، بمعنى أنها أصابت "ثقافة العسكرة" والقناعة بأن كل شيء يمكن أن يحل بالقوة، كما هو سائد في المجتمع الإسرائيلي.
 
الحاج يؤكد أن هناك أزمة قيادة في إسرائيل (الجزيرة نت)
ورغم التفوق المطلق لسلاح الجو الإسرائيلي فقد تبين عجز الجيش الإسرائيلي على الأرض في تحقيق أي من الأهداف التي وضعت في بداية الحرب. وهذه الوضعية فتحت بابا واسعا للنقاش داخل المجتمع الإسرائيلي وبدأ الخبراء العسكريون والمستشرقون يتحدثون عن أن المعنويات المتردية للجندي الإسرائيلي هي نتيجة حتمية للاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، مما حول هذا الجيش إلى شرطة لمطاردة المطلوبين وخلق ثقافة من الاستعلاء والاستخفاف بالآخر، وهو مما أثر بشكل سلبي على أداء الجيش.
 

يقال إن الحرب على لبنان كشفت مواطن ضعف خفية في إسرائيل؟
 
الحرب كشفت وجود شرخ جغرافي وطبقي كبير داخل المجتمع الإسرائيلي إلى حد يمكن معه القول فعلا إن هناك دولتين إسرائيليتين دولة تل أبيب ودولة الأطراف. إن معاناة الأطراف جراء تساقط الصواريخ لم ينم فقط عن عدم تهيئة كافية أو خطأ بل يعكس هامشية كل ما هو خارج منطقة المركز وتل أبيب وأقصد مدن التطوير والأطراف المأهولة باليهود الشرقيين والروس. كذلك أظهرت الحرب خطورة الفوارق الطبقية في المجتمع الإسرائيلي بعدما هرب للمركز والجنوب وخارج البلاد كل من كان يمتلك الإمكانيات فيما بقي الفقراء ومعظمهم من الشرقيين تحت قصف الصواريخ، ولا شك أن الشرخ الطبقي يشكل نقطة ضعف مهمة على المستوى الإستراتيجي.
 
كما أثبتت الحرب تآكل النخبة السياسية القديمة وأقصد النخبة الغربية (الأشكنازية) وربما أقول إن إيهود أولمرت هو آخر أو من أواخر الرؤساء من أصل غربي، لأن اليهود من أصل روسي البالغ عددهم اليوم 1.5 مليون نسمة يشارفون على الإمساك بدفة الحكم ومنهم ستتشكل النخبة الجديدة، أما الشرقيون فليسوا بديلا. حيث إنه من الأسهل على الأشكناز القبول بنخبة من أصل روسي وليس نخبة من أصل شرقي.
 

لماذا ترى في المهاجرين الروس ورقة مستقبلية رابحة في إسرائيل؟
 
-لم تجرب النخبة الروسية حتى الآن إضافة إلى أنها ذات مواقف متشددة وقياداتها أمثال النائب أفيغدور ليبرمان يعكسون وجهة الدكتاتور القوي المطلوب إسرائيليا خاصة في ظل تآكل النخب الأشكنازية. ولا تنس أن الروس هم مجموعة مبلورة سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفيهم أكبر نسبة من المتعلمين ولهم امتداد ثقافي مع الأم روسيا. وصنع أولئك مؤسسات روسية فاليوم هناك نحو 50 صحيفة باللغة الروسية إضافة للمسارح والمكتبات والمؤسسات الثقافية الخاصة، ولذا يمكننا الإشارة إلى الشتات الروسي في إسرائيل بدلا من قول إسرائيليين من أصل روسي.
 
كذلك صرح المهاجرون الروس بأنهم قدموا للبلاد لأسباب اقتصادية لا أيديولوجية وهذا يمنحهم قوة والتزاما تجاه أنفسهم أكثر منه تجاه الدولة ويجعلهم أكثر مجموعة إثنية مبلورة في المجتمع الإسرائيلي. ولذلك كله فهم جديرون بالدراسة المتعمقة من قبل كل من يتطلع إلى فهم حقيقة ما يجري في إسرائيل ومستقبلها. ومن هذا المنطلق فقد قمت بإجراء الدراسات الميدانية العميقة على هذه المجموعة منذ قدوم الموجة الأولى من المهاجرين الروس في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وقد توجت هذه الدراسات بكتاب نشر باللغة الإنجليزية من قبل دار النشر العالمية بريل بعنوان "الهجرة والتكوين الإثني في مجتمع شديد الانقسام".
 

هل تؤيد القول إن هناك أزمة قيادة عميقة في إسرائيل؟
-بالتأكيد هناك أزمة قيادة برزت في انحسار القيادات الأشكنازية التي جمعت بين الجيش والسياسة وفقدت اليوم سيطرتها وقدرتها على إقصاء أبناء الشرائح الأخرى.
 

تنتشر في إسرائيل ظاهرة التملص من الخدمة العسكرية هل مرد ذلك إلى ما ذكرت؟
-إسرائيل لا تختلف كثيرا عما يجري في العالم من ناحية العولمة التي ضربت الهويات الجماعية وحولت الهويات الفردية إلى أيدلوجية وأدت إلى انحسار كبير لثقافة الطلائعية والعطاء للدولة، وبدلا من ذلك فالفرد يسأل ماذا يمكن للدولة أن تعطيه بدلا من السؤال ماذا يمكن أن يعطي للدولة. ولا شك أن الهجرة الروسية قد فاقمت الظاهرة فهم لا ينظرون للجيش بنفس الهالة بعكس سائر الإسرائيليين، إضافة إلى أن المتدينين الأصوليين لم يغيروا موقفهم السلبي من الخدمة لأسباب دينية.
 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة