الهدن بسوريا.. ملاذ من الحرب والاعتقال   
الأربعاء 1437/9/25 هـ - الموافق 29/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

سلافة جبور-دمشق

لئن كانت الهدنة بتعريفها هي "وقف الاقتتال والأعمال العدائية خلال الحرب لفترة زمنية محددة"، فإنها في سوريا اليوم تعني أيضا الملاذ والحماية من أشكال مختلفة من الموت.

فمن غرب العاصمة دمشق إلى شرقها، تحولت المناطق المهادنة إلى ملجأ لمئات الناشطين والعائلات الهاربة من جحيم الحرب والقصف في المناطق الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة المسلحة من جهة، وخطر الاعتقال والتعذيب أو التجنيد الإجباري في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري.

وهذه المناطق -وأبرزها أحياء برزة والقابون شرق دمشق، وبلدات يلدا وببيلا جنوبها- خرجت عن سيطرة النظام بعد فترة وجيزة من انطلاق الثورة السورية، ليسيطر عليها مقاتلو الجيش الحر الذي تشكّل في عام 2011، ولتعيش حروبا ومعارك طاحنة دمّرت معظم أجزائها وهجّرت غالبية سكانها.

وفي أواخر عام 2013، بدأ النظام السوري بالتوجه نحو مهادنة عدد من المناطق المشتعلة وإيقاف الحرب فيها، الأمر الذي شجع الآلاف من سكانها على العودة إلى منازلهم، وآلافا آخرين على النزوح إليها هربا من أحوال أمنية أكثر تعقيدا في مدنهم وبلداتهم.

خيار إلزامي
ورغم صعوبة الحياة في هذه المناطق نظرا للحصار الجزئي الذي تفرضه عليها حواجز النظام المحيطة بها، وما يرافقه من غلاء الأسعار وعدم توفر كافة الاحتياجات وانقطاع التيار الكهربائي فترات طويلة؛ فإن كثيرين من قاطنيها يلتزمون البقاء فيها مفضّلين صعوبة الحياة على المخاطرة والخروج نحو عاصمة النظام ومعقله الأمني الأهم.

"هو خيار إلزامي، فالحرب والاعتقال لم يتركا لنا ترف الخيارات"، هذا ما يقوله عبد الله الخطيب -أحد ناشطي مخيم اليرموك- في حديثه للجزيرة نت.

فالناشط الذي أمضى جلّ حياته في أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق يمارس فيه نشاطه المدني والإعلامي منذ انطلاق الثورة السورية، وجد نفسه مجبرا على مغادرته بعد اشتداد وطأة المعارك وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء منه في أبريل/نيسان 2015، ليستقر به المقام في بلدة يلدا المجاورة التي تعيش هدنة منذ مطلع العام 2014.

ولا يمتلك الخطيب -كعشرات الناشطين غيره- القدرة على الخروج نحو العاصمة دمشق خوفا من الاعتقال، حيث توفر له البلدة التي يقيم فيها حاليا حماية جزئية من قوات النظام وأجهزته الأمنية، والتي يقتصر تواجدها على مداخل المناطق الخارجة عن سيطرتها.

وبحسب الناشط الدمشقي، يعيش في جنوب دمشق ما يقرب من مئة ألف مدني في أوضاع إنسانية تشهد تحسنا ملحوظا، مع دخول العديد من قوافل المساعدات والمواد الإغاثية -باستثناء المستلزمات الطبية- كما تتمتع النساء والأطفال بحرية نسبية في الحركة من المنطقة وإليها.  

وبدورهم، يتمكن الناشطون المقيمون في الجنوب المهادن الواقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة، من ممارسة نشاطاتهم المدنية والتي تتنوع بين المجالات التعليمية والتنموية والإعلامية والإغاثية بكل حرية.

ولا يرى الخطيب إمكانية عودته للمخيم الواقع تحت سيطرة تنظيم الدولة، وفي الوقت نفسه يتمسك بالبقاء والاستمرار في نشاطه المدني وتأدية دور يرى أنه يخدم من خلاله المجتمع ومبادئ الثورة.

بلدات يلدا وببيلا جنوب العاصمة دمشق (الجزيرة نت)

مثال آخر
ولا تختلف حكاية عبد الله الخطيب كثيرا عما يعيشه محمد الشامي، وهو ناشط إعلامي آثر مغادرة حياته في غوطة دمشق الشرقية، ليلجأ إلى حي القابون شرق العاصمة.

فمنذ نحو عام، دفع القصف والحصار الشديد الوطأة الناشط الإعلامي لاتخاذ القرار والاتجاه من الغوطة الشرقية نحو المنطقة المهادنة المجاورة، والتي تتمتع بأمان نسبي بعيدا عن الحرب وعن متناول يد قوات الأمن السورية التي لا تألو جهدا في اعتقال الناشطين ومعارضي النظام.

ويعيش آلاف السكان والنازحين في أحياء القابون وبرزة شرق دمشق حياة شبه هادئة، حيث تتوافر المواد الغذائية والمحروقات بأسعار أقل من مثيلاتها في الغوطة، كما توفر حالة وقف إطلاق النار وضعا إنسانيا ومدنيا جيدا، وذلك بحسب حديث الشامي للجزيرة نت.

ويستبعد الشامي فكرة العودة للغوطة مع استمرار الحصار والقصف الروسي السوري، كما يرى أن خروجه من مكان إقامته الحالي محكوم بمخاطر، يمثل الخوف من الاعتقال وملاحقة النظام أهمها.

ومن الجدير بالذكر أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت ما لا يقل عن 12 ألفا وخمسمئة حالة وفاة تحت التعذيب داخل مراكز الاحتجاز التابعة لقوات النظام، وذلك منذ مارس/آذار 2011 وحتى يونيو/حزيران 2016.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة